السبت فبراير 14, 2026

1. قال تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 190].

الشرح: يجب الاعتقاد أن أنبياء الله معصومون محفوظون منزهون عن الشرك والكفر بجميع أنواعه قبل النبوة وبعدها، كذلك هم معصومون من الكبائر وصغائر الخسة فلا يجوز ولا يصح ولا يعقل أن يكون معنى هذه الآية أن رسول الله آدم عليه الصلاة والسلام أشرك بربه وسمى ولده عبد الحارث، والحارث من أسماء الشيطان فأشرك بربه بذلك على زعم الحثالة الوهابية وأن حواء هي أيضا أشركت معه بذلك والعياذ بالله تعالى وذلك في كتاب الوهابية المسمى «الدين الخالص»([1]) تأليف القنوجي حيث يقولون فيه: «أن الشرك إنما وقع منهما»، ثم يقولون: «الصحيح أنه وقع من حواء فقط دون آدم»، فعلى قولهم هذا أن آدم عليه السلام على قول يكون كافرا مشركا، وعلى القول الصحيح عندهم على زعمهم أن حواء هي المشركة دون آدم، والعياذ بالله تعالى من افتراءهم على أنبياء الله وأوليائه، فحواء مسلمة مؤمنة ولية صالحة لا تشرك بربها، وبهذا تكون الوهابية جعلت البشر أولاد زنى.

والصحيح في تفسير الآية أن بعض الناس من ذرية آدم هم الذين فعلوا ذلك وليس آدم وحواء بدليل قول الله تعالى في نفس الآية {فتعالى الله عما يشركون}، فلو كان المراد آدم وحواء لأدى ذلك إلى نفي النبوة والرسالة عن آدم ونفي الولاية عن حواء، فتحتم أن يكون المراد ناسا آخرين.

ولا ندري لعل منشـأ هذا الخبط والخلط عند الوهابية في تكفير آدم وحواء لأنهم ينكرون نبوته ورسالته أم لسبب آخر، وفي كتب كثير من الوهابية يقولون «إن أول الأنبياء نوح» وبهذا أنكروا نبوة آدم وشيث وإدريس وذلك في كتاب مجموع رسائل محمد بن عبد الوهاب.

قال القرطبي في تفسيره في شرحه لهذه الآية: «قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه السلام. فلم يزالا في هم من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه بي؟ قالت نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث -ولو سمى لها نفسه لعرفته- فسمته عبد الحارث. ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات؛ فلا يعول عليها من له قلب». اهـ.

«وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام، وهو الذي يعول عليه. فقوله: جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين، ويعني به الجنسين. ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان. وهذا قول حسن. وقيل: المعنى هو الذي خلقكم من نفس واحدة من هيئة واحدة وشكل واحد وجعل منها زوجها أي من جنسها فلما تغشاها يعني الجنسين. وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية». اهـ.

قال الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري في تفسيره ما نصه: «بل المعني بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلا لله شركاء من الآلهة – بزعمهم- والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها} [الأعراف: 189]: أي هذا الرجل الكافر، {حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت} دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب، ثم رد إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22]، وقد بينا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عني بهذا ذرية آدم، من أشرك منهم بعده يعني بقوله: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما}.

حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا». اهـ.

وقال أبو الحسن على بن أحمد السبتي الأموي المعروف بابن خمير في كتابه «تبرأة الأنبياء عم نسب إليهم حثالة الأغبياء»([2]) «ومعلوم من دين الأمة أنه ما كفر نبي قط، ولا جهل الله تعالى، ولا سجد لوثن ولا أخبر الله تعالى عن واحد منهم بالكفر». اهـ.

ومن المناسب هنا أن نذكر أدلة أهل السنة والجماعة على نبوة آدم وعلى كفر من أنكرها.

 

آدم نبي رسول بإجماع الأمة

قال الإمام الحجة المجتهد المجدد الحافظ الشيخ عبد الله الحبشي الهرري رضي الله عنه في كتابه «صريح البيان في الرد على من خالف القرءان»([3]) ما نصه: «ومن الكفر أيضا إنكار نبوة نبي مجمع على نبوته كموسى وعيسى وإبراهيم وءادم عليهم الصلاة والسلام، أما نبوة ءادم فقد اتفق المسلمون عليها وأجمعوا، ونقل إجماعهم أبو منصور التميمي البغدادي المتوفى سنة 429 هجرية في موضعين من كتابه فقال ما نصه([4]): «أجمع أصحاب التواريخ من المسلمين على أن عدد الأنبياء عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كما وردت به الأخبار الصحيحة أولهم أبونا ءادم عليه السلام وءاخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم». اهـ.

وقال في موضع ءاخر([5]): «أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس ءادم عليه السلام». اهـ.

وفي الحديث([6]) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ ءادم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» اهـ.

وأما تكفير منكر نبوته فهو في الفتاوى الهندية([7]) ففيها ما نصه: «عن جعفر فيمن يقول: ءامنت بجميع أنبيائه ولا أعلم أن ءادم نبي أم لا، يكفر كذا في العتابية». اهـ.

وقال ملا على القاري في الفقه الأكبر([8]) ما نصه: «والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم أي جميعهم الشامل لرسلهم ومشاهيرهم وغيرهم أولهم ءادم عليه الصلاة والسلام على ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فما نقل عن بعض من إنكار نبوته يكون كفرا». اهـ.

وفي قول الله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 27 – 29] الآية دليل على رسالة ءادم، وأن أبناءه كانوا على شريعة أنزلت على أبيهم، وفي حديث البخاري([9]): «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن ءادم الأول كفل([10]) من دمها»، دليل أيضا لأنه لو لم يكن مرسلا إلى أبنائه لم يكونوا مكلفين، فلم يكن يكتب على ابن ءادم الأول ذنب. وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه بفضل البشر، ولو كان أولهم ءادم وأبناؤه عائشين بغير شريعة يعملون بها لكانوا كالبهائم ليس لهم ذلك الفضل الذي ناله أبوهم بإسجاد الملائكة له.

وروى ابن حبان في صحيحه([11]) قال: «أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام قال: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيا كان ءادم؟ قال: «نعم مكلم»، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون».

وفيه([12]) عن أبي ذر أنه قال: «قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وعشرون ألفا»، قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا»، قال: قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: «ءادم» قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: «نعم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا([13])» رواه ابن حبان وصححه، وكلام من تكلم في إبراهيم بن هشام ابن يحيى الغساني أحد رواة هذا الحديث لا يضر تصحيحه، لأن ابن حبان ذكره في كتابه الثقات([14]).

ورواه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية([15]) في عدة مواضع مطولا وعزاه لمحمد بن أبي عمر، ومختصرا وعزاه لإسحاق بن راهويه([16]).

وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في شرح البخاري عازيا([17]) له لابن حبان مع ذكر أن ابن حبان صححه ولم ينتقده لكون ذلك الراوي المختلف فيه وجد لحديثه شواهد، وكثير من الأحاديث يكون في إسنادها من هو مختلف في توثيقه ويوجد لحديثه شاهد فيقوى بالشاهد([18]).

وقال في موضع ءاخر([19]): «قوله: {إنا أوحينا إليك} الآية، قيل: قدم ذكر نوح فيها لأنه أول نبي أرسل([20]) أو أول نبي عوقب قومه، فلا يرد كون ءادم أول الأنبياء مطلقا كما سيأتي بسط القول في ذلك في الكلام على حديث الشفاعة». اهـ.

ويحتم كونه رسولا أن النبي غير الرسول يكون تابعا لرسول قبله ولم يكن قبل ءادم بشر حتى يكون فيهم رسول وءادم نبيا تابعا له.

أما حديث البخاري([21]) الذي فيه أن الناس يأتون نوحا يوم القيامة فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض فمعناه أنه أول رسول أرسل إلى قبائل متعددة لأن من كان قبله لم يكونوا كذلك؛ دل على ذلك كلمة «إلى أهل الأرض». ومن الدليل على رسالة ءادم أنه أحل له أن يزوج بنيه من بناته الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، ثم نسخ هذا الحكم بموته. ولولا أن فعل ءادم الذي فعله من تزويج بنيه من بناته بوحي أوحي إليه لأنه رسول من الله لكان ذلك التصرف تصرفا باطلا، ولكان ذلك كتسافد الحمير، ولكان البشر الأول لا نسب لهم شرعي بل كانوا أبناء زنى، وذلك مناف لكرامة ءادم عند الله؛ فنفي رسالة ءادم على الإطلاق تكذيب للدين فهو كفر، فهو كإنكار نبوته الذي نقل الإجماع على أنه كفر غير واحد منهم ابن حزم فقد ذكر: إن المخالف في ذلك متفق على كفره وذلك في كتابه مراتب الإجماع([22]).

وينطبق هذا الحكم على بعض الوهابية كأبي بكر الجزائري مؤلف كتاب منهاج المسلم وكتاب عقيدة المسلم، وتسمية هذين الكتابين بهذين الاسمين تحريف للحقيقة، فهذان الكتابان جديران بأن يسميا بضد ذلك فيقال في الأول: ضد منهاج المسلم وفي الثاني: ضد عقيدة المسلم». اهـ.

([1]) انظر: الكتاب (ص160).

([2]) انظر: الكتاب (ص84)، الطبعة الثانية سنة 1420هـ 1999م دار الفكر.

([3]) صريح البيان في الرد على من خالف القرءان (طبعة دار المشاريع ص205 – 209).

([4]) أصول الدين (ص157).

([5]) أصول الدين (ص159).

([6]) أخرجه الترمذي: في كتاب المناقب: باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم وقال عقبه: حسن صحيح.

([7]) الفتاوى الهندية (2/263).

([8]) انظر: الفقه الأكبر (ص56).

([9]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» إذا كان النوح من سنته. أي إن كان أوصى بأن ينوحوا عليه بعد موته، أما مجرد البكاء على الميت فلا بأس به إن كان تحزنا على الميت، وقد ثبت أن رسول الله بكى عند موت ابنه إبراهيم.

([10]) الكفر بالكسر: الحظ والنصيب.

([11]) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (8/24).

([12]) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/287 – 289).

([13]) أي ليس بواسطة ملك وعلى هذا التفسير يكون ءادم أيضا سمع كلام الله الذاتي.

([14]) كتاب الثقات (8/79).

([15]) المطالب العالية (3/114).

([16]) المطالب العالية (3/269).

([17]) فتح الباري (6/361).

([18]) قال الشيخ المحدث حبيب الرحمٰـن الأعظمي الهندي في تعليقه على هذا الحديث قال البوصيري: «رواه الطيالسي وابن أبي شيبة وابن أبي عمر وإسحـق بن راهويه وأبو يعلى وأحمد والحٰـرث فذكره مختصرا وابن حبان فذكره بزيادة طويلة جدا». اهـ. انظر: تعليق الشيخ حبيب الرحمـن على المطالب العالية لابن حجر العسقلاني (3/114).

([19]) فتح الباري (1/9).

([20]) أي إلى الكفار.

([21]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله عز وجل: {ولقد أرسلنا نوحا إلىٰ قومه} [هود: 25].

([22]) مراتب الإجماع (ص173).