الشرح: اعلم أن الله عز وجل من أسمائه النور بمعنى الهادي وليس بمعنى الضوء وهذا معنى ما جاء في قوله تعالى: {الله نور السمـٰـوات والأرض} أي هادي المؤمنين لنور الإيمان، ومن حمل الآية على معنى الضوء سواء قال ضوء كبير أو صغير أو أصفر أو أحمر أو أخضر أو أبيض أو غير ذلك فهو مشبه لله بخلقه، وهو مكذب لقول الله عز وجل {يهدي الله لنوره من يشاء} أي لنور الإيمان، وقد قال الله سبحانه {فلا تضربوا لله الأمثال}، فمن اعتقد أن الله ضوء فهو غير عارف بربه وإنه كافر به وإن زعم أنه مسلم وإن صام وصلى صورة، وكذلك من اعتقد أن الله جسم يتوقد نورا أو أنه جسم تشع منه الأنوار أو أنه نور يتلألأ أو أنه تنبثق منه الأضواء فكل هذا تكذيب لقول الله عز وجل {ليس كمثله شيء} وقد أجمعت الأمة على كفر المشبهة والمجسمة.
وأما قول الله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} فالأرض في هذه الآية هي أرض القيامة ومعنى (أشرقت بنور ربها) أي بحكم ربها وليس معناها أن الله ضوء يغطي أرض القيامة كما نقل ابن تيمية عن أسلافه المشبهة المجسمة موافقا لهم ومقرا لذلك فقال في كتابه الأسماء والصفات ما نصه([1]): «فإذا جاءهم وجلس على كرسيه أشرقت الأرض بأنواره»، فهذا خلط وخبط وكفر صراح قائله ومعتقده لم يذق طعم الإيمان ولا عرف الإسلام.
قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط ما نصه: «الأرض في هذه الآية: الأرض المبدلة من الأرض المعروفة، ومعنى أشرقت: أضاءت وعظم نورها، {بنور ربها}. قيل: يخلق الله نور يوم القيامة، فيلبسه وجه الأرض، فتشرق الأرض به، وقال ابن عباس: النور هنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضيء الأرض.
وروي أن الأرض يومئذ من فضة، والمعنى: أشرقت بنور خلقه الله تعالى، أضافه إليه إضافة الملك إلى الملك، ويقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجور فلان.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، وكما فتح الآية بإثبات العدل، ختمها بنفي الظلم». اهـ.
وقال محمد بن أحمد القرطبي الأنصاري في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها} إشراقها إضاءتها، يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت. ومعنى: بنور ربها بعدل ربها، قاله الحسن وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها، والمعنى واحد، أي: أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به. وقال ابن عباس: النور المذكور هاهنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض وقد ضل قوم هاهنا فتوهموا أن الله -عز وجل- من جنس النور والضياء المحسوس، وهو متعال عن مشابهة المحسوسات، بل هو منور السماوات والأرض – أي خالق النور في السماوات والأرض-، فمنه كل نور خلقا وإنشاء». اهــ.
وقال البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: «وقال الحسن والسدي: بعدل ربها، وأراد بالأرض عرصات القيامة»([2]) اهـ.
وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير ما نصه: «{وأشرقت الأرض بنور ربها} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن، بدليل قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] وبدليل قوله تعالى: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة} [الحاقة: 14] بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة.
المسألة الثانية: قالت المجسمة: إن الله تعالى نور محض، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: {الله نور السمـٰوات والأرض} [النور: 35].
واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: {الله نور السمـٰوات والأرض} أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نورا، بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور هاهنا على العدل، فنحتاج هاهنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة». وأما بيان أن المراد من النور هاهنا العدل فقط أنه قال: {وجيء بالنبيين والشهداء}، ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضا قال في آخر الآية: {وهم لا يظلمون} فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم، فكأنه تعالى فتح هذه الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم.
والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه، كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز». اهـ.
وبعد الذي أوضحناه وشرحناه وبيناه من أن الله سبحانه وتعالى ليس ضوء ولا يشبه الأضواء يتبين لك أن ما قاله ابن تيمية في تفسير هذه الآية هو تحريف صريح وتزوير لتفسير الآية وليس شرحا لها، فبقوله والعياذ بالله تعالى من الكفر والضلال عن الله عز وجل: «إذا جاءهم وجلس على كرسيه أشرقت الأرض كلها بأنواره» فيه نسبة الانتقال والحركة والسكون والجلوس والتغير إلى الله تعالى، وهذه عقيدة فاسدة كاسدة نجسة خسيسة لا يقولها من عرف ربه، وهذا ثابت عن ابن تيمية وليس تقولا عليه، ومع ذلك فأشياعه وأتباعه يسمونه بشيخ الإسلام كذبا وزورا وبهتانا وما هو إلا رأس الفتنة وشيخ الضلالة وداعية النفاق وأتباعه الجماعات التكفيرية التخريبية الدموية الإرهابية الإفسادية الإجرامية الذين دمروا البلاد وعاثوا فيها الفساد قتلا وسفكا للدماء وهتكا للأعراض وانتهاكا للحرمات وفضحا للمسلمات الحرائر وكل ذلك باسم الدين والإسلام والإسلام منهم براء.
ولتثبت لك أن هذه العقيدة ثابتة عن ابن تيمية من كتبه وتأليفاته ورسائله ننقل بعضا منها مما وثق نسبتها إلى ابن تيمية الإمام الحافظ المجتهد المجدد المفسر النحوي المتكلم شيخ الإسلام والمسلمين عمدة المتكلمين وصدر العلماء العاملين ولسان المفتين وسيف الأشاعرة والماتريديين حامي حمى الملة والدين وناصر السنة وقامع البدعة الداعي إلى الهدى والخير والسداد والرشاد وفاضح المنافقين المشبهة المجسمة التكفيريين سيدي وشيخي ومولاي وقرة عيني وحبيب قلبي السلطان المنيع الشيخ أبو عبد الرحمٰـن عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن جامع الهرري الحبشي رضي الله عنه وأرضاه من كتابه «المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد ابن تيمية»([3]) ما نصه:
أما قوله – أي ابن تيمية- بقيام الحوادث بذات الله تعالى فقد ذكره في كتابه الموافقة فقال ما نصه([4]): «فمن أين في القرءان ما يدل دلالة ظاهرة على أن كل متحرك محدث أو ممكن، وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن، وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث». اهـ.
وقال في موضع ءاخر منه ما نصه([5]): «أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى بذلك لا نفيا ولا إثباتا، بل قول القائل: إن الله جسم أو ليس بجسم، أو جوهر أو ليس بجوهر، أو متحيز أو ليس بمتحيز، أو في جهة أو ليس في جهة، أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا تقوم به ونحو ذلك كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث لم يتكلم السلف والأئمة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات». اهـ.
وقال في المنهاج ما نصه([6]): «فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض فما الدليل على بطلان قولنا؟». اهـ.
وقال أيضا ما نصه([7]): «ومن قال: إن الخلق حادث كالهشامية والكرامية قال: نحن نقول بقيام الحوادث به، ولا دليل على بطلان ذلك، بل العقل والنقل والكتاب والسنة وإجماع السلف يدل على تحقيق ذلك، كما قد بسط في موضعه. ولا يمكن القول بأن الله يدبر هذا العالم إلا بذلك، كما اعترف بذلك أقرب الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب «المعتبر» وغيره». اهـ.
وقال ما نصه([8]): «بخلاف ما إذا قيل: كان قبل هذا الكلام كلام وقبل هذا الفعل فعل جائز عند أكثر العقلاء أئمة السنة، أئمة الفلاسفة وغيرهم». اهـ.
ثم قال([9]): «وأما إذا قيل: قال «كن» وقبل «كن» «كن»، وقبل «كن» «كن»، فهذا ليس بممتنع، فإن هذا تسلسل في ءاحاد التأثير لا في جنسه، كما أنه في المستقبل يقول «كن» بعد «كن»، ويخلق شيئا بعد شيء إلى غير نهاية». اهـ.
وقال في المنهاج ما نصه([10]): «فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل». اهـ.
ثم قال فيه ما نصه([11]): «وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما، فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة، ونصوص القرءان والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه، ولفظ الحوادث مجمل فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك، ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة». اهـ.
وقال أيضا ما نصه([12]): «وأما قولهم: وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال، فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام، وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل باطل عقلا وشرعا، وهو أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات، وقد تبين فساده في مواضع». اهـ.
ومعنى قوله قيام الحوادث بذات الله فهو أنه يعتقد أن الله تعالى تقوم به الحركة والسكون أي أنه متصف بالحركة والسكون الحادثين وشبه ذلك مما يقوم بذوات المخلوقين، ومن هنا يتضح قول الحافظ تقي الدين السبكي وغيره كما قدمنا أنه – أي ابن تيمية- جعل الحادث قديما والقديم حادثا، ولم يوافق في قوله هذا أحدا من أئمة الحديث إلا المجسمة.
ومن العجب افتراء ابن تيمية هذا معرضا عن حجة إبراهيم المذكورة في القرءان من احتجاجه بقيام الحوادث بالقمر والكوكب والشمس على عدم ألوهيتهم، وبقيام دلائل الحدوث بهم وهو التحول من حال إلى حال.
وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرامية شبرا بشبر، وقد ذكر ابن التلمساني شيئا من معتقداتهم الفاسدة التي تبناها ابن تيمية، فقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح لمع الأدلة للجويني ما نصه([13]): «وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سجستان لقبوا بالكرامية نسبة إلى محمد بن كرام، وزعموا أن الحوادث تطرأ يعني تتجدد على ذات الله، تعالى عن قولهم، وهذا المذهب نظير مذهب المجوس. ووجه مضاهاته لمذهب المجوس أن طائفة منهم تقول بقدم النور وحدوث الظلمة، وأن سبب حدوثها أن يزدان فكر فكرة فحدث منها شخص من أشخاص الظلمة فأبعده وأقصاه وهو هرمز، وجميع الشر ينسب إليه. وكذلك الكرامية تزعم أن الله تعالى إذا أراد إحداث محدث أوجد في ذاته كافا ونونا وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر سائر المخلوقات المباينة لذاته». اهـ. وقال الإمام أبو المظفر الأسفراييني ما نصه([14]): «ومما ابتدعوه – أي الكرامية – من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعا وتبصرا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم». اهـ.
فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، ومن المصيبة أن يأخذ مثل ابن تيمية بمثل هذه الفضيحة، فمذهبه خليط من مذهب ابن كرام واليهود والمجسمة، نعوذ بالله من ذلك.
وقد أجاب الإمام الحجة الأسفراييني في دحض هذه الفرية بقوله([15]): «هو أن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلا للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل منها كان محدثا مثلها، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: {لا أحب الأفلين} [الأنعام: 76] بين به أن من حل به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثا لا يصح أن يكون إلـها». اهـ.
فيكون بهذا ما توسع به ابن تيمية في كتبه من تجويز قيام الحوادث به تعالى وحلولها فيه خارجا عن معتقد أهل السنة والجماعة، أهل الحق.
فائدة: قال سيف الدين الآمدي في كتاب غاية المرام([16]) في علم الكلام ما نصه: «فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال: لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له نقصا أو كمالا أو لا نقص ولا كمال، لا جائز أن يقال بكونها غير موجبة للكمال ولا النقصان فإن وجود الشيء بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه، فما اتصف بوجود الشيء له وهو مما لا يوجب فوات الموصوف ولا فوات كمال له، وبالجملة لا يوجب له نقصا فلا محالة أن اتصافه بوجود ذلك الوصف له أولى من اتصافه بعدمه لضرورة كون العدم في نفسه مشروفا بالنسبة إلى مقابله من الوجود، والوجود أشرف منه، وما اتصف بأشرف الأمرين من غير أن يوجب له في ذاته نقصا تكون نسبة الوجود إليه مما يرجع إلى النقص والكمال على نحو نسبة مقابله من العدم، ولا محالة من كانت نسبته إلى ذلك وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه، ولا جائز أن يقال: إنها موجبة لكماله، وإلا لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون البارئ ناقصا محتاجا إلى ناحية كمال في حال عدمها، فبقي أن يكون اتصافه بها مما يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتصف بها، وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من الموجودات، ومحال أن يكون الخالق مشروفا أو ناقصا بالنسبة إلى المخلوق، ولا من جهة ما كما مضى». اهـ.
وننقل أيضا ما ذكره مولانا العبدري في نفس الكتاب ما نصه([17]):
أما قوله -أي قول ابن تيمية- بنسبة الحركة في حق الله تعالى فقد ذكر في كتابه المنهاج ما نصه([18]): «فإنا نقول إنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض فما الدليل على بطلان قولنا؟» اهـ.
وقال في الموافقة ناقلا كلام الدارمي المجسم ما نصه([19]): «لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة». اهـ.
وقال فيه أيضا ما نصه([20]): «وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل وإسحـق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات». اهـ.
أما قوله بالنزول في حق الله تعالى فقد ذكره في كتابه شرح حديث النزول فقال ما نصه([21]): «لكن هذا النور والبركة والرحمة التي في القلوب هي من ءاثار ما وصف به نفسه من نزوله بذاته سبحانه وتعالى كما وصف نفسه بالنزول عشية عرفة في عدة أحاديث صحيحة». اهـ. وقال في كتابه المنهاج ما نصه([22]): «ثم إن جمهور أهل السنة يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش كما نقل مثل ذلك عن إسحـق بن راهويه وحماد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته». اهـ.
وقال في كتابه شرح حديث النزول وكتابه الفتاوى ما نصه([23]): «والقول الثالث وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه». اهـ.
وقال في كتابه شرح حديث النزول أيضا([24]): «وحينئذ فإذا قال السلف والأئمة كحماد بن زيد وإسحـق بن راهويه وغيرهما من أئمة أهل السنة إنه ينزل ولا يخلو منه العرش لم يجز أن يقال: إن ذلك ممتنع». اهـ. ثم قال ما نصه([25]): «وأصل هذا أن قربه سبحانه ودنوه من بعض مخلوقاته لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف شاء، كما قال ذلك من قاله من السلف». اهـ.
فلينظر إلى هذه الأقوال من ابن تيمية وما ذلك منه إلا تمويه فهو ينسب الرأي الذي يعجبه إلى أئمة أهل الحديث أو السلف وهم بريئون من ذلك، ولن يستطيع أن يثبت ذلك عن أحد من أئمة الحديث إلا أن يكون من المجسمة المنتسبة إلى الحديث كأمثال الذي قال: ألزموني ما شئتم غير اللحية والعورة.
وليعلم أن نفي الحركة والسكون عن الله هو ما أطبق عليه علماء أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية لا يعلم في ذلك خلاف بل هو معنى قول الإمام الحافظ السلفي أبي جعفر الطحاوي في عقيدته: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» أليس من معاني البشر الحركة والسكون والجلوس، أليس تضمن تأويل الإمام أحمد بن حنبل قوله تعالى: {وجاء ربك} [الفجر: 22] «جاءت قدرته» نفي الحركة والسكون عن الله والتحيز في العرش، فلو كان يعتقد المجيء على ظاهره لما أول بل ترك اللفظ على ما هو عليه كما هو معتقد المشبهة، فإن لم تكن الحركة والسكون من معاني البشر فما هي معاني البشر، فإن الله جعل بعض العالم ساكنا كالسـمـوات السبع والعرش وجعل بعض العالم متحركا دائما وهي النجوم، وجعل بعض العالم متحركا تارة وساكنا تارة كالملائكة والإنس والجن والدواب؛ فكيف يصح أن يوصف الخالق بأحدهما، فلو كان متصفا بأحدهما لكان له أمثال كثير وذلك ينافي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فلو فهمت قول السلف في أحاديث الصفات: «أمروها كما جاءت بلا كيف» اهـ. فما معنى الكيف إلا نفي صفات الخلق عن الله ومنها الحركة والسكون.
وليس معنى قول السلف: «بلا كيف» إثبات الحركة والسكون والتنقل لله تعالى على ما توهمه بعض ظواهر الآيات والأحاديث.
ويكفي في الرد عليه ما ذكره الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات نقلا عن الحافظ أبي سليمان الخطابي ما نصه([26]): «وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة حين روى حديث النزول، ثم أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل كيف ينزل ربنا إلى السماء؟ قيل له: ينزل كيف يشاء، فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك وإن شاء لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تبارك وتعالى متعال عنهما {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل نفسه فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطإ الفاحش». اهـ.
وقال([27]) في قوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] ما نصه: «لم يرد به إتيانا من حيث النقلة». اهـ. وقال([28]) في حديث النزول ما نصه: «إنه ليس حركة ولا نقلة، تعالى الله عن صفات المخلوقين». اهـ.
وقال الحافظ البيهقي في قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ما نصه([29]): «والمجيء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه، جل الله تعالى عما يقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا». اهـ.
قال القرطبي في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى: {والـمستغفرين بالأسحار} بعد ذكره حديث النزول وما قيل فيه ما نصه([30]): «وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى». صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال، وأن الأول من باب حذف المضاف، أي ينزل ملك ربنا فيقول، وقد روى «ينزل» بضم الياء وهو يبين ما ذكرنا». اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما نصه([31]): «استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال». اهـ. وأفاض في ذكرهما، ثم قال: «وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا، ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما بلفظ: «إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع فيستجاب له» الحديث. وفي حديث عثمان بن أبي العاص: «ينادي مناد هل من داع يستجاب له» الحديث، قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال». اهـ.
قلت: وحديث عثمان بن أبي العاص أخرجه أحمد([32]) في مسنده بلفظ: «ينادي مناد كل ليلة: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مستغفر فيغفر له، حتى ينفجر الفجر»، وأخرجه الطبراني([33]) عنه بلفظ: «تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه»، الحديث، قال الحافظ الهيثمي([34]) عقبه: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح».
ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري قول البيضاوي ونصه([35]): «وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه». اهـ. وقال البيهقي في مناقب أحمد([36]): «أنبأنا الحاكم قال حدثنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا حنبل بن إسحـق قال: سمعت عمي أبا عبد الله يعني أحمد يقول: احتجوا علي يومئذ -يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين- فقالوا تجيء سورة البقرة يوم القيامة وتجيء سورة تبارك فقلت لهم: إنما هو الثواب، قال الله تعالى: {وجاء ربك} [الفجر: 22] إنما يأتي قدرته، وإنما القرءان أمثال ومواعظ.
قال البيهقي: وفيه دليل على أنه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان إلى مكان كمجيء ذوات الأجسام ونزولها، وإنما هو عبارة عن ظهور ءايات قدرته فإنهم لما زعموا أن القرءان لو كان كلام الله وصفة من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء والإتيان، فأجابهم أبو عبد الله بأنه إنما يجيء ثواب قراءته التي يريد إظهارها يومئذ فعبر عن إظهاره إياها بمجيئه». اهـ.
ونقل الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في تفسيره زاد المسير([37]) عن الإمام أحمد أنه فسر قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [النحل: 33] بمجيء أمره والقرءان يفسر بعضه بعضا.
وقوله تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطآن لكما عدو مبين} [الأعراف: 22] فيه دليل على صحة رواية النسائي([38]): «إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا»… فكما أن الله تعالى نسب نداء الـملك لآدم وحواء إلى نفسه لكونه بأمره، فكذلك صح إسناد نزول الملك إلى السماء الدنيا ليبلغ عن الله: «هل من داع فيستجيب الله له، وهل من سائل فيعطى، وهل من مستغفر فيغفر له» إلى الله. وفي الآية أيضا دليل على أن نداء الملك لبعض خلق الله بأمر الله يسند إلى الله من غير أن يكون هناك صوت يخرج من الله، فمن هنا يؤخذ رد اعتراض بعض المجسمة رواية النسائي لحديث النزول حيث إنه قال إن هذه الرواية تستلزم حصول قول من الملك: هل من مستغفر فأغفر له وهل من داع فأستجيب له. فنقول كما أن الله جعل نداء الملك لآدم وحواء بأن الله يقول لكما: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطآن لكما عدو مبين} [الأعراف: 22]، كذلك يحمل حديث النزول على الرواية المشهورة على أن الله يأمر الملك بالنزول إلى السماء الدنيا ويبلغ عن الله بأن يقول: إن الله يقول لعباده الداعين والسائلين: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه إلى ءاخر ما ورد فيه، وليس المعنى أن الملك يقول عن نفسه من يستغفرني فأغفر له ومن يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه. ونظير هذا ما جاء في القرءان من قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه *فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 16 – 18]، فقوله تعالى: {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] معناه فإذا قرأه جبريل عليك بأمرنا، ومعلوم أنه ليس المعنى أن الله يقرأ القرءان على رسول الله كما يقرأ المعلم على التلميذ، فبهذا ينحل الإشكال الذي يخطر لبعض الناس.
ويلزم من التمسك بظاهر رواية البخاري ومالك وغيرهما([39]) لحديث النزول المشهور أن يكون الله فيما بين النصف الثاني من الليل والفجر مستمرا في النزول والصعود إن حملوا النزول بالنسبة لكل أرض، وذلك أن الليل يختلف باختلاف البلاد فنصف الليل في بلد هو أول النهار في بلد ءاخر وقد يكون في أرض أول الليل أو أقل أو أكثر، وإن حملوا النزول على أرض واحدة فيما بين انتصاف ليلها وفجرها فبأي حجة خصصوا النزول بأرض واحدة، والحديث ليس فيه بأرض كذا.
قال بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ما نصه([40]): «اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه.
الأول: النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة: منتقل، ومنتقل عنه، ومنتقل إليه، وذلك على الله تعالى محال.
الثاني: لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله، وتنقلات كثيرة، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم، وعوده إلى العرش في كل لحظة على قولهم، ونزوله فيها إلى سماء الدنيا، ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل.
الثالث: أن القائل بأنه فوق العرش، وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا، وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة، فيلزم عليه أحد أمرين، إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه، ونحن نقطع بانتفاء الأمرين». اهـ.
وقال الحافظ البيهقي في السنن الكبرى([41]) ما نصه: «أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه جل الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوا كبيرا. قلت: وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو تدل من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته دعاءهم ومغفرته لهم، يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». اهـ.
فليعلم الجاهل الذي لا تمييز له أنه حاد عن الحق الذي اتفق عليه السلف والخلف، فإن من أول من السلف والخلف تأويلا إجماليا قال في حديث النزول وحديث الجارية وشبههما، وفي ءاية الاستواء على العرش والمجيء المذكور في قول الله تعالى: {وجاء ربك} [الفجر: 22] وشبههما من الآيات: «بلا كيف»، ومرادهم أن ذلك على غير صفة من صفات الخلق أي ليس النزول كالنزول الحسي ولا الاستواء بمعنى الجلوس والاستقرار، ولا المجيء بالانتقال والحركة وما هو من صفات المخلوق، فمعنى قولهم بلا كيف أن لهذه النصوص معان ليس فيها تشبيه لصفات الله بصفات الخلق.
وأما الذين أولوا التأويل التفصيلي كالذين أولوا المجيء بمجيء القدرة أي ءاثار قدرة الله، والنزول بنزول الملك أو نزول الرحمة وما أشبه ذلك كتأويل الإمام سفيان الثوري والإمام البخاري وجه الله المذكور في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] بما أريد به وجه الله وبملك الله، فلم يصفوا الله
تعالى بصفات المخلوقين، فكلا الفريقين لم يتمسك بظواهر تلك الآيات وتلك الأحاديث، فكل متفقون على تنزيه الله عن صفات المخلوقين وعلى أن تلك الآيات والأحاديث ليس معانيها المعاني المعهودة من الخلق، فلا أحد من الفريقين يعتقد في حديث النزول أن الله تعالى ينزل نزولا حسيا كنزول الملائكة والبشر، ولا أحد منهم يعتقد أن معنى الاستواء الجلوس والاستقرار على العرش أو الكون في جهة العلو من غير مماسة، وذلك تمسك منهم بمعنى قوله تعالى: {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] الذي هو تنزيه كلي، فترد تلك الآيات والأحاديث إلى هذه الآية لأنها محكمة. فنفاة التأويل الإجمالي والتفصيلي لا مهرب لهم من الوقوع في المحال فيصيرون ضحكة عند أهل التمييز والفهم الذين يوفقون بين النقل والعقل.
قال تقي الدين الحصني ما نصه([42]): «وفي مواضع أغراضهم – أي ابن تيمية وأتباعه- الفاسدة يجرون الأحاديث على مقتضى العرف والحس، ويقولون: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك ويجلس على العرش بذاته، ثم يقولون: لا كما يعقل، يغالطون بذلك من يسمع من عامي وسيء الفهم، وذلك عين التناقض ومكابرة للحس والعقل لأنه كلام متهافت يدفع ءاخره أوله وأوله ءاخره». اهـ.
أما قوله بالجلوس في حق الله تعالى فهو ثابت عنه وإن نفاه بعض أتباعه لما استبشعوا ذلك، ذكر ذلك في كتابه منهاج السنة النبوية([43]) فقال ما نصه: «ثم إن جمهور أهل السنة يقولون إنه ينزل ولا يخلو منه العرش كما نقل ذلك عن إسحـق بن راهويه وحماد بن زيد وغيرهما ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته». اهـ. وهذه فرية على أهل السنة ولا يستطيع أن يأتي بعبارة لأحد منهم فهذا محض تقول على الأئمة كما تقول في مسألة زيارة قبور الأنبياء والأولياء للدعاء عندها رجاء الإجابة، وتعامى عما أطبق عليه السلف والخلف من قصد القبور رجاء الإجابة من الله.
وقال في كتابه شرح حديث النزول([44]) ما نصه: «والقول الثالث وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه». اهـ.
وقال فيه أيضا ما نصه([45]): «والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكلابية، فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته ونحو ذلك، ويقولون: الاستواء فعل فعله في العرش فصار مستويا على العرش، وهذا أيضا قول ابن عقيل وابن الزاغوني وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم» اهـ. وقال فيه أيضا وفي فتاويه ما نصه([46]): «وقال أهل السنة في قوله: {الرحمٰن على العرش استوىٰ} [طه: 5]: الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز». اهـ.
وقال أيضا فيهما ما نصه([47]): «وإذا كان قعود الميت في قبره ليس هو مثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم من لفظ القعود والجلوس في حق الله تعالى كحديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيرهما أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد». اهـ.
ويقول ابن تيمية في كتابه بيان تلبيس الجهمية ما نصه([48]): «الوجه الخامس: أن العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف إلى ما تحته. فإذا كان القرءان قد جعل لله عرشا وليس هو بالنسبة إليه كالسقف علم أنه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنه فوق العرش». اهـ.
وقال في تفسير سورة العلق ما نصه([49]): «ومن ذلك حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد المقدسي في مختاره. وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهم، لكن أكثر أهل السنة قبلوه، وفيه قال: «إن عرشه أو كرسيه وسع السمـوات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع -أو ما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع- وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه». اهـ. ثم قال ما نصه([50]): «وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع، وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان». اهـ.
فلينظر إلى قوله: «يدل على أن الصواب في روايته النفي» أي على زعمه أن رواية النفي وهي: «لا يفضل من العرش شيء» أصح من رواية «أنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع»([51]).
ثم قال ما نصه([52]): «ومن قال: «ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع» فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى فاستثنوا فغلطوا، وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام، وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان، فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه». اهـ.
وقال في المنهاج ما نصه([53]): «وأما قوله إنه يفضل عنه من العرش من كل جانب أربع أصابع فهذا لا أعرف له قائلا ولا ناقلا، ولكن روي في حديث عبد الله بن خليفة أنه ما يفضل من العرش أربع أصابع يروى بالنفي ويروى بالإثبات، والحديث قد طعن فيه غير واحد من المحدثين كالإسماعيلي وابن الجوزي، ومن الناس من ذكر له شواهد وقواه، ولفظ النفي لا يرد عليه شيء فإن مثل هذا اللفظ يرد لعموم النفي كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد» أي ما فيها موضع، ومنه قول العرب: «ما في السماء قدر كف سحابا». وذلك لأن الكف يقدر به الممسوحات كما يقدر بالذراع، وأصغر الممسوحات التي يقدر بها الإنسان من أعضائه كف فصار هذا مثلا لأقل شيء. فإذا قيل: إنه ما يفضل من العرش أربع أصابع كان المعنى ما يفضل منه شيء، والمقصود بيان أنه أعظم وأكبر من العرش، ومن المعلوم أن الحديث إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فليس علينا شيء، وإن كان قاله فلم يجمع بين النفي والإثبات، فإن كان قاله بالنفي لم يكن قاله بالإثبات، والذين قالوه بالإثبات ذكروا فيه ما يناسب أصولهم كما بسط في غير هذا الموضع، فهذا وأمثاله سواء كان حقا أو باطلا لا يقدح في مذهب أهل السنة ولا يضرهم». اهـ.
فلينظر إلى قوله: «ولفظ النفي لا يرد عليه شيء» كيف يجيز نسبة هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كلام صريح في التجسيم، وانظر أيضا إلى تجويزه أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يفضل عنه أربع أصابع» الذي هو أقبح من لفظ النفي وإن كان كلا اللفظين يقتضي إثبات المساحة والمقدار لذات الله، وقد قام الدليل العقلي القطعي على استحالة ذلك على الله لأنه يلزم عليه أن يجوز على الله ما يجوز على سائر الأجرام كالشمس من الفناء والتغير، وأن يكون مستدير الشكل أو مربعه أو مثلثه إلى غير ذلك، وهل عرفنا عقلا أن الشمس محدثة إلا بالشكل ونحوه، فلو كان الله كذلك كما هو مقتضى كلامه هذا لجازت الألوهية للشمس عقلا، ومحال أن تثبت الألوهية لغير الله تعالى، فما أدى إلى المحال العقلي وهو الكون ذا مقدار وشكل محال، فثبت المطلوب وهو تنزه الله تعالى عن المقدار والمساحة والشكل.
ويقول في الفتوى الحموية بعد كلام ما نصه([54]): «وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة». اهـ.
وأما عبارته في فتاويه فإنها صريحة في إثباته الجلوس لله فقال فيه ما نصه([55]): «فقد حدث العلماء المرضيون وأولياؤه المقربون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه على العرش معه». اهـ.
وقد نقل عنه هذه العقيدة أبو حيان الأندلسي النحوي المفسر المقرئ في تفسيره المسمى بالنهر قال: «وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سماه كتاب العرش: إن الله يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكانا يقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحيل عليه التاج محمد بن على بن عبد الحق البارنباري، وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه»([56]). اهـ.
ونقل أبي حيان هذا كان قد حذف من النسخة المطبوعة القديمة، ولكن النسخة الخطية تثبته. وسبب حذفه من النسخة المطبوعة ما قاله الزاهد الكوثري في تعليقه على السيف([57])، قال: «وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة أنه استفظعها جدا فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكا لما كان منه ونصيحة للمسلمين». اهـ.
فلينظر العقلاء إلى تخبط ابن تيمية حيث يقول مرة إنه جالس على العرش، ومرة إنه جالس على الكرسي، وقد ثبت في الحديث أن الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة في أرض فلاة فكيف ساغ لعقله.
والأعجب من ذلك نقله قول عثمان الدارمي([58]) المجسم عن الله سبحانه وتعالى: «ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السمـوات والأرض». اهـ. نعوذ بالله من مقت القلوب. ويبطل قوله هذا كلام الإمام على بن الحسين زين العابدين: «سبحانك لا تحس ولا تمس ولا تجس»([59]).
ويبطله أيضا قول الإمام الحجة أبي المظفر الإسفراييني في رده على شبه الكرامية ونصه([60]): «ولما ورد عليهم هذا الإلزام تحيروا فقال قوم منهم: إنه أكبر من العرش، وقال قوم إنه مثل العرش، وارتكب ابن المهاجر منهم قوله: إن عرضه عرض العرش، وهذه الأقوال كلها متضمنة لإثبات النهاية، وذلك علم الحدوث لا يجوز أن يوصف به صانع العالم». اهـ.
ونقل ابن تيمية وأمثاله لا ينفع في العقائد لأنه لا يحتج في إثبات صفة لله إلا بنص الكتاب والسنة المتفق على صحتها السالم رواتها عن الضعيف، فلا يحتج في ذلك بالحديث إذا كان في رواته من هو مختلف فيه، فلا تثبت صفة بقول صحابي ولو صح الإسناد إليه، وما يروى عن التابعي أولى بعدم الاحتجاج به.
وقد ناقض ابن تيمية نفسه فيذكر في منهاجه عن حديث المهدي ما نصه([61]): «الثاني: أن هذا من أخبار الآحاد، فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به». اهـ، ثم إنه احتج بالمختلف في إسناده بل والموضوع، إضافة إلى احتجاجه بأقوال السجزي وعثمان الدارمي لإثبات بزعمه التجسيم ونسبة الحد والحركة والجلوس في حق الله سبحانه وتعالى، أليس هذا تلونا؟.!! وقد ثبت أنه كان يعتمد كتبهما كما ذكر تلميذه ابن القيم في كتابه المسمى اجتماع الجيوش الإسلامية ونصه([62]): «كتابا الدارمي -أي النقض على بشر المريسي والرد على الجهمية- من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها»، ثم قال: «وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يوصي بهما أشد الوصية ويعظمهما جدا». اهـ. وكيف لا يعظمهما وهما مرجعه في التجسيم والتشبيه.
وأما ما هو مذكور في نسخ الإبانة الموجودة اليوم مع نسبتها إلى أبي الحسن الأشعري من هذه العبارة وهذه هي بحروفها: «ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى بالأمر النازل بهم يقولون: يا ساكن العرش، ومن حلفهم جميعا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سمٰوات»، فهو كذب ظاهر تعمد مفتريه على الأشعري نسبة ذلك إليه، لأن الواقع يكذب ذلك فإن هاتين العبارتين لم ينقلا عن إمام ولا عن عالم أنه قال ذلك في دعائه أو في حلفه بل ولا عن عوام المسلمين.
فما أوقح هذا الذي نسب إليه هذا الكلام فإنه لا يستحي من الله ولا من المسلمين، فهذا الكتاب لا يجوز الاعتماد عليه لأن كل نسخة فيها هذا الكلام وما أشبهه فهي مدسوسة على الإمام أبي الحسن، والإمام أبو الحسن من أشهر من علم بنفي التحيز عن الله، وقد صرح بمنع قول إن الله بمكان كذا، وإن الله بمكان واحد أو في جميع الأمكنة، وهذا الذي توارد عليه أصحابنا الذين تلقوا عنه عقيدة أهل السنة والذين تلقوا عنهم وهلم جرا.
قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الوصية ما نصه: «نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى، تعالى عن ذلك علوا كبيرا»([63]). اهـ.
نقل الحافظ البيهقي في كتاب الأسماء والصفات([64]) عن الإمام أبي سليمان الخطابي أنه قال: «إن الذي علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فإن الصورة تقتضي الكيفية، والكيفية منفية عن الله وعن صفاته». اهـ.
وفيه أيضا عن أبي الحسن على بن محمد الطبري وجماعة ءاخرين من أهل النظر ما نصه([65]): «والقديم سبحانه عال على عرشه لا قاعد ولا قائم ولا مماس ولا مباين عن العرش يريد به مباينة الذات التي هي بمعنى الاعتزال أو التباعد، لأن المماسة والمباينة التي هي ضدها والقيام والقعود من صفات الأجسام، والله عز وجل أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فلا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام تبارك وتعالى.
وحكى الأستاذ أبو بكر بن فورك هذه الطريقة عن بعض أصحابنا أنه قال: استوى بمعنى علا، ثم قال: ولا يريد بذلك علوا بالمسافة والتحيز والكون في مكان متمكنا فيه ولكن يريد معنى قول الله عز وجل: {ءأمنتم من في السماء} [الملك: 16] أي من فوقها على معنى نفي الحد عنه، وأنه ليس مما يحويه طبق أو يحيط به قطر، قلت: وهو على هذه الطريقة من صفات الذات، وكلمة ثم تعلقت بالمستوى عليه لا بالاستواء، وهو كقوله: {ثم الله شهيد علىٰ ما يفعلون} [يونس: 46] يعني ثم يكون عملهم فيشهده، وقد أشار أبو الحسن بن إسماعيل إلى هذه الطريقة حكاية فقال: وقال بعض أصحابنا إنه صفة ذات ولا يقال لم يزل مستويا على عرشه، كما أن العلم بأن الأشياء قد حدثت من صفات الذات، ولا يقال لم يزل عالما بأن قد حدثت ولما حدثت بعد، قال: وجوابي هو الأول وهو أن الله مستو على عرشه وأنه فوق الأشياء بائن منها بمعنى أنه لا تحله ولا يحلها ولا يمسها ولا يشبهها، وليست البينونة بالعزلة تعالى الله ربنا عن الحلول والمماسة علوا كبيرا» انتهى كلام البيهقي بنصه.
ثم قال عقبه ما نصه([66]): «وفيما كتب إلي الأستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة ومعناه أن الرحمٰـن غلب العرش وقهره، وفائدته الإخبار عن قهر مملوكاته وأنها لم تقهره، وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات تنبيه بالأعلى على الأدنى». انتهى كلامه.
وحاصله كما لا يخفى أن فوقية الله على عرشه فوقية القهر والعظمة.
وما روي عن ابن عباس أنه فسر الاستواء بالاستقرار فهو من رواية السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح قال البيهقي([67]): «رواية منكرة»، وهذا السند يسمى سلسلة الكذب، فوجب الحذر من كتاب «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس» فإنه كذب عليه.
وينبغي أن يتنبه لمراد من قال من الأئمة: إنه بائن من الأشياء، ومن قال منهم: إنه تعالى غير مباين فإنه ليس خلافا حقيقيا بل مراد من قال: «بائن» أنه لا يشبهها ولا يماسها، ومراد من قال: «ليس مباينا» نفي المباينة الحسية المسافية، فمن نقل كلام من قال منهم «إنه بائن» وحمله على المباينة المسافية والمحاذاة كابن تيمية فقد باين الصواب وقول أئمة الحق ما لم يقولوه، فحذار حذار ممن يحمل كلامهم على غير محمله.
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله([68]): «ثم القول بالكون على العرش -وهو موضع بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة- لا يعدو من إحاطة ذلك به أو الاستواء به أو مجاوزته عنه وإحاطته به، فإن كان الأول فهو إذا محدود محاط منقوص عن الخلق إذ هو دونه. ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به من الأمكنة لجاز بما يحيط به من الأوقات فيصير متناهيا بذاته مقصرا عن خلقه.
وإن كان على الوجه الثاني فلو زيد على الخلق لا ينقص أيضا وفيه ما في الأول.
وإن كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مع ما يذم ذا من فعل الملوك أن لا يفضل عنهم من المعامد شيء. وبعد فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق والله يتعالى عن ذلك.
وبعد فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس أو القيام شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء، كمن يعلو السطوح أو الجبال إنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليها مع ما فيها ذكر العظمة والجلال، إذ ذكر في قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السمـٰوات والأرض} [يونس: 3] فدلك على تعظيم العرش» انتهى كلام الماتريدي.
وليعلم العاقل أن الجلوس كيفما كان افتراشا أو تربعا أو غيرهما فهو كيفية لأنه لا يخرج عن كونه من صفات الأجسام. وهكذا التحيز في المكان كيفية من كيفيات الأجسام واللون، والمماسة لجسم من الأجسام كيفية فهي منفية عن الله.
ونذكر في ختام هذه المقالة نص الفقهاء الحنفيين من الفتاوى الهندية في تكفير مثبت المكان لله عز وجل قالوا([69]): «يكفر بإثبات المكان لله تعالى فلو قال: لا محل خال من الله يكفر، ولو قال: الله تعالى في السماء فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد به المكان يكفر، وإن لم تكن له نية يكفر عند الأكثر وهو الأصح وعليه الفتوى، ويكفر بقوله الله تعالى جلس للإنصاف». اهـ.
([1]) الأسماء والصفات (طبعة دار الكتب العلمية 1/81).
([3]) المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية (طبعة دار المشاريع ـ الطبعة السادسة 1425هـ ص87 – 91).
([8]) مجموعة تفسير (ص312، 313).
([9]) مجموعة تفسير (ص313، 314).
([13]) شرح لمع الأدلة (ص80، 81)، مخطوط.
([14]) التبصير في الدين (ص66، 67).
([15]) التبصير في الدين (ص97، 98).
([16]) غاية المرام في علم الكلام (ص191، 192).
([17]) المقالات السنية (114 – 123).
([20]) انظر: الموافقة (2/4، 5).
([23]) شرح حديث النزول (ص66)، مجموع فتاوى (5/131 و415).
([26]) الأسماء والصفات (ص454، 455).
([36]) نقله عنه ابن كثير في تاريخه (10/327).
([38]) أخرجه النسائي في السنن الكبرى: عمل اليوم والليلة: باب الوقت الذي يستحب فيه الاستغفار.
([39]) أخرجه مالك في الموطإ: كتاب القرءان: باب ما جاء في الدعاء، والبخاري في صحيحه: كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة من ءاخر الليل، ومسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في ءاخر الليل والإجابة فيه.
([41]) انظر: السنن الكبرى (3/3).
([42]) دفع شبه من شبه وتمرد (ص7، 8).
([44]) انظر: شرح حديث النزول (ص66).
([45]) شرح حديث النزول (ص105).
([46]) شرح حديث النزول (ص145)، مجموع فتاوى (5/519).
([47]) شرح حديث النزول (ص151)، مجموع فتاوى (5/527).
([49]) مجموعة تفسير (ص354، 355).
([51]) المصدر نفسه، (ص356، 357).
([53]) انظر: المنهاج (1/260، 261).
([54]) رسالة الفتوى الحموية الكبرى (ص79).
([56]) انظر: النهر الماد، تفسير ءاية الكرسي.
([57]) انظر: السيف الصقيل (ص85).
([58]) بيان تلبيس الجهمية (1/568).
([59]) انظر: إتحاف السادة المتقين لمرتضى الزبيدي (4/380).
([60]) التبصير في الدين (ص66).
([63]) المقالات السنية (ص159 – 169).
([64]) الأسماء والصفات (ص296).
([65]) المصدر نفسه، (ص410، 411).