الشرح: ليعلم أن الإنسان لا يسعه أن يفسر القرءان برأيه وهواه، فمن الآيات ما قد يظن الإنسان بأن معناها ظاهر له، ومعناها بعيد جدا عن ما يعرفه هو، فلذلك لا بد من أخذ التفسير وبقية العلوم بالتلقي عن أهل العلم لا بالرأي والهوى، وإلا فقد يهلك الإنسان ويصل إلى الكفر بما يظنه تفسيرا للآية، وفي الأصل يكون تحريفا لمعناها وتكذيبا للدين، فليقف العاقل عند حد الشرع ولا يتسرع، فسلامة الدين لا يعدلها شيء، ونذكر مثالا لما قدمناه الآن كهذه الآية الكريمة {وامرأته قآئمة فضحكت} أي سارة زوجة إبراهيم عليهما السلام حاضت فبشرتها الملائكة بإسحاق.
قال الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري في تفسيره ما نصه: «بل معنى قوله: «فضحكت» في هذا الموضع: فحاضت.
ذكر من قال ذلك:
حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال حدثنا بقية بن الوليد عن على بن هارون عن عمرو بن الأزهر عن لي عن مجاهد في قوله: {فضحكت} قال: حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة. قال: وكان إبراهيم ابن مائة سنة». اهـ.
قال تعالى في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} [الصافات: 112، 113]
وقال الله تبارك وتعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون * فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم* فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم} [الذاريات: 24 – 30].
كان إبراهيم عليه السلام يذهب بعد كل مدة إلى مكة المكرمة يتفقد ولده إسماعيل وأمه هاجر عليهم السلام، وقد صار إسماعيل عليه السلام بعدما تزوج هناك نبيا. وبعد أن بلغت زوجته سارة سن اليأس وهو السن الذي لا تلد المرأة فيه عادة، وكانت امرأة عقيما، وكان عمرها تسعين سنة رزقها الله ورزق زوجها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابنا نجيبا عليما هو إسحاق عليه السلام الذي صار بعد ذلك نبيا كأخيه إسماعيل عليهما السلام.
أما كيف جاء إبراهيم وزوجته سارة البشارة بهذا الولد الطيب فقد ذكر الله تبارك وتعالى أن ثلاثة من الملائكة المكرمين عنده قيل هم: جبريل وميكائيل وإسرافيل لما وفدوا على نبي الله إبراهيم الخليل حسبهم أولا ضيوفا، فعاملهم معاملة الضيوف وشوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره، فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الأكل لأن ملائكة الله الكرام لا يأكلون ولا يشربون ولا يتعبون ولا يتوالدون وليس فيهم حاجة إلى الطعام، فلما وجد إبراهيم عليه السلام أن ضيوفه ليس لهم همة على الأكل لم يعرفهم ونكرهم وأوجس منهم خيفة، عند ذلك هدءوا روعه وقالوا له: لا تخف، وطمأنوه أنهم في طريقهم إلى مدائن قوم لوط الكافرين ليدمروهم وينزلوا بهم العذاب لكفرهم وفجورهم، فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم، وكانت قائمة على رءوس الضيوف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم، وضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى: {وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب} [هود: 71] أي بشرتها الملائكة بذلك، عند ذلك أقبلت سارة في صرخة وصكت وجهها كما يفعل النساء عند التعجب وقالت: كيف يلد مثلي وأنا امرأة كبيرة وعقيم وزوجي شيخ كبير فقالوا لها: {أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} [هود: 73]، وكذلك تعجب إبراهيم استبشارا بهذه البشارة فرحا بها {قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} [الحجر: 54، 55} أي اليائسين، فأكدوا لإبراهيم هذه البشارة وبشروه وزوجته سارة بغلام عليم وهو إسحاق أخو إسماعيل عليهما الصلاة والسلام.