الشرح: ليعلم أن معنى قوله تعالى في هذه الآية (تجادلك) أي تراجعك لتفهم وتعرف وتتعلم وليس معناه تناقشك وترد كلامك أو تعاندك، بل هنا المجادلة بمعنى المراجعة لتفهم وتستوضح وتستعلم حكم المسألة.
وأما قوله تعالى: {والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] دليل على أن صوت المرأة ليس عورة وإلا ما استمع الرسول إلى قولها ولا وقف معها ولا كلمته ولا كلمها، وفي الآية دليل على جواز الاختلاط المباح وليس كما يزعم بعض الغلاة الذين يتشددون في غير محله فيفسقون المرأة التي تتكلم مع الرجال أو يحرمون الاختلاط مطلقا حتى إن وهابيا من وهابية مصر من أجلافهم وهو أبو إسحاق الحويني الذي ملأ الدنيا شرا وفسادا ومع هذا يدعي أنه محدث وفقيه وهو من أجهل خلق الله وهو لا في العير ولا نفير وبكل وقاحة على اليوتيوب جعل النساء غبيات وليس لهن أن يتعلمن وهن جاهلات وزعم أن العلم للرجال فقط، وهذه الآية تكذبه، فالنساء الصحابيات كن يأتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألنه ويتعلمن منه ويتفقهن ثم هن يعلمن الرجال والنساء كالسيدة عائشة التي كانت تدرس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأم الدرداء الكبرى رضي الله عنهما وكم في كتب السنة النبوية الشريفة رواية رجال الصحابة عن الصحابيات ولا سيما أمهات المؤمنين فماذا يفعل وماذا يقول وهابية الجهل الذين خالفوا القرءان والحديث والإجماع ونصوص علماء المذاهب الأربعة؟ وأبو إسحاق هذا الوهابي قال أيضا في مقطع آخر على اليوتيوب «في العرف القديم أن وجه المرأة كفرجها»، فعجيب وغريب هو دين الوهابية الذين يساوون بين وجه المرأة وفرجها فعلى حد زعمه ماذا يفعل في الشوارع والطرقات والأسواق والمطارات والطائرات وفي مكة والمدينة عندما يرى هو وجوه النساء؟!!!
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت. والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما. وشكى واشتكى بمعنى واحد.
وقرئ «تحاورك أي: تراجعك الكلام وتجادلك أي: تسائلك». اهـ.
وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: «{قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس ابن الصامت، وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية. فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت علي. فقالت: والله ما ذاك طلاق، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه – فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام.
فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر. فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ – وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات – فلما قضي الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قد سمع الله قول التي تجادلك} الآيات.
قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها – سمع الله أزلي أبدي ليس كسمع المخلوقين ليس بأذن أو آلة أخرى- إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ أنزل الله: {قد سمع الله} الآيات.
ومعنى قوله: {قول التي تجادلك} وتحاورك وتراجعك في زوجها {وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} مراجعتكما الكلام {إن الله سميع بصير} سميع لما تناجيه وتتضرع إليه، بصير بمن يشكو إليه. اهــ.
وقال الطبري في تفسيره ما نصه: «إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه». اهـ.
قال الإمام المجتهد الحافظ الشيخ عبد الله الهرري الحبشي رضي الله عنه في كتابه صريح البيان في الرد على من خالف القرءان ما نصه([1]):
اعلم أن القول المعول عليه في المذاهب الأربعة في صوت المرأة أنه ليس بعورة، وكيف يقال إنه عورة وقد ثبت في الحديث أن الرسول رخص لجارية في الغناء عند إهداء العروس إلى زوجها، روى البخاري([2]) في الصحيح عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو»، وفي رواية الطبراني([3]) عن شريك عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني»؟ قالت عائشة: تقول ماذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقول:
أتيناكم أتيناكم | فحيونا نحييكم |
ورواية الطبراني هذه صحيحة ففيها زيادة كما هو ظاهر على رواية البخاري وهي الضرب بالدف والغناء بهذه الكلمات، ومعنى الجارية في اللغة الفتاة كما هو مذكور في القاموس المحيط ولسان العرب في مادة (ج ر ي).
وروى البخاري([4]) أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دعهما» فلما غفل غمزتهما فخرجتا».
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري([5]): «قوله: «جاريتان» زاد في الباب الذي بعده: «من جواري الأنصار» وللطبراني([6]) من حديث أم سلمة أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي الأربعين للسلمي أنهما كانتا لعبد الله بن سلام، وفي العيدين لابن أبي الدنيا من طريق فليح عن هشام بن عروة: «وحمامة وصاحبتها تغنيان» وإسناده صحيح، ولم أقف على تسمية الأخرى ولكن يحتمل أن يكون اسم الثانية زينب، وقد ذكره في كتاب النكاح». اهـ.
وقال أيضا([7]) ما نصه: «لكن عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره»، وقال أيضا: «واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكة لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكر إنكاره». اهـ.
وكذلك روى البخاري([8]) عن خالد بن ذكوان: قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من ءابائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: «وفينا نبي يعلم ما في غد» فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين». اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما نصه([9]): «وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بنساء من الأنصار في عرس لهن وهن يغنين:
وأهدى لها كبشا تنحنح في المربد | وزوجك في النادي ويعلم ما في غد |
فقال: «لا يعلم ما في غد إلا الله».
قال الـمهلب: «في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، وفيه إقبال الإمام إلى العرس وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح». اهـ، وروى الحديث أيضا البزار([10]).
وروى ابن ماجه وغيره([11]) عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار | يا حبذا محمد من جار |
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله يعلم إني لأحبكن».
قال الحافظ البوصيري: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات»([12]).
وقال الحافظ اللغوي محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى في كتابه([13]) إتحاف السادة المتقين ما نصه: «قال القاضي الروياني فلو رفعت صوتها -أي المرأة- بالتلبية لم يحرم لأن صوتها ليس بعورة». اهـ.
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني([14]) في فتح الباري ما نصه: «وفي الحديث – يعني حديث مبايعة النساء بالكلام – أن كلام الأجنبية مباح سماعه وأن صوتها ليس بعورة». اهـ.
وذكر النووي([15]) في شرح صحيح مسلم في شرح حديث كيفية بيعة النساء ما نصه: «وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة وأن صوتها ليس بعورة». اهـ.
وقال ابن عابدين([16]) الحنفي ناقلا عن كتاب القنية: «ويجوز الكلام المباح مع امرأة أجنبية، وفي المجتبى رامزا: وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بأن يتكلم مع النساء بما لا يحتاج إليه، وليس هذا من الخوض فيما لا يعنيه». اهـ. وفي كتاب أسنى المطالب شرح روض الطالب([17]) للشيخ زكريا الأنصاري الشافعي ما نصه: «وصوتها ليس بعورة على الأصح([18]) في الأصل». اهـ.
فالحكم في صوت المرأة بعد هذا البيان أنه ليس بعورة إلا لمن كان يتلذذ بسماع صوتها فيحرم عليه الاستماع حينئذ.
فإن قيل: أليس في قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] تحريم الاستماع إلى صوت المرأة؟
فالجواب: أن الأمر ليس كذلك، قال القرطبي([19]) في تفسيره: «أمرهن الله – يعني نساء النبي- أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام الـمريبات والمومسات، فنهاهن عن مثل هذا». اهـ.
وقال أبو حيان في تفسير البحر المحيط([20]) {فلا تخضعن بالقول} [الأحزاب: 32] «قال ابن عباس: «لا ترخصن بالقول». وقال الحسن: «لا تكلمن بالرفث». وقال الكلبي: «لا تكلمن بما يهوى المريب». وقال ابن زيد: «الخضوع بالقول ما يدخل في القلب الغزل» وقيل لا تلن للرجال القول. أمر تعالى أن يكون الكلام خيرا لا على وجه يظهر في القلب علاقة ما يظهر عليه من اللين كما كان الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم الصوت ولينه مثل كلام المومسات، فنهاهن عن ذلك». اهـ.
فيعلم من ذلك أنه ليس المراد بهذه الآية أنه يحرم عليهن أن يتكلمن بحيث يسمع الرجال أصواتهن، بل النهي عن أن يتكلمن بكلام رخيم يشبه كلام المريبات المومسات أي الزانيات، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تدرس الرجال من وراء ستار، ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه التلخيص الحبير([21]) في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ما نصه: «فإنه ثابت في الصحيح أنهم كانوا يسألون عائشة عن الأحكام والأحاديث مشافهة». اهـ.
وروى الحاكم في المستدرك([22]) عن الأحنف بن قيس قال: «سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم والخلفاء هلم جرا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة رضي الله عنها». اهـ.
وفي التفسير الكبير([23]) للفخر الرازي عند تفسير قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} الآية [النور: 31] ما نصه: «وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال». اهـ.
قلت: ومنهن عائشة رضي الله عنها كانت تحدث الرجال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفتيهم ولم تكن تغير صوتها، وكذلك كانت تحدث بعض النساء من ءال صلاح الدين الأيوبي حديث رسول الله للرجال، ومن راجع كتب طبقات المحدثين والحفاظ والفقهاء لوجدها عامرة بتراجم من أخذ منهم العلم سماعا وقراءة عن النساء.
والأفضل أن يعلم النساء النساء في المكان الذي يوجد فيه من النساء من هن أهل للتعليم من حيث الكفاءة والثقة، والله سبحانه وتعالى أعلم». اهـ.
وقال أيضا رضي الله عنه ما نصه([24]):
اعلم أنه لا ينبغي الغلو في الدين بل يجب الاعتدال، فلا يجوز تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله، قال الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [المائدة: 77]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه في الحج بمزدلفة: «هات القط لي»، فالتقط له حصى مثل حصى الخذق، قال له رسول الله: «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»([25]) ثم إن بعض الناس غلوا بمسألة اجتماع الرجل بالنساء في هذا الزمن في بعض البلاد فحرموا ما لم يحرم الله وهو مجرد اجتماع الرجال بالنساء من غير خلوة ومن غير تلاصق ومن غير كون النساء كاشفات الرؤوس، وليس لهم دليل في ذلك إلا اتباع الهوى. ثم اختلاط الرجال بالنساء هو على وجهين، وجه جائز ووجه محرم، والوجه الجائز هو الاختلاط بدون تلاصق بالأجسام ولا خلوة محرمة، والوجه المحرم ما يكون فيه تلاصق وتضام كما بين ذلك الشيخ ابن حجر في فتاويه الكبرى والشيخ أحمد بن يحيى الوانشريسي في كتابه الذي جمع فيه فتاوى فقهاء المغرب المسمى المعيار المعرب([26]) وكان من أهل القرن العاشر الهجري. وروى البخاري([27]) ومسلم([28]) والترمذي([29]) والنسائي([30]) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضم» أو: «يضيف هذا»، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ضحك الله الليلة» أو: «عجب من فعالكما» فأنزل الله {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] وضحك هنا بمعنى رضي وليس كضحك البشر، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح([31]). فهذا نص صريح صحيح في أن الصحابي جلس هو وزوجته مع الضيف كما يجتمع الأكلة على الطعام من التقارب، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. وروى البخاري([32]) في صحيحه عن سهل قال: «لما عرس أبو أسيد الساعدي، دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد» الحديث. قال الحافظ ابن حجر([33]): «وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة، ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك». اهـ. وروى الإمام المجتهد ابن المنذر([34]) في كتابه الأوسط فقال: «حدثنا على بن عبد العزيز قال: ثنا حجاج قال: نا عن ثابت وحميد عن أنس قال: قدمنا مع أبي موسى الأشعري فصلى بنا العصر في الـمربد ثم جلسنا إلى مسجد الجامع فإذا المغيرة بن شعبة يصلي بالناس والرجال والنساء مختلطون فصلينا معه». اهـ. وروى ابن حبان([35]) عن سهل بن سعد قال: «كن النساء يؤمرن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يرفعن رؤوسهن حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من الأرض من ضيق الثياب». اهـ. فهذان الحديثان فيهما دليل أيضا على أن اجتماع الرجال والنساء في موضع واحد جائز من غير أن يكون بين الرجال والنساء ستار ممدود، وفيهما أن اختلاط الرجال والنساء بدون تلاصق جائز، وإنما الخلطة المحرمة هي التلاصق بالأبدان. وفي شرح النووي على المهذب([36]) ما نصه: «ولأن اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام». اهـ. ويدل لقول النووي حديث ابن عباس أن الرسول قال للنساء عند المبايعة: «إنما أنبئكن عن المعروف الذي لا تعصينني فيه أن لا تخلون بالرجال وحدانا ولا تنحن نوح الجاهلية»، رواه الحافظ ابن جرير الطبري. ومعنى قوله عليه السلام: «وحدانا» أي لا تخلو المرأة الواحدة بالرجل الواحد فهذه هي الخلوة التي حرمها الرسول. ونص فقهاء المالكية على أن المعصية تنتفي بالتعدد أي باختلاء رجلين مع امرأة واحدة أو امرأتين مع رجل واحد، وقد ذكر ذلك الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في شرح روض الطالب ممزوجا([37]) بالمتن: «يجوز لرجل أجنبي أن يخلو بامرأتين ثقتين». اهـ. وكذا ذكر محمد الأمير المالكي([38]) أن الخلوة المحرمة لا تكون مع التعدد أي لا يحرم خلوة امرأتين برجل ولا خلوة رجلين بامرأة. وإنما حرم رسول الله خلوة رجل أجنبي بامرأة واحدة، وسمح في اجتماع رجلين أو أكثر بامرأة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، ففي هذا الحديث دليل في قوله عليه السلام: «بامرأة» أنه إذا كانت النساء أكثر من واحدة ليس بحرام، وكذلك إذا اجتمع رجلان بامرأة ليس بحرام. هذا معنى حديث رسول الله، وهذا الحديث صحيح رواه الترمذي([39]). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلن رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان» رواه مسلم([40]) وغيره([41]). والمغيبة هي المرأة التي زوجها غائب. فحرم علينا رسول الله أن يدخل الواحد منا على هذه المغيبة وأذن في دخول اثنين فأكثر على هذه الواحدة، وأخذ على النساء عهدا أن لا يخلون بالرجال وحدانا أي لا تخلو واحدة بواحد. وفي هذا الحديث أيضا دليل على أنه إذا خلت واحدة برجلين أو أكثر ليس حراما، وكذلك إذا خلا رجل واحد بامرأتين فأكثر. وهذا الحكم مطلق يشمل اجتماع الرجال بالنساء على هذا الوجه الذي دل الحديث على جوازه إن كان الاجتماع لأمر دنيوي لا معصية فيه أو لأمر ديني كتعلم علم الشرع أو للذكر إن كن مغطيات رؤوسهن وما سوى ذلك مما هو عورة. فمن خالف ذلك وحرم اجتماع النساء عند رجل لتعلم علم الدين فالويل له لأنه حرم ما لم يحرم الله، فكيف يحرم هذا وقد ثبت في كتب الحديث أن النساء كن يصلين مع رسول الله صلاة الجماعة ثم ينصرفن، وكن يقفن في الصف الذي بعد صف الرجال ولم يكن يمد ستار بين صف الرجال وصف النساء بل كان مكشوفا، وكذلك ورد في صحيح البخاري([42]) أن الرسول كان يأمر بخروج النساء لصلاة العيد إلى المصلى وهو مكان بالمدينة قريب من المسجد، كانت الشابات يحضرن ليصلين العيد خلف الرسول في ذلك المصلى والحيض يعتزلن المصلى ليشهدن الخير، ثم بعض المرات اعتزل هو وبلال رضي الله عنه إلى النساء فوعظهن. وفي صحيح البخاري أيضا: «باب موعظة الإمام النساء يوم العيد». ولم يزل من عادات المسلمين في البلاد الكبيرة أن بعض العلماء كان يخص النساء بدرس في جانب من المسجد وكان يفعل ذلك الشيخ طاهر الريس رحمه الله بحمص. فاتقوا الله أيها المحرمون لتدريس الرجل النساء علم الدين بغير دليل شرعي، واعلموا أن كلامكم الذي تقولونه يكتب عليكم، يقول الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هـذا حلال وهـذا حرام} [النحل: 116] واذكروا قوله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] فعليكم أن تحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وإلى الله المرجع والمآب. فبعد هذا البيان للحكم الشرعي لا يجوز مخالفته من أجل العادة التي ألف الشخص في بلده، ومن أقبح القبيح أن يترك الشخص أحاديث رسول الله الصحيحة ويتعلق بعادة بلده، وهذا خلاف سيرة الأئمة المجتهدين الشافعي ومالك وغيرهما، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». وقد تقدم أنه جاء في صحيح مسلم: «لا يدخلن أحدكم على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان». فإذا علم هذا علم أنه لا يجوز الإنكار على من يجلس مع نساء أجنبيات لتعليم الدين أو للوعظ، وليتق الله امرؤ ينكر ذلك أو يحرمه، كيف يقدم على ذلك بعد هذه النصوص، ومن أين له أن يطلق القول بتحريم خلطة الرجال بالنساء على غير وجهه والرسول عليه السلام يقول: «لا تخلون بالرجال وحدانا» أي واحدة بواحد، والوحدان جمع واحد، وفي صحيح ابن حبان([43]) أنه جاء أبي بن كعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه كان مني الليلة شيء في رمضان قال: «وما ذاك يا أبي»، قال: نسوة في داري قلن: إنا لا نقرأ القرءان فنصلي بصلاتك، قال: فصليت بهن ثمان ركعات ثم أوترت، قال: فكان شبه الرضا ولم يقل شيئا. اهـ. وروى يحيى بن يحيى
عن مالك في الموطإ([44]) أنه سئل هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم أو مع غلامها؟ فقال مالك: «ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله». اهـ. فإن احتج المانعون بالحديث الذي رواه ابن حبان([45]): «ليس للنساء وسط الطريق»، فالجواب ما قاله ابن حبان عقبه: «لفظة إخبار مرادها الزجر عن شيء مضر فيه وهو مماسة النساء الرجال في المشي إذ وسط الطريق الغالب على الرجال سلوكه والجوانب على النساء أن يتخللن الجوانب حذر ما يتوقع من مماستهم إياهن». اهـ.
وقال أيضا في ما نصه([46]):
اعلم أن خروج المرأة متزينة أو متعطرة مع ستر العورة مكروه تنزيها دون الحرام، ويكون حراما إذا قصدت المرأة بذلك التعرض للرجال، أي إذا قصدت فتنتهم. روى ابن حبان([47]) والحاكم([48])، والنسائي([49]) والبيهقي([50]) في باب ما يكره للنساء من الطيب، وأبو داود([51]) عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية». وأخرج الترمذي([52]) في باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة من حديث أبي موسى الأشعري أيضا مرفوعا: «كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» يعني زانية. اهـ. فهذه الرواية الأخيرة مطلقة، ورواية: «ليجدوا ريحها» مقيدة، ومخرج الكل واحد، فيحمل المطلق على المقيد عملا بالقاعدة التي جرى عليها الجمهور من حمل المطلق على المقيد تحاشيا لما يترتب على العكس من الخروج عن إجماع الأئمة، فإنه لم يقل أحد منهم بحرمة خروج المرأة متطيبة على الإطلاق، وهذا الحمل موافق لحديث عائشة الذي رواه أبو داود([53]) في سننه أنها قالت: «كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك المطيب للإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها». والرسول ونساؤه كانوا يحرمون بذي الحليفة وهي على بضعة أميال من المدينة. والحديث الأول رواه النسائي، والبيهقي في باب ما يكره للنساء من الطيب لأنه لم يفهما منه تحريم خروج المرأة متعطرة إلا الكراهة التنزيهية، لأن الكراهة إذا أطلقت فيراد بها عند الشافعيين الكراهة التنزيهية كما ذكر ذلك الشيخ أحمد بن رسلان([54]) الشافعي قال:
وفاعل المكروه لم يعذب | بل إن يكف لامتثال يثب |
ومن المعلوم أن البيهقي كان شافعي المذهب، ومثل الشافعية الحنابلة والمالكية فإنهم يريدون بالكراهة عند إطلاقها الكراهة التنزيهية، أما الحنفية فيريدون بها غالبا ما يأثم فاعله. فالقائل بحرمة خروج المرأة متعطرة على الإطلاق ماذا يفعل بهذا الحديث، وهو صحيح لم يضعفه أحد من الحفاظ، ولا عبرة بمن ليس له مرتبة الحفظ كما هو مقرر في كتب المصطلح. وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن خزيمة([55]) وفيه أنه مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: «أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: تطيبت لذلك؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل» فلم يصححه أحد من الحفاظ، وإن ابن خزيمة الذي أخرجه قال فيه: «إن صح الخبر»، بالمعنى الشامل للصحيح والحسن لأنه لا يفرق بين الحسن والصحيح. أما قول ابن حجر الهيتمي([56]) بعد قول ابن خزيمة إن صح الخبر «أي إن صح هذا الحديث وقد صح» فلا حجة فيه لأنه لم ينقل هذا التصحيح عن حافظ معتبر كابن حجر العسقلاني وهو أي ابن حجر الهيتمي ليس من الحفاظ فلا عبرة بقوله إذا خالف قول حافظ، فلا يجوز الخروج عن ظواهر تلك الأحاديث أي إلغاء العمل بها كحديث عائشة الذي سبق ذكره والذي هو أقوى إسنادا من حديث أبي هريرة من أجل هذا الحديث الذي لم يصححه مخرجه ابن خزيمة، بل يجمع بينهما فيقال: لو صح هذا الحديث فليس فيه تحريم خروجها متعطرة، وإنما فيه أن صلاتها في هذه الحال في المسجد لا تكون مقبولة. ومن المعلوم أن كثيرا من الكراهات تمنع القبول أي الثواب مع كون العمل جائزا وانتفاء المعصية، مثال ذلك ترك الخشوع في الصلاة فإن الصلاة تصح بدون الخشوع مع عدم المعصية والقبول أي لا ثواب فيها؛ ونظير هذا الحديث حديث ابن عباس رفعه: «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر»، قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى»، رواه أبو داود([57]) والحاكم([58]) والبيهقي([59]) وغيرهم. ووجه الاستدلال بالحديث أنه كما لا يفهم منه أن كل إنسان يتخلف عن الحضور إلى الجماعة حيث ينادى بالأذان وصلى في بيته يكون عاصيا، كذلك لا يقصد بحديث أبي هريرة أن التي خرجت متطيبة إلى المسجد تكون عاصية بمجرد خروجها، إنما يفهم منه أن ذهابها إلى المسجد مكروه كما أن الذي لم يذهب إلى موضع الأذان يكون بترك حضوره الجماعة حيث الأذان ينادى به قد فعل فعلا مكروها. على أن حديث أبي هريرة هذا ليس في مطلق التطيب بل في شدة رائحة الطيب لأن هذا معنى العصف كما هو معروف في اللغة، ومن ظن أنه لمطلق ريح الطيب فهذا جهل منه باللغة. وأما حديث: «لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله ولكن ليخرجن تفلات»([60])، فلا يفيد إلا الكراهة التنزيهية لمن تذهب إلى المسجد وهي متطيبة. وأما دعوى بعض أنه في النسائي رواية: «فمرت بقوم فوجدوا ريحها» فهو غير صحيح، إذ لا وجود لهذه الرواية في النسائي. ولينظر إلى ما رواه ابن أبي شيبة([61]) عن محمد بن المنكدر قال: «زارت أسماء أختها عائشة والزبير غائب فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فوجد ريح طيب فقال: «ما على المرأة أن تطيب وزوجها غائب»، فلو كان ذلك حراما لبين النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن مفلح المقدسي الحنبلي في الآداب الشرعية ما نصه([62]): «ويحرم خروج المرأة من بيت زوجها بلا إذنه إلا لضرورة أو واجب شرعي»، إلى أن قال: «ويكره تطيبها لحضور مسجد أو غيره». اهـ. فيعلم مما تقدم أن ما جاء في الحديث لا يحرم خروج المرأة متعطرة على الإطلاق، وإنما يحرمه إذا قصدت التعرض للرجال. فإن قيل: إن اللام التي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «فمرت بقوم ليجدوا ريحها» هي لام العاقبة وليست لام التعليل. فالجواب: أن هذا لا يصح لوجوه منها: الأول: أن لام العاقبة هي التي يكون ما بعدها نقيضا لمقتضى ما قبلها([63])، كالتي في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8]، أي فكانت العاقبة أن كان سيدنا موسى عليه السلام عدوا لهم وحزنا، فهذه اللام ما بعدها مناقض لمقتضى ما قبلها، لأن ءال فرعون إنما التقطوا سيدنا موسى من اليم ليكون لهم عونا وينصرهم، ولكن العاقبة هي أنه كان عدوا لهم وحزنا، وهذا لا يصح في هذا الحديث لأن ظهور ريح الطيب ليس مناقضا لخروج المرأة متعطرة. الثاني: أن اللام لا تكون للعاقبة إلا بطريق المجاز كما قال الإمام ابن السمعاني أحد مشاهير الأصوليين في كتابه القواطع، والمجاز لا بد له من دليل لا يصار إليه إلا لأجله، ولا دليل هنا للمجاز إلا التعصب للرأي على طريق التحكم كما قال الإمام ابن السمعاني أحد مشاهير الأصوليين، نقل ذلك عنه الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي في بحث معاني الحروف في تشنيف المسامع([64]). الثالث: أن هذا فيه إبطال الحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة الذي فيه أن نساء النبي كن يضمخن جباههن بالمسك للإحرام، وقد تقدم ذكره. ويرد على كلام المؤولين لحديث «ليجدوا» بأنه لام العاقبة أن شم الرجال ريحها قد لا يحصل لكونها تمر بعيدة من الرجال بحيث لا يصل ريحها إليهم فيؤدي كلامهم أن يكون هذا جائزا، فهل يقولون بذلك أي أنها إذا خرجت بحيث لم يجد الرجال ريحها فهو جائز. فوضح أن هذه اللام هي لام التعليل كما فهم ذلك ابن رشد القرطبي من كلام الإمام مالك كما سيأتي. وروى البيهقي([65]) في سننه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها، قال البيهقي: «رواه البخاري في الصحيح([66]) عن أبي الوليد وأخرجه مسلم([67]) عن شعبة». اهـ. فهذا الحديث فيه أن هؤلاء النسوة خرجن يوم العيد وهن لابسات السخاب وهو نوع من الطيب فلم ينكر عليهن، والخرص هو حلقة الذهب والفضة كما في القاموس في مادة: (خ ر ص)، وهذا من أدلة جواز خروج المرأة متزينة أيضا. ومن الأدلة أيضا ما رواه أحمد وغيره([68]) أن فاطمة زوج على رضي الله عنهما اكتحلت ولبست صبيغا يعني في حجهم مع النبي فقال لها علي: من أمرك بهذا فقالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علي: فانطلقت محرشا على فاطمة مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت صدقت». يقول القرطبي([69]) عند تفسير قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] مبينا الأقوال التي وردت في تفسيرها ما نصه: «الثالثة: أمر الله سبحانه وتعالى النساء بأن لا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان. ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد ابن جبير: الوجه، وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والـمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. الرابعة: الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة، فالخلقية: وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية لما فيه من المنافع وطرق العلوم، وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها كالثياب والحلي والكحل والخضاب». اهـ. ثم قال: «الخامسة: من الزينة ظاهر وباطن، فما ظهر مباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب» اهـ. ثم قال([70]): «من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم». اهـ. وفي البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي([71]) عند تفسير قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] إلى ءاخر الآية ما نصه: «ثم قال: {ولا يبدين زينتهن} [النور: 31] واستثنى ما ظهر من الزينة، والزينة ما تتزين به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لمن استثني، وذكر الزينة دون مواضعها مبالغة في الأمر بالتصون والتستر، لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الساق والعضد والعنق والرأس والصدر والآذان». اهـ. ثم قال: «وسومح في الزينة الظاهرة لأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها خاصة الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] يعني إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور». اهـ. وفي كتاب البيان والتحصيل([72]) ما نصه: «وسئل مالك عما يكون في أرجل النساء من الخلاخل، قال: ما هذا الذي جاء فيه الحديث، وتركه أحب إلي من غير تحريم له، قال محمد ابن رشد: المعنى في هذه المسألة والله أعلم أن مالكا إنما سئل عما يجعله النساء في أرجلهن من الخلاخل وهن إذا مشين بها سمعت قعقعتها فرأى ترك ذلك أحب إليه من غير تحريم، لأن الذي يحرم عليهن إنما هو ما جاء النهي فيه من أن يقصدن إلى إسماع ذلك وإظهاره من زينتهن لمن يخطرن عليه من الرجال: قال الله عز وجل:
{ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} [النور: 31] ومن هذا المعنى ما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة استعطرت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية» لعدم حرمة خروجها متعطرة إلا إذا كانت نيتها التعرض للرجال». اهـ. وقال النووي في المجموع([73]) ما نصه: «فرع: إذا أرادت المرأة حضور المسجد كره لها أن تمس طيبا وكره أيضا الثياب الفاخرة». اهـ. وفي كتاب نهاية المحتاج([74]) لشمس الدين الرملي المشهور بالشافعي الصغير ما نصه: «أما المرأة فيكره لها الطيب والزينة وفاخر الثياب عند إرادتها حضورها» اهـ. أي الجماعة. وقال زكريا الأنصاري الشافعي في كتاب أسنى المطالب([75]) ممزوجا بالمتن: («ويستحب) الحضور (للعجائز) والأولى لغير ذوات الهيئات بإذن أزواجهن، وعليه يحمل خبر الصحيحين عن أم عطية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض في العيد، فأما الحيض فكن يعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، والعواتق جمع عاتق وهي البنت التي بلغت، والخدور جمع خدر وهو الستر، (مبتذلات) أي لابسات ثياب بذلة وهي ما يلبس حال الخدمة لأنها اللائقة بهن في هذا المحل، (ويتنظفن بالماء فقط) يعني من غير طيب ولا زينة فيكره لهن ذلك لما مر في الجمعة، (ويكره لذوات الهيئات والجمال) الحضور كما مر في صلاة الجماعة فيصلين في بيوتهن، ولا بأس بجماعتهن لكن لا يخطبن فإن وعظتهن واحدة فلا بأس». اهـ. وقال زكريا الأنصاري في موضع ءاخر([76]) منه ما نصه: «فرع: يستحب للمتزوجة وغيرها عجوزا أو شابة مسح وجهها بالحناء للإحرام وخضب كفيها به له لتستر به ما يبرز منها، لأنها تؤمر بكشف الوجه وقد ينكشف الكفان، ولأن الحناء من زينتها فندب قبل الإحرام كالطيب. وروى الدارقطني عن ابن عمر أن ذلك من السنة تعميما للكفين لا نقشا وتسويدا وتطريفا فلا يستحب شيء منها لما فيه من الزينة وإزالة الشعث المأمور به في الإحرام، بل إن كانت خلية أو لم يأذن لها حليلها حرم وإلا فلا كما مر في شروط الصلاة، ويكره لها الخضب بعد الإحرام لما مر ءانفا، وفي باقي الأحوال أي وفي غير الإحرام يستحب للمتزوجة لأنه زينة وهي مطلوبة منها لزوجها كل وقت كما مر في شروط الصلاة ويكره لغيرها بلا عذر لخوف الفتنة» اهـ. وقال الشيخ محمد محفوظ الترمسي في موهبة ذي الفضل على شرح ابن حجر على مقدمة بافضل عند قول ابن حجر: «ويكره بالطيب والزينة كما يكره الحضور لذوات الهيئات ولو عجائز وللشابات» ما نصه([77]): «قوله: «ويكره بالطيب والزينة» أي لخبر مسلم([78]): «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا»، وخبر أبي داود بإسناد صحيح([79]): «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات» بفتح المثناة وكسر الفاء أي تاركات للطيب والزينة ولخوف المفسدة فإن لم تحترز من الطيب أو الزينة كره لها الحضور كما تقرر». اهـ. وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف([80]) ما نصه: «وأباح ابن الجوزي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس أو أنه من شعار الفاجرات، وفي الغنية وجه يجوز النمص بطلب الزوج، ولها حلقه – أي للمرأة حلق وجهها – وحفه نص عليهما، وتحسينه بتحمير ونحوه». اهـ. وانظر إلى ما قال النووي في كتاب المجموع([81]) ففيه ما نصه: «وأما ذوات الهيئات وهن اللاتي يشتهين لجمالهن فيكره حضورهن – أي إلى محل صلاة العيد، هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي وجها أنه لا يستحب لهن الخروج بحال والصواب الأول، وإذا خرجن استحب خروجهن في ثياب بذلة ولا يلبسن ما يشهرهن، ويستحب أن يتنظفن بالماء ويكره لهن التطيب لما ذكرناه في باب صلاة الجماعة، هذا كله حكم العجائز اللاتي لا يشتهين ونحوهن، فأما الشابة وذات الجمال ومن تشتهى فيكره لهن الحضور لما في ذلك من خوف الفتنة عليهن وبهن» اهـ. وفي الإيضاح للنووي([82]) عند ذكر أنه يسن التطيب للإحرام ما نصه: «وسواء فيما ذكرناه من الطيب الرجل والمرأة» اهـ. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري([83]) ما نصه: «قوله (ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة) وصله سعيد بن منصور من طريق القاسم ابن محمد قال: كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة» إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي من طريق ابن أبي مليكة: «إن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف وهي محرمة»، وأجاز الجمهور لبس المعصفر للمحرم. وعن أبي حنيفة: العصفر طيب وفيه الفدية، واحتج بأن عمر كان ينهى عن الثياب المصبغة، وتعقبه ابن المنذر بأن عمر كره ذلك لئلا يقتدي به الجاهل فيظن جواز لبس المورس والمزعفر، ثم ساق له قصة مع طلحة فيها بيان ذلك. قوله: (وقالت) أي عائشة (لا تلثم) بمثناة واحدة وتشديد المثلثة: وهو على حذف إحدى التاءين، وفي رواية أبي ذر تلتثم بسكون اللام وزيادة مثناة بعدها أي لا تغطي شفتها بثوب، وقد وصله البيهقي، وسقط من رواية الحموي من الأصل، وقال سعيد بن منصور «حدثنا هشيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها». وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن وعطاء قالا: «لا تلبس المحرمة القفازين والسراويل ولا تبرقع ولا تلثم، وتلبس ما شاءت من الثياب إلا ثوبا ينفض عليها ورسا أو زعفرانا» وهذا يشبه ما ذكر في الأصل عن عائشة. قوله: (وقال جابر) أي ابن عبد الله الصحابي. قوله: (لا أرى المعصفر طيبا) أي تطيبا، وصله الشافعي ومسدد بلفظ: «لا تلبس المرأة ثياب الطيب ولا أرى المعصفر طيبا» وقد تقدم الخلاف في ذلك. قوله: (ولم تر عائشة بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة) وصله البيهقي من طريق ابن باباه المكي أن امرأة سألت عائشة: ما تلبس المرأة في إحرامها؟ قالت عائشة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها. وأما المورد والمراد ما صبغ على لون الورد فسيأتي موصولا في باب طواف النساء في ءاخر حديث عطاء عن عائشة، وأما الخف فوصله ابن أبي شيبة عن ابن عمر والقاسم بن محمد والحسن وغيرهم، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر» تعني جدتها قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا كما جاء عن عائشة قالت: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه». انتهى. وهذا الحديث أخرجه هو من طريق مجاهد عنها وفي إسناده ضعف». اهـ. وقال سيف الدين أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال في كتاب حلية العلماء([84]) ما نصه: «منصوص الشافعي رحمه الله في عامة كتبه أن حكم المرأة في استحباب التطيب للإحرام كحكم الرجل». اهـ. ثم قال: «وحكى الداركي أن الشافعي رحمه الله قال في بعض كتبه: «إنه لا يستحب للمرأة أن تتطيب للإحرام فإن فعلت ذلك كان جائزا كحضور الجماعة» والأول أصح. اهـ. ومراده بالأول أن استحباب التطيب للمرأة للإحرام هو الأصح. ويستدل بكلام الشافعي رضي الله عنه على جواز تطيب المرأة لحضور الجماعة، ولم يجعل جواز التطيب خاصا بالمحرمة بل جعله مطلقا للمحرمة ولمن تريد حضور الجماعة ولم يقيد الجواز بالمحرمة، ومن ادعى التقييد فليأت بنص عن مجتهد فيه جواز التطيب للنساء بحال الإحرام وتحريمه في غيره. وقال الشاشي في الحلية([85]) أيضا ما نصه: «ويحرم على المرأة أن تصل شعرها بشعر نجس، فأما إن وصلته بشعر طاهر أو حمرت وجهها أو سودت شعرها أو طرفت أناملها – أي استعملت الحناء لأطراف الأصابع- ولها زوج لم يكره وإن لم يكن لها زوج كره لما فيه من الغرور». اهـ.
وقال إمام المالكية في عصره أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمـن المغربي المعروف بالحطاب في كتاب مواهب الجليل([86]) ما نصه: «فرع: قال ابن القطان: ولها أن تتزين للناظرين -أي للخطبة- بل لو قيل بأنه مندوب ما كان بعيدا، ولو قيل إنه يجوز لها التعرض لمن يخطبها إذا سلمت نيتها في قصد النكاح لم يبعد». انتهى. وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع([87]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «ولها أي المرأة حلق الوجه وحفه نصا، والمحرم إنما هو نتف شعر وجهها، قاله في الحاشية، ولها تحسينه وتحميره ونحوه من كل ما فيه تزيين له، ويكره حفه أي الوجه لرجل، نص عليه، وكذا التحذيف وهو إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة يكره للرجل لأن عليا كرهه، رواه الخلال، لا لها أي لا يكره التحذيف لها لأنه من زينتها، ويكره النقش والتكتيب والتطريف وهو الذي يكون في رءوس الأصابع وهو القموع، رواه المروالروذي عن عمر، وبمعناه عن عائشة وأنس وغيرهما بل تغمس يدها في الخضاب غمسا نصا». اهـ. وقوله نصا يعني نص الإمام أحمد على ذلك. وفي الفتاوى البزازية([88]) الحنفية ما نصه: «له والدة شابة تخرج بالزينة إلى الوليمة والمأتم بلا إذنه ولها زوج، لا يتمكن من منعها ما لم يثبت عنده أنها تخرج للفساد فإن ثبت رفع الأمر إلى القاضي ليمنعها». اهـ. وهذا نص صريح عند الحنفية على جواز خروج الشابة متزينة ما لم تخرج للفساد. وهذه نصوص من المذاهب الأربعة فبعد هذا لا وجه للإنكار. فإن قيل: روى البخاري([89]) أن عائشة رضي الله عنها قالت: «لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل قلت لعمرة: أومنعن؟ قالت: نعم». فالجواب: ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ونصه([90]): «وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقا وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع، فيقال: عليه لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم، حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع. وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت» اهـ. تتمة: التبس الأمر على بعض الناس فظنوا أن هذه الآية {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] إلى ءاخر الآية، يراد بها تحريم الزينة على النساء في غير حضرة الزوج والمحارم النساء، متوهمين أن الزينة هي الزينة الظاهرة باللباس والحلي فقد وضعوا الآية في غير موضعها، والأمر الصحيح أن المراد بالآية كشف الزينة الباطنة من الجسد وهو ما سوى الوجه والكفين، والقدمين عند بعض الأئمة، بخلاف الزينة المستثناة في ءاية {إلا ما ظهر منها} فإن الله تعالى أباح كشف الوجه للحرة وغيرها لحاجة الخلق إلى ذلك، والحاصل أن الزينة في الموضعين بدن المرأة. فائدة: قد مر في هذا المبحث أن ذكرنا أن حديث أبي موسى: «أيما امرأة خرجت مستعطرة فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية» صحيح لم يختلف فيه، وذكرنا حديث أبي هريرة أنه لقي امرأة يعصف ريحها طيبا فقال: إلى أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيبت لذلك؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرجت المرأة متطيبة إلى المسجد لم تقبل صلاتها». نقول: لا يصح أن يكون هذا الحديث معارضا لحديث أبي موسى، فلا يصح أن يكون دليلا لتحريم خروج المرأة متعطرة مطلقا من غير تقييد بحالة قصدها التعرض للرجال كما هو مفاد حديث أبي موسى، لأن مخرجه ابن خزيمة توقف عن تصحيحه لقوله: «إن صح الخبر»، وعلى فرض صحته لا دليل فيه على أنها تكون عاصية بخروجها متطيبة لو لم تقصد التعرض للرجال، لأنه لا يلزم من نفي قبول صلاتها حرمة تطيبها على الإطلاق قصدت بخروجها التعرض للرجال أو لا، وذلك نظير حديث أبي داود الطيالسي([91]) الذي رواه جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «العبد الآبق لا تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه» فإنه ليس فيه دلالة على أن عدم قبول صلاته هو دليل حرمة إباقه، وإنما حرمة إباقه أخذ من دليل ءاخر، فعدم قبول صلاة المرأة المتطيبة لذهابها إلى المسجد مثل عدم قبول صلاة هذا العبد الآبق فلا يفهم منه أن عدم قبول صلاتها في هذه الحالة هو مستلزم لحرمة خروجها متطيبة في غير حالة قصدها التعرض للرجال، فلا يجوز إطلاق القول بأن خروج المرأة متطيبة حرام مطلقا اعتمادا على هذا الحديث. وهناك دليل ءاخر من الحديث وهو: «ثلاثة لا ترفع صلواتهم فوق رءوسهم شبرا: امرأة باتت وزوجها ساخط عليها، وعبد ءابق، ورجل أم قوما وهم له كارهون» أخرجه الترمذي وابن حبان بنحوه وصححه([92]) فإنه لا دلالة فيه على أن الذي أم قوما وهم له كارهون عاص بإمامته للقوم بل فيه أن إمامته مكروهة لا ثواب فيها كما نص على ذلك الشافعية، فمن أين لهؤلاء أن يتسلموا منصبا ليس لهم ويجتهدوا وهم أبعد الناس عن منصب الاجتهاد، وغاية أمرهم أن يتعلموا ما قاله الفقهاء ويعملوا به، لكنهم تجاوزوا طورهم وهم يعيشون في فوضى كما قال الأفوه الأودي: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا ومما يشهد لما ذكرنا حديث: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» رواه ابن حبان([93]) وصححه فإنه لا يفيد العصيان بترك الحضور إلى محل النداء في جميع الحالات، وإنما يكون ذلك فيما إذا كان تخلف عن الجمعة التي هي فرض عين أو عن غير الجمعة إذا كان يحصل بتخلفه فقدان شعار الجماعة. فتبين بهذا أن القول بأن لام: «ليجدوا ريحها» المذكورة في حديث أبي موسى لام العاقبة كلام بعيد عن الصواب، كيف يتجرأ طالب الحق بعد أن يعلم أن مذهب الشافعي أن التطيب للذكر والأنثى للإحرام سنة وبعد أن سمع حديث عائشة: «كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة للإحرام فنضمخ جباهنا بالمسك المطيب، فإذا عرقنا سال على وجوهنا فيرى رسول الله ذلك فلا ينهانا» على تحريم خروج المرأة متطيبة على الإطلاق من غير تفصيل يفيده حديث أبي موسى. فنصيحتي لمن سلك هذا المسلك أن ينظر مع التجرد عن التعصب للرأي فيما ذكر هنا مع ما مر قبل من الأدلة» اهـ.
([1]) صريح البيان (ص550 ـ 565).
([2]) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة.
([3]) عزاه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (4/289) للطبراني في المعجم الأوسط، وراجع فتح الباري (9/226).
([4]) صحيح البخاري: كتاب العيدين: باب الحراب والدرق يوم العيد.
([6]) المعجم الكبير (23/264 ـ 265).
([8]) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب ضرب الدف في النكاح والوليمة.
([10]) انظر: كشف الأستار (3/5 ـ 6)، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع (8/129): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
([11]) سنن ابن ماجه: كتاب النكاح: باب الغناء والدف، المعجم الصغير (1/63).
([12]) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/334).
([13]) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (4/338).
([18]) الصواب أن يقال على الصحيح.
([19]) الجامع لأحكام القرءان (14/177).
([21]) التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (3/140).
([22]) مستدرك الحاكم، كتاب معرفة الصحابة (4/11).
([23]) التفسير الكبير (23/207).
([24]) صريح البيان (ص524 – 530).
([25]) أخرجه النسائي في سننه: كتاب المناسك: باب التقاط الحصى.
([26]) المعيار المعرب (11/228).
([27]) صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار: باب قول الله عز وجل: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]، والتفسير: باب تفسير: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} من سورة الحشر.
([28]) صحيح مسلم: كتاب الأشربة: باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.
([29]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرءان: ومن سورة الحشر بنحوه، وقال: حديث حسن صحيح.
([30]) سنن النسائي الكبرى: كتاب التفسير: باب قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] بنحوه.
([32]) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس.
([34]) انظر: كتاب الأوسط (2/401).
([35]) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (3/317).
([36]) المجموع شرح المهذب (4/484).
([37]) انظر: شرح الروض (3/407).
([38]) حاشية الأمير على المجموع (1/215).
([39]) أخرجه الترمذي في جامعه: كتاب الرضاع: باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات.
([40]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها.
([41]) أخرجه ابن حبان في صحيحه انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/442)، وأخرجه أحمد في مسنده (2/171، 186، 213).
([42]) صحيح البخاري: كتاب العيدين: باب خروج النساء والحيض إلى المصلى.
([43]) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/110 – 111).
([44]) أخرجه مالك في الموطإ: كتاب الجامع: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب (ص807).
([45]) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/447).
([46]) صريح البيان (ص531 – 549).
([47]) صحيح ابن حبان: كتاب الحدود: باب ذكر وصف زنى الأذن والرجل وما يعملان مما لا يحل، انظر: «الإحسان» (6/301).
([48]) المستدرك: كتاب التفسير (2/396).
([49]) سنن النسائي: كتاب الزينة: باب ما يكره للنساء من الطيب.
([51]) سنن أبي داود: كتاب الترجل: باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج.
([52]) جامع الترمذي: كتاب الأدب: باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
([53]) سنن أبي داود: كتاب المناسك: باب ما يلبس المحرم.
([54]) متن الزيد، المقدمة، (ص10).
([55]) رواه ابن خزيمة في صحيحه (3/92).
([56]) الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/45).
([57]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب في التشديد في ترك الجماعة.
([60]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، وابن حبان في صحيحه. انظر: الإحسان (3/316).
([61]) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الأدب (9/27).
([62]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/390).
([63]) تشنيف السامع (1/540 – 541).
([64]) انظر: الكواكب الدرية للأهدل: باب إعراب الفعل، وشذور الذهب لابن هشام: النواصب.
([66]) أخرجه البخاري في صحيحه: في صلاة العيدين: باب الخطبة بعد العيد.
([67]) أخرجه مسلم في صحيحه: في صلاة العيدين: باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى.
([68]) رواه أحمد في مسنده (3/320 – 321)، والطبراني في المعجم الكبير (22/413).
([69]) الجامع لأحكام القرءان (12/228).
([70]) الجامع لأحكام القرءان (12/238).
([72]) البيان والتحصيل (17/624 – 625).
([73]) المجموع شرح المهذب (5/9).
([74]) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (2/294).
([75]) أسنى المطالب شرح روض الطالب (1/282).
([77]) موهبة ذي الفضل (3/322).
([78]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة.
([79]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد.
([81]) المجموع شرح المهذب (5/9).
([82]) الإيضاح في مناسك الحج (ص151).
([83]) فتح الباري شرح صحيح البخاري (3/405 – 406).
([84]) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (3/235).
([86]) مواهب الجليل شرح مختصر خليل (3/405).
([87]) كشاف القناع عن متن الإقناع (1/82).
([88]) انظر: الفتاوى البزازية، في هامش الفتاوى الهندية (4/157).
([89]) صحيح البخاري: كتاب الأذان: باب انتظار الناس قيام الإمام العالم.
([92]) أخرجه الترمذي في سننه: أبواب الصلاة: باب ما جاء فيمن أم قوما وهم له كارهون، وابن حبان في صحيحه، انظر: الإحسان (3/126).