الشرح: يجب الاعتقاد بأن من انتقص نبيا من أنبياء الله أو ذمه أو أهانه أو حقره أو استخف به أو استهزئ به أو سفهه أو نسب إليه الرذيلة فهو كافر بالله العظيم، فقول أولاد سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام العشرة وهم من سوى يوسف وبنيامين عليه السلام {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم} وإن لم يريدوا ويقصدوا بالضلال الكفر فإنهم كفروا بذلك لأنهم بقولهم لفي ضلالك تسفيه له عليه السلام، وتسفيه النبي كفر بإجماع الأمة، وهذا استخفاف واستهزاء منهم لأبيهم النبي يعقوب عليه الصلاة والسلام.
فإن قال قائل: «لم يكفروا لأنهم ما قصدوا تكفيره»، فيقال له: «وإن لم يقصدوا تكفيره كفروا بتسفيههم واستهزائهم به»، ومن لم يكفرهم لهذا هو كافر أيضا.
قال الله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 65، 66]، وقال عز وجل: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 136].
وقد قال الإمام سعيد بن جبير عن معنى في ضلالك أي في جنونك، وهل يشك بكفر من يقول ذلك لنبي؟!
ثم أجمعت الأمة أنه لا يكون نبي من الأنبياء ضالا، فلا نقاش في تكفيرهم بعد نسبتهم الضلالة لأبيهم وإن أرادوا معنى غير التكفير، فالذي يجادل عنهم ويدافع عنهم ويدفع عنهم التكفير لقولهم هذا فهو لاحق بهم في الكفر، إلا أنهم بعد ذلك أسلموا وتابوا ورجعوا عن ما كانوا عليه.
ولا حجة لمن ينفي عنهم التكفير بزعمه بقول الله تعالى: {ووجدك ضالا فهدىٰ} فإن هذه الآية قال فيها بعض المفسرين: (ضل الطريق عندما كان صغيرا في كفالة جده في مكة ثم رده إليه). وقال بعضهم: (ما كنت تعرف أمور الشريعة قبل أن تنزل عليك). هنا لا ننسى أن هذا قول الله لنبيه ومعناه لا يدل على النقص والاستخفاف، وأما ذاك فهو قولهم لأبيهم النبي في معرض الاعتراض عليه وعدم موافقتهم له في محبته ليوسف وتسفيههم لرأيه واستهزاء بفعله، وهذا لا شك أنه استخفاف بهذا النبي الكريم.
واعتبارهم محبة نبي الله يعقوب لابنه يوسف الذي أطلعه الله أنه سيصير نبيا ويكون له شأن عظيم ويدخل أهل مصر في الإسلام ينقذهم من عبادة الأصنام والأوثان، فأحبه يعقوب لله تعالى محبة هي من نوع تعظيم الأنبياء، وهذا مما أمر الله به وحث عليه، ومع ذلك اعتبروه مخطئا في ذلك وهذا كفر ءاخر، فلا مهرب ولا مفر لهم من الكفر حيث نسبوا إليه الخطأ في ما هو طاعة لله تعالى وحيث أهانوه بنسبته إلى الضلال القديم، وهذا لا يدل إلا على الانتقاص والإهانة، فلا يتوقف بعد ذلك في تكفيرهم إلا الجاهل الجهول الكفور الذي لم يعرف عصمة الأنبياء وما يليق بهم وما لا يليق.
ونختم هذه الضية بسؤال لأولئك الجاهلين: لو أن إنسانا وصف نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أو أي نبي ءاخر بالضلال في معرض الاعتراض عليه والإنكار لفعله، فهل يكون مدحا وتعظيما له؟؟ أم يكون انتقاصا واستهزاء واستخفافا به وتحقيرا له؟!
لا شك أنه انتقاص، وانتقاص الأنبياء كفر بإجماع الأمة كما نص عليه غير واحد من علماء الأمة.