الشرح: الله تبارك وتعالى حرم في هذه الآية أشياء وهي:
والمرأة المسلمة واليهودية والنصرانية إذا ذبحت فذبيحتها حلال ولو كانت في الحيض أو النفاس، بعض الناس يظنون أن المرأة لا يحل لها أن تذبح وهذا جهل منهم، فذبيحتها تحل ولو كانت حائضا وكذلك الولد المميز الذي هو دون البلوغ ذبيحته تحل وكذلك المجنون والسكران إذا ذبحا ذبحا صحيحا فذبيحتهما حلال واليهودي والنصراني ذبيحتهما حلال بلا خلاف ولو لم يقل بسم الله، قال الله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5]، إنما المسلم إن سمى الله على ذبيحته هي حلال باتفاق العلماء وإن كان جنبا، أما إن ترك تسمية الله عمدا قال أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد: «لا تحل ذبيحته وإن تركها سهوا تحل ذبيحته» أما الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول بأن ذبيحة المسلم سمى الله أو لم يسم فهي حلال وإن ترك التسمية عمدا. واللحم الذي في الأسواق خليط فيه الحلال وفيه الميتة فالذبيحة التي لم نعلم إن كان ذابحها مسلما أو ممن لا يؤكل ذبيحته حرام أن نأكل من لحمها ولو سمى الله على اللحم عند أكله، وكذلك التسمية على اللحم الذي لم تستوف الشروط عند ذبحه لا تجعله حلالا كما يظن بعض من لا علم له.
والمسلم واليهودي والنصراني إذا ضغط على الآلة التي تقطع رقبة الذبيحة ونزلت فقطعتها تحل هذه الأولى لأنها بيده وإذا استمر السكين يقطع بفعل الكهرباء إلى عشر ساعات مثلا لا يحل أكل ما بعد هذه الأولى لأنه بفعل الكهرباء.
واللحم الطازج أو المبرد المستورد من بلد غير إسلامي أو غيره إن علمنا علم يقين ليس بالظن أن الشركة التي تصدره أوكلت ناسا من المسلمين أو من اليهود أو النصارى بالذبح وقد استوفوا شروط الذبح التي سبق بيانها جاز لنا أن نأكل من هذا اللحم، كأن قام مسلم ثقة بإنشاء مزرعة للبقر أو الغنم أو الدجاج في بلد غير إسلامي أو غيره واستخدم ناسا من المسلمين أو أهل الكتاب ليذبحوا ثم أرسل اللحم إلينا مبردا فيجوز لنا أن نأكل هذا اللحم لأننا علمنا علم يقين استيفاء شروط الذبح الحلال، أما مجرد إلصاق ورقة على الصناديق المستوردة التي فيها اللحم عبارة «ذبح على الطريقة الإسلامية» فليس علم يقين لا سيما وقد شهد كثير من أهل الاختصاص أنهم رأوا صناديق في كثير من البلاد العربية فيها لحم خنزير كتب عليها «ذبح على الطريقة الإسلامية» حتى وصلت بهم السخافة أنهم كتبوا على علب السردين «ذبح على الطريقة الإسلامية» وهذا دليل على أن هذه المعلبات يطبعون عليها هذه العبارة مع جهلهم بما في داخلها فمتى كان السمك يحتاج لأكله إلى ذبح؟ ومتى كان لحم الخنزير يؤكل؟ أو يحل أكله بذبحه؟.
وأما إذا جاءنا لحم من بلد أهلها مسلمون ويذبحون ذبحا شرعيا كتركيا والباكستان جاز لنا أكله باعتبار أن مسلما ذبح مستوفيا شروط الذبح، وإذا جاءنا من بلد كل أهلها نصارى أو يهود ويذبحون ذبحا صحيحا حل لنا أن نأكله. أما إذا طرأ شك هل هو من ذبيحة كتابي أو مسلم قتل بالصعق الكهربائي ونحوه لا يجوز ولا يحل الأكل منه. أما إذا جاءنا لحم من بلد أهلها مختلفو العقائد كبلد أهله نصارى وملاحدة أو يهود وملاحدة ولم نعرف من الذابح لا يؤكل. فرنسا فيها ملاحدة وإيطاليا وأوروبا كذلك كلها فيها ملاحدة كذلك أمريكا وغيرها فلا يؤكل اللحم الآتي من أوروبا حتى نعرف أنه من ذبيحة نصراني أو يهودي. وفي هذه الأيام توجد هذه اللحوم المعلبة غير السمك لا يعرف من ذبحها يحتمل أن تكون من ذبيحة ملحد أو بوذي أو مجوسي لذلك لا يجوز أن نأكل اللحم حيثما وجد ولا ضرورة لأكله مع وجود السمك والخضار وغير ذلك من الحلال فهي أي هذه اللحوم ليست كالقمح والأرز مثلا.
واللحم الذي أحله الله لنا من بقر وغيره كالدجاج الذي كتب عليه «ذبح على الطريقة الإسلامية» فهذا يجوز أكله إن عرفت الشركة المصدرة وعرف أنها تذبح على الطريقة الشرعية، فالدجاج المجلد وغيره من اللحوم التي تحتاج لذبح ليحل لا تؤكل حتى نتأكد أنها ذبحت ذبحا حلالا. والسمك حلال كيفما وصل إلينا سواء عن طريق مجوسي أو كتابي لأن ميتة السمك حلال. الله تعالى أحل لنا ميتة السمك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لكم ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال»([1]).
وقد ورد في القرءان حل أكل السمك وصيد البحر في قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم} [المائدة: 96]. فالمطلوب من الإنسان أن لا يتعلق قلبه بهذه المعلبات وما أشبه ذلك، كيف يهتم الإنسان لبطنه إلى هذا الحد وأول ما ينتن من الإنسان في القبر بطنه، فليكتف الإنسان بالخضار والسمك وذبح يده وغير ذلك من الحلال في حالة كهذه وليتق الله ولا يتأثر بكلام بعض الجهلاء وتزيين الحرام وتحسين الباطل وليذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه، ومن أرضى الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»([2]) أي خيارهم.
والأمر الثاني الذي ورد ذكره في الآية مما هو محرم بنصها:
والدم المسفوح السائل هو الذي حرمه الله تعالى كما في قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145].
أما الدم غير السائل كالكبد والطحال حلال لأنهما ليسا دما مسفوحا، الله خلقهما في بطون البهائم جامدين فهما ليسا من الدم المحرم. فمن أكل الكبد نيئا أو مطبوخا أو مشويا فهو حلال وكذلك الطحال وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل الكبد فقال: «كلوا الكبد نيئا»([3]) رواه الضياء المقدسي، وقوله: «أحلت لكم ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال»([4]). والدم الذي ينزل من اللحم الطازج ويسيل منه هذا غير حرام كذلك لو احمر المرق من اللحم المقطع الطازج لا يحرم إنما الحرام هو الدم المسفوح والمسفوح هو الدم الذي يتفجر من مخرجه عند الذبح، هذا وإن جمد بعد ذلك فأكله حرام أيضا. الكبد والطحال واللحم الطازج إذا وضع في وعاء فسال منه هذا اللون الأحمر فهذا ليس بنجس.
يا عزى كفرانك لا سبحانك | إني رأيت الله قد أهانك |
وكان لقبائل العرب المشركين طواغيت والطاغوت هو الشيطان ينزل على إنسان ويتكلم على فم هذا الإنسان فكانوا في الجاهلية يعظمون هذا الإنسان من أجل الشيطان الذي ينزل فيه ويتكلم على لسانه.
وهذه المذكورات الأربعة أي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به محرمة في جميع شرائع الأنبياء. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في «المغني» ما نصه([7]): «أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار وإباحة الأكل منها في الاضطرار».
قال الله تعالى: {ذلكم فسق} فهذه الأشياء التي ذكرت في هذه الآية كلها من المحرمات الكبيرة.
وما ذكرناه في شرح هذه الآية مع ما يتضمن ذلك هو من المسائل المعروفة عند العلماء المعتبرين ولا تخفى إلا على من لا فهم له بالدين والتفسير، فقد نص الإمام الحافظ السيوطي في تفسير موجز له لهذه الآية فقال رحمه الله: «{حرمت عليكم الميتة} أي أكلها {والدم} أي المسفوح كما في الأنعام {ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} بأن ذبح على اسم غيره {والمنخنقة} الميتة خنقا {والموقوذة} المقتولة ضربا {والمتردية} الساقطة من علو إلى أسفل {والنطيحة} المقتولة بنطح أخرى لها {وما أكل السبع} منه {إلا ما ذكيتم} أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموها {وما ذبح على} اسم {النصب} جمع ناصب وهي الأصنام {وأن تستقسموا} تطلبوا القسم والحكم {بالأزلام} جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح بكسر القاف صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا {ذلكم فسق} خروج عن الطاعة». اهـ.
فبعد كلام الإمام الكبير جلال الدين السيوطي رحمه الله نورد بعون الله أقوالا للعلماء الأكابر والفقهاء النجباء الذين يعتد بقولهم فنقول: ذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن على الحكيم الترمذي في كتابه «المنهيات» ما نصه([9]): «وأما قوله: «ونهى أن يذبح بالسن والظفر» لأنه لا يقطع قطع الشيء الحاد وإنما يبرد الأوداج ويمزقها فيصير كهيئة الموقوذة وإذا لم يقطع الودج ولم يسل الدم فجمد فيه فصار ءاكلا للدم». اهـ.
وذكر الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة الحنبلي المقدسي في كتابه «المغني»([10]) عند شرح قول الخرقي: «وإذا أرسل كلبه فأضاف معه غيره لم يؤكل إلا أن يدرك فيه الحياة فيذكى» ما نصه: «معنى المسألة أن يرسل كلبه على صيد فيجد الصيد ميتا ويجد مع كلبه كلبا لا يعرف حاله ولا يدري هل وجدت فيه شرائط صيده أو لا ولا يعلم أيهما قتله أو يعلم أنهما جميعا قتلاه أو أن قاتله الكلب المجهول فإنه لا يباح إلا أن يدركه حيا فيذكيه، وبهذا قال عطاء والقاسم بن مخيمرة ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا، والأصل فيه ما روى عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا ءاخر، قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر»([11])، وفي لفظ: «فإن وجدت مع كلبك كلبا ءاخر فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك». وفي لفظ: «فإنك لا تدري أيهما قتل». اهـ.
وفي «الشرح الكبير» للشيخ شمس الدين أبي الفرج بن قدامة ما نصه: «[فصل] وحكم ءالات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد كالسهم يصيب الطائر بعرضه فيقتله أو الرمح والحربة والسيف يضرب به صفحا فيقتل فكل ذلك حرام وكذا إن أصاب بحده فلم يجرح وقتل بثقله لم يبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خرق([12]) فكل»([13]) ولأنه إذا لم يجرحه فإنما يقتل بثقله فأشبه ما أصاب بعرضه. [مسألة: وإن نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيدا أبيح فإن بان منه عضو فحكمه حكم البائن بضربة الصائد على ما نذكره]([14]). وروي نحو هذا عن ابن عمر وهو قول الحسن وقتادة، وقال الشافعي لا يباح بحال لأنه لم يذكه أحد وإنما قتلت المناجل بنفسها ولم يوجد من الصائد إلا السبب فجرى ذلك مجرى من نصب سكينا فذبحت شاة ولأنه لو رمى سهما وهو لا يرى صيدا فقتل صيدا لم يحل فذا أولى. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ما ردت عليك يدك»([15]) ولأنه قصد قتل الصيد بما له حد جرت العادة بالصيد به أشبه ما ذكرنا والتسبب يجري مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في إباحة الصيد، وفارق ما إذا نصب سكينا إن العادة لم تجر بالصيد بها وإذا رمى سهما ولم يرم صيدا فليس ذلك بمعتاد والظاهر أنه لا يصيب صيدا فلم يصح قصده بخلاف هذا». اهـ.
وذكر القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسين بن أحمد الأصفهاني الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه المسمى «متن الغاية والتقريب» المعروف لدى طلاب العلم الشرعي، في كتاب الصيد والذبائح، قال([16]): «وما قدر على ذكاته فذكاته في حلقه ولبته([17]) وما لم يقدر على ذكاته فذكاته عقره حيث قدر، وكمال الذكاة أربعة أشياء قطع الحلقوم والمريء والودجين والمجزئ منهما شيئان قطع الحلقوم والمريء ويجوز الاصطياد بكل جارحة معلمة من السباع ومن جوارح الطير. وشرائط تعليمها أربعة: أن تكون إذا أرسلت استرسلت وإذا زجرت انزجرت وإذا قتلت صيدا لم تأكل منه شيئا وأن يتكرر ذلك منها فإن عدمت إحدى الشرائط لم يحل ما أخذته إلا أن يدرك حيا فيذكى، وتجوز الذكاة بكل ما يجرح إلا بالسن والظفر. وتحل ذكاة كل مسلم وكتابي ولا تحل ذبيحة مجوسي ولا وثني، وذكاة الجنين بذكاة أمه إلا أن يوجد حيا فيذكى وما قطع من حي فهو ميت إلا الشعور المنتفع بها في المفارش والملابس». اهـ.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في «المهذب»([18]): «والمستحب أن يذبح بسكين حاد لما روى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»([19]) فإن ذبح بحجر محدد أو ليطة([20]) حل لما ذكرناه من حديث كعب بن مالك في المرأة التي كسرت حجرا فذبحت بها شاة، ولما روي أن رافع بن خديج قال يا رسول الله إنا نرجو أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر وسأخبركم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة»([21]) فإن ذبح بسن أو ظفر لم يحل لحديث رافع ابن خديج» اهـ.
قال النووي في «شرح المهذب»([22]) «ولو أمر السكين ملتصقا باللحيين فوق الحلقوم والمريء وأبان الرأس فليس هو بذبح لأنه لم يقطع الحلقوم والمريء». اهـ.
فإذا كان بهذه الكيفية لا يحل أكلها فكيف إذا صعقت البهيمة بالكهرباء فماتت؟ وكيف إذا ضربت البهيمة حتى يتلف دماغها ولم يبق فيها حياة مستقرة ثم بعد ذلك تقطع؟
وقال في موضع ءاخر([23]): قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط قطع الحلقوم والمريء بكمالهما وأن قطع الودجين سنة وهو أصح الروايتين عن أحمد. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه إذا قطع بما يجوز الذبح به وسمى وقطع الحلقوم والمريء والودجين وأسال الدم حصلت الذكاة الشرعية وحلت الذبيحة». اهـ.
فبعد أن نقلنا ما نقلناه من كتاب «المجموع» للحافظ الفقيه يحيى بن شرف الدين النووي الشافعي رحمه الله تعالى يتبين لنا أن الذبيحة التي طرأ الشك في صحة ذكاتها لا تؤكل وهذا ما قرره العلماء الأجلاء فبالأولى اللحم المعلب أو المجلد لا يحل أكله مع الشك في صحة ذكاته سواء من جهة الشك في كون الذابح مسلما أو كتابيا أو غير ذلك في بلد أهله ينتمون إلى دين غير الإسلام وكذلك إن شك في صحة الذبح هل تم بشروطه التي ذكرها الفقهاء والتي هي أربعة:
وقد سئل العالم الشهير المحقق عبد الله الشيبي أدام الله عزه وجعله ذخرا لعلماء الأمة الإسلامية عن قول – من أحل أكل اللحم الذي يباع في أسواق أميركا مستدلا أن اللحم الحلال مختلط بلحم حرام غير محصور على مسألة التزوج من أجنبيات غير محصورات على زعمه- فقال لطف الله به:
«عليه في ذلك مؤاخذتان:
«وشهاب الدين في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب والشك في الشرط: أشكل على جمع من الفضلاء، قال: شرع الشارع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك وهو ثلاثة مجمع على اعتباره كمن شك في الشاة المذكاة والميتة وكمن شك في الأجنبية وأخته من الرضاعة.
ومجمع على إلغائه كمن شك هل طلق أم لا وهل سها في صلاته أم لا فالشك هنا لغو.
وقسم ثالث اختلف العلماء في نصبه سببا كمن شك هل أحدث أم لا، فاعتبره مالك دون الشافعي، ومن حلف يمينا أو شك ما هي، ومن شك هل طلق واحدة أو ثلاثا». اهـ.
وأما الأخبار التي يحتج بها العلماء إذا شك في اللحم هل هو مما يحل أكله أم لا فمنها حديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل» متفق عليه([26]). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أفتني في سهمي فقال: «ما رد عليك سهمك فكل» قال وإن تغيب عني، قال: «وإن تغيب عنك ما لم تجد أثرا غير أثر سهمك أو تجده قد صل»([27]) رواه أبو داود([28]). وما رواه عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا ءاخر قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر»، وفي رواية: «فإن وجدت مع كلبك كلبا ءاخر فخشيت أن يكون أخذ معه وقد قتله فلا تأكله فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك»، وفي رواية: «فإنك لا تدري أيهما قتل». وما رواه عدي بن حاتم أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل».
وهذه الأخبار هي مستند الإجماع فبعد هذا لا يجوز أن يصغى إلى من يحل اللحوم التي تباع في بلاد لا يعرف عنها الذبح الشرعي إلا ما يباع في بلد يكون فيه الذبائح بأيدي مسلمين أو كتابيين ذبحا باليد لا خنقا ولا صعقا بالكهرباء أو غير ذلك مما يشبه ذلك. فإن كان البلد لا يوجد فيه إلا مسلمون أو كتابيون فالأمر ظاهر أو يكون المسلمون فيه أغلب من الذين تكون طريقة إزهاقهم أرواح البهائم غير معتبرة شرعا بحيث تكون الطريقة الشرعية هي أغلب استعمالا في البلد والطريقة الأخرى قليلة الوجود.
فالبلد الذي يكون فيه الذبائح على هذه الحال يحل شراء اللحم منها للأكل، وأما أمر أكثر البلاد اليوم فالأمر على العكس من ذلك لأنه لا يكاد يوجد من يذبح ذبحا معتبرا شرعا، وذلك أن الفقهاء ألحقوا الحالة التي يكون فيها البلد من تحل ذكاته أغلب إلى الذين لا تحل ذكاتهم بالبلد التي ليس فيها إلا ذبائح من تحل ذكاته وهم المسلمون والكتابيون الذين لا يذكون البهائم تذكية شرعية، وهذا الذي أفتى بحل اللحم الذي يباع في أسواق لا يعرف عنها الذبح الشرعي زاعما القياس فإنما هو مجازف منابذ لقول الحنفية وغيرهم، ليرجع إلى نصوص الحنفية لأنهم موافقون في هذه المسألة لغيرهم لأن المسألة إجماعية فكيف يقولهم ما لم يقولوا ومن أين له أن يدعي القياس والقياس كما بينا فيما سبق خاص بالمجتهدين كما ذكر ذلك الإمام الشافعي والإمام ابن المنذر.
ونصيحتنا له ولأمثاله أن لا يتجاوزوا حدهم ولا يغشوا الناس بهذه الفتاوى الجديدة الفاسدة وليذكروا وقوفهم بين يدي الله([29]) يوم القيامة، وأما قوله إن الرسول أكل من جبن النصارى ولم يسأل عنه وإن ذلك ورد في حديث صحيح فقولوا له من روى ذلك ومن صححه من المحدثين ولن يجد إلى ذلك سبيلا بل الواقع أنه روي عن عمر بن الخطاب أنه أتي بجبن يصنعه المجوس وعادتهم أن يضعوا فيه إنفحة الخنزير فأكل منه ولم ينسب هذا إلى الرسول ذو تحصيل في علم الحديث ونسبة ابن حجر الهيتمي في شرحه على «منهاج الطالبين» وتلميذه المليباري إلى رسول الله أنه أكل من جبن المجوس لا عبرة به لأنه لم يعزه إلى أحد من المحدثين وأنه لم يذكر أن هذا جبن النصارى كما ادعى هذا المجازف، فتبين أن هذا المجازف يبني أمره على وهم في وهم فليتق الله.
وذكر الإمام ابن عقيل الحنبلي وغيره أنه سأل الإمام أحمد بن حنبل عن الجبن الذي يصنعه المجوس فقال لا أدري إلا أن أصح حديث فيه حديث الأعمش عن أبي وائل عم عمرو بن شرحبيل قال سأل عمر عن الجبن فقيل له يعمل فيه الإنفحة الميتة([30]) فقال: «سموا أنتم وكلوا» رواه أبو معاوية عن الأعمش([31]) وقال أليس الجبن الذي نأكله عامته يصنعه المجوس.
وعجب عجاب قياس هذا الرجل المجازف اللحوم على الجبن وهذا دليل على أنه ليس محققا في فقه الحنفية كما أنه ليس محصلا في غيره وأي فقيه أو متفقه يساوي الجبن باللحم، سبحانك هذا بهتان عظيم.
تنبيه: قول أحمد في صدر الجواب «لا أدري» دليل على أنه لم يطمئن لمسألة الجبن التي شهر بأنها من عمل المجوس الذين جرت عادتهم على أن يجبنوا اللبن بإنفحة الخنزير، وقوله: «إلا أن أصح حديث فيه» يعني به أن هذا أقرب ما يروى في مسألة الجبن وليس معناه الجزم بصحة ذلك عن عمر ولو كان يرى صحة ذلك عن عمر باطمئنان البال لم يقل لا أدري.
وأما أكل عمر من ذلك فمبني على أن ما سوى اللحوم من الأجبان والألبان والجلود لا يجب البحث فيه كما قرر ذلك علماء الحنفية والشافعية والمالكية فهم متفقون على أنه لا يجب العمل بالشك في غير اللحوم أي الجبن والسمن ونحوه، فيكون عمر أراد أن يبين للناس أنه لا يحرم بالشك كما يحرم اللحم، فيقال لهذا المفتي إنك خلطت وخبطت خبط عشواء، فاتق الله إلى أين يذهب بك وهمك. انتهى جواب سيدنا الإمام الشيبي رضي الله عنه.
قال الفقيه النووي الشافعي في كتاب «المجموع شرح المهذب([32]): » «فرع: لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها فإن كان في بلد فيه من لا يحل ذكاته كالمجوس لم تحل سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين بالمسلمين للشك في الذكاة المبيحة والأصل التحريم وإن لم يكن فيه أحد منهم حلت».
وفي «الفتاوى الكبرى»([33]) لابن حجر الهيتمي الشافعي ما نصه: «وسئل نفع الله ببركاته عن شاة مذبوحة وجدت في محلة المسلمين ببلد كفار وثنية وليس فيهم مجوسي ولا يهودي ولا نصراني فهل يحل أكل تلك الشاة المذبوحة التي وجدت في تلك المحلة أم لا؟ فأجاب بأنه حيث كان ببلد فيه من يحل ذبحه كمسلم أو يهودي أو نصراني ومن لا يحل ذبحه كمجوسي أو وثني أو مرتد ورؤي بتلك البلد شاة مذبوحة مثلا وشك هل ذبحها من يحل ذبحه لم تحل للشك في الذبح المبيح والأصل عدمه». اهـ.
وفي «الأشباه والنظائر» للسيوطي([34]) الشافعي ما نصه: «الفائدة الثانية: قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني الشك على ثلاثة أضرب شك طرأ على أصل حرام، وشك طرأ على أصل مباح، وشك لا يعرف أصله، فالأول مثل أن يجد شاة في بلد فيه مسلمون ومجوس فلا يحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم لأنها أصلها حرام وشككنا في الذكاة المبيحة». اهـ.
وفي كتاب «التاج والإكليل لمختصر خليل»([35]) في فروع فقه المالكية في باب الضوء نقلا عن شهاب الدين القرافي ما نصه: «الفرق الرابع والأربعون بين الشك في السبب والشك في الشرط، وقد أشكل على جمع من الفضلاء قال: شرع الشارع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك، وهو ثلاثة مجمع على اعتباره كمن شك في الشاة المذكاة والميتة وكمن شك في الأجنبية وأخته في الرضاعة». اهـ.
وقال ابن رجب الحنبلي في شرحه على «الأربعين النووية» المسمى «جامع العلوم» ما نصه([36]): «وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا يحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد، فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب ءاخر رجع إلى الأصل فبنى عليه، فيبني فيما أصله الحرمة على التحريم ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه أو كلب غير كلبه أو يجده قد وقع في ماء، وعلل بأنه لا يدري هل مات من السبب المبيح له أو من غيره». اهـ.
وقد ذكر العلامة الفقيه المحدث الشيخ عبد الله الهرري في كتابه «بغية الطالب»([37]) معاصي البطن ما نصه: «أكل النجاسات من جملة معاصي البطن كالدم المسفوح أي السائل ولحم الخنزير والميتة». اهـ.
فإن كان أكل لحم الميتة ذكره العلماء أنه من جملة معاصي البطن وحرام بنص القرءان وأما استعمال شحومها لطلاء السفن وإضاءة القناديل فلا يحرم وقد مرت مسألة الجبن والسمن تفصيلا وهذا نص جواب الإمام حجة عصره وفريد زمانه الإمام الشيبي عندما سئل عن السمن المتخذ من حليب ودهن فأجاب: «إن من اعتقد أن هذا الدهن سمن مأخوذ من حليب بقر أو غنم ثم شك هل فيه شحم أو ألية لا يحرم عليه استعمال هذا السمن ومن علم أنه مخلوط من السمن المتخذ من الحليب ومن الشحم أو الألية فلا يحل له أن يستعمله إلا بعد معرفة حال الذابح للبقرة أو الغنم هل هو ممن تحل ذبيحته أو لا». اهـ.
وخلاصة ما مضى من البحث العميق وبعد التحقيق والتدقيق في هذه المسألة فهاكم خاتمة مختصرة احتوت على لب المسألة نقول: اتفق المذاهب الأربعة على أنه لا يحل أكل اللحم إلا أن يعلم أن من ذبح مسلم أو يهودي أو نصراني أو مما صاده واحد منهم من غير ميتة السمك والجراد وكذلك عند غيرهم من الأئمة واتفقوا أيضا أن ما شك في تذكيته ذكاة شرعية فهو حرام بدليل حديث البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل»، وفي رواية: «فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك».
فيؤخذ منه أنه لا يجوز الأكل من اللحم الذي يشك في ذابحه مسلم هو أم كتابي أو غيرهما أو هل هو مقتول خنقا أو ذبحا أو غير ذلك.
وأما حديث عائشة إن أناسا من الأعراب حديثي عهد بكفر يأتوننا بلحما، لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سموا الله أنتم وكلوا» فليس فيه دليل لحل ما لم يعلم حال ذابحه أمسلم أم كتابي أم وثني بل الحديث فيمن هو مسلم لكنه قريب عهد بالكفر أي أنه أسلم من قريب لم يمض عليه منذ أسلم زمان طويل، وقد احتج به بعض أدعياء الدين المحرفين لهذا الدين لمحاولة إباحة ذبيحة الوثنيين كأنه لم ير قول عائشة رضي الله عنها قريبي عهد بكفر.
وأما الآية التي يحتج بها بعض الناس فيفسرونها تفسيرا خطأ وهي قوله تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51]. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه حديثا يفسر الرسول به هذه الآية وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51]. وكذلك الطيبات في هذا الحديث ما كان من المأكولات حلالا، هذا معنى الطيبات في هذا الحديث وليس معنى الطيبات المستلذات، وكذلك في هذه الآية الطيبات هي الأشياء التي أحلها الله، والله تعالى رخص لبني ءادم الأكل من الحلال، ومفهوم ذلك النهي عن الأكل مما حرم الله، فيجب على المكلف أن يعرف ما أحل الله من المأكول والشراب قبل تعاطيه يجب أن يعرف ما أحل الله وما حرم لأنه إذا عرف ذلك أكل من الطيبات أي مما أحل الله وترك أكل ما حرم الله، أما إذا لم يعرف بأن لم يتعلم ذلك فإنه يقع فيما حرم الله، ثم إن الإنسان لا يعذر يوم القيامة بقوله إني كنت جاهلا إذا أكل في الدنيا ما شاء ولم يقتصر على الحلال.
ونصيحتي لكل من أفتى بإباحة أكل اللحم المشكوك فيه أن يتقي الله وأن يذكر وقوفه بين يدي الله للحساب يوم لا ينفع مداهنا مداهنته وأن يرجع عن فتواه إلى الصواب الذي بيناه وليذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض» رواه ابن عساكر في تاريخه، وقوله: «من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار».
وإني أرجو من الله العلي القدير أن ينفع بما قدمته إيضاحا لهذه المسألة وإجلاء لشبه المحرفين، كل من أراد الصواب ونظر بعين التفكر والإمعان لما ذكرناه من أقوال الأئمة وءايات القرءان.
وقال فضيلة الشيخ الدكتور الأديب الشاعر الداعية أسامة بن محمد السيد اللبناني الأشعري الشافعي الرفاعي القادري في كتابه «القرضاوي في العراء» ما نصه([38]):
القرضاوي يزعم أنه تؤكل كل ذبائح أهل الكتاب حتى ولو خنقا ولا يجب علينا السؤال عن كيفية الذبح.
قال في كتابه المسمى «الحلال والحرام» ص62 ما نصه: «ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة «يخنقها» ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما؟ فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن أباح الله لنا طعامهم مطلقا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا». اهـ.
وقال من المصدر نفسه ص63 ما نصه: «وعلى ضوء ما ذكر نعرف الحكم في اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه فما داموا يعتبرون هذا حلال مذكى فهو حل لنا».اهـ.
ويقول في نفس الصحيفة عن ذبيحة المجوس: «وقال آخرون هي حلال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، ثم قال في التعليق: وما ورد من تتمة لهذا الحديث غير ناكحي نسائهم ولا ءاكلي ذبائحهم» فلم يصح عند المحدثين». اهـ.
وقال في الصحيفة نفسها: «وليس على المسلم أن يسأل عما غاب عنه كيف كانت تذكيته؟ وهل استوفت شروطها أم لا؟ وهل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لم يذكر؟ بل كل ما غاب عنا مما ذكاه مسلم ولو جاهلا أو فاسقا أو كتابي فحلال أكله. وقال العلماء في حديث «إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري».. هذا دليل على أن الأفعال والتصرفات تحمل على حالة الصحة والسلامة حتى يقوم دليل على الفساد والبطلان». اهـ.
وقال في كتابه المسمى «فقه الأولويات» ص169 ما نصه: «فهناك الموسوسون الذين يبحثون عن الشبهات لأدنى ملابسة حتى يجدوها كالذين يشككون في الذبائح في بلاد الغرب لأوهى سبب». اهـ.
الرد: أحب أن أبدأ أولا بأن الجزء الأخير من حديث «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا ءاكلي ذبائحهم» هو صحيح وليس كما ادعى القرضاوي أن قوله: «غير ناكحي نسائهم ولا ءاكلي ذبائحهم» غير صحيح وهذا دليل جهله بالحديث والحديث رواه أبو داود والبيهقي ونتحدى القرضاوي أن يسمي لنا محدثا معتبرا قال بمقولته.
ثم إن ما قاله القرضاوي هنا فيه مخالفة صريحة للشرع ولا سيما ونحن الآن يأتينا من الغرب ما يعرف باللحوم المثلجة، وقد ثبت وبما لا يحتمل الشك أن المسالخ هناك لا تذبح غالبا بل يصعقون الثور مثلا بالتيار الكهربائي أو يطلقون عليه الرصاص فيقتل ثم يسلخ ثم يكتبون على العلب المجهزة «ذبح على الطريقة الإسلامية» وذلك للكذب والتمويه.
وهناك بعض الدول الأوروبية تعتبر أن الذبح جريمة يعاقب عليها القانون لذلك فإن بعض المسلمين في سويسرا يدخلون إلى فرنسا ويذبحون ذبائحهم ثم يدخلونها إلى سويسرا لأن سويسرا تعتبر أن ذبح البهيمة جريمة يعاقب عليها القانون فأين الذبح الشرعي في كل هذا؟!
وقول القرضاوي هذا فيه مخالفة للإجماع المنعقد على عدم جواز الأكل من اللحم الذي لم يعرف كيف ذبح وهو اللحم المشكوك فيه ولمزيد من الفائدة إليك الرد التالي بالتفصيل:
اعلم أن الذكاة الشرعية بقطع مجرى الطعام والشراب ومجرى النفس بما له حد، بشرط أن يكون الذابح مسلما أو يهوديا أو نصرانيا. فإذا حصل هذا وكان المذبوح مأكولا حل الأكل منه لمن علم، وأما ما كان موته بما لا حد له كأن مات بسبب التردي أو الغرق أو شيء يزهق الروح بثقله لا بحده فلا يحل أكله. وأيضا لا يحل أكل ما لم يعلم هل ذابحه هو ممن يصح تذكيته أم لا، لأن أمر اللحم في هذا أشد من أمر الجبن والحلوى ونحوهما، فإنه إذا شك شخص هل في الحلوى التي بين يديه أو الجبن الذي بين يديه نجاسة جاز له الأكل منه مع الشك وأما اللحم فلا يجوز الشروع في أكله مع الشك في ذكاته كما نص على ذلك الفقهاء كابن حجر الهيتمي والسيوطي من الشافعية والقرافي من المالكية وغيرهم، بل تحريم اللحم الذي لم يعلم طريق حله بأن شك في ذلك مجمع عليه.
وفي كتاب التاج والإكليل لمختصر خليل بهامش كتاب مواهب الجليل شرح مختصر خليل الجزء الأول ص301 في باب الوضوء نقلا عن شهاب الدين القرافي ما نصه: «الفرق الرابع والأربعون بين الشك في السبب والشك في الشرط وقد أشكل على جمع من الفضلاء قال: شرع الشارع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك وهو ثلاثة مجمع على اعتباره كمن شك في الشاة المذكاة والميتة وكمن شك في الأجنبية وأخته من الرضاعة». اهـ.
أي أن تحريم ما شك فيه من اللحم مسألة إجماعية فلا التفات إلى ما يخالف هذا الإجماع من قول بعض أهل العصر المتعالمين وهؤلاء ضروا الناس برأيهم المخالف للإجماع في البلاد العربية وفي أوروبا وأمريكا وموه بعضهم بإيراد حديث أخرجه البخاري (في كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد باب ذبيحة الأعراب) على غير وجهه والحديث ورد في ذبيحة أناس مسلمين قريبي عهد بكفر وذلك لحديث عائشة «أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا عليه أنتم وكلوه»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر.
ومعنى الحديث أن هذه اللحوم حلال لأنها مذكاة بأيدي مسلمين ولو كانوا حديثي عهد بكفر ولا يضركم أنكم لم تعلموا هل سمى أولئك عند ذبحها أم لا وسموا أنتم عند أكلها أي ندبا لا وجوبا لأن التسمية سنة عند الذبح فإن تركها الذابح حل الأكل من الذبيحة.
فمن أين موه هؤلاء بإيراد هذا الحديث على غير وجهه فكأن هؤلاء قالوا إن الرسول أحل أكل ما لم يعلم هل ذابحه مسلم أم مجوسي أم بوذي أم غير ذلك بالاقتصار على التسمية عند الأكل وهذا لم يقله عالم مسلم قط، فليتقوا الله هؤلاء المتهورون وليعلموا أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أقواله وأفعاله وعقائده.
ملاحظة: لقد ألف الشيخ عبد الحي الغماري رسالة في الرد على القرضاوي في مسألة الذبائح هذه.
ومن مخازي القرضاوي أنه يدعو إلى الاجتهاد بالتصويت كما في كتابه المسمى شريعة الإسلام ص156. رغم هذا فقد صدر عن المجلس الأوروبي للإفتاء في اجتماعه الثاني في دبلن والذي يرأسه القرضاوي وأعضاؤه من حزب الإخوان فتاوى وتوصيات وبتوا في كل المسائل المطروحة إلا في مسألة الذبائح فقد ورد في ص4 ما نصه: «وبعد البحث المضني والتباين الكبير في وجهات النظر وزوايا المعالجة قرر المجلس إفراد الموضوع بالمزيد من البحث والتدقيق حتى يتم حسمه بالنظر إلى جوانبه المتعددة». اهـ.
وقال الشيخ الحافظ عبد الله الهرري رضي الله عنه في كتابه النهج السوي، وزاد فيصل مولوي في الفساد فذكر في مجلة الشهاب العدد الثالث والعشرون السنة السابعة 1974ر ص16 ما نصه: (لا بأس في أكل لحوم المعلبات ولو كانت مصنوعة في أوروبا أو أمريكا لأنهم أهل كتاب، وقد أباح الله لنا طعامهم، وتسمي أنت عندما تأكل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أباح لمن يأتيه لحم لا يدري أذكر اسم الله عليه أم لا أن يأكل منه ويسمي هو عليه).
فالجواب: أن اللحم لا يجوز الشروع في أكله مع الشك في ذكاته كما نص على ذلك الفقهاء وأجمعوا عليه، نقل ذلك القرافي في كتابه الفروق. أما إيراده للحديث فهو تمويه وتحريف لمعنى الحديث مع النظر إلى حذف القيد المذكور في الحديث وهو أن عائشة قالت: «يا رسول الله، إن أناسا حديثي عهد بكفر يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا» فقال: «سموا الله أنتم وكلوا» رواه البخاري، ومعناه أن هذه اللحوم حلال لأنها مذكاة بأيدي مسلمين قريبي عهد بكفر أي دخلوا في الإسلام من جديد. فلا يضركم أنكم لم تعلموا هل سمى أولئك عند ذبحها أم لا وسموا أنتم عند أكلها أي ندبا لا وجوبا.
وفي البخاري باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، حدثنا محمد بن عبيد الله قال: حدثنا أسامة بن حفص المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوما يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: «سموا عليه أنتم وكلوه» قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر.
([1]) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الصيد: باب صيد الحيتان والجراد [3218]، قال الحافظ البوصيري في «مصباح الزجاجة» [2/168]: «هذا إسناد فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، وله شاهد من حديث عبد الله بن أبي أوفى رواه النسائي في «الصغرى» مقتصرا على ذكر الجراد، وأورده ابن الجوزي في «العلل المتناهية» من طريق عبد الرحمن به، ورواه الشافعي وأحمد في مسنديهما والدارقطني في سننه والحاكم والبيهقي». اهـ، وأخرجه ابن ماجه أيضا في: كتاب الأطعمة: باب الكبد والطحال [3314]، وقال الحافظ البوصيري في «مصباح الزجاجة» [2/182]: «هذا إسناد ضعيف، عبد الرحمن هذا قال فيه أبو عبد الله الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة، وقال ابن الجوزي أجمعوا على ضعفه. قلت: لكن لم ينفرد به عبد الرحمن بن زيد عن أبيه فقد تابعه عليه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قوله، قال البيهقي: إسناد الموقوف صحيح، وهو في معنى المسند، قال [أي البيهقي]: وقد رفعه أولاد زيد بن أسلم عن أبيهم وهم كلهم ضعفاء خرجهم ابن معين». اهـ، وأخرجه أحمد في مسنده [2/97] عن عبد الرحمن، والبيهقي في سننه [1/254] عنه أيضا وقال بعد أن أسنده عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر موقوفا: «هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، وقد رفعه أولاد زيد عن أبيهم». اهـ، ثم رواه عن ابن أبي أويس عن أولاد زيد وهم عبد الرحمن وأسامة وعبد الله ثم قال: «أولاد زيد هؤلاء كلهم ضعفاء جرحهم يحيى بن معين، وكان أحمد بن حنبل وعلي بن المديني يوثقان عبد الله بن زيد إلا أن الصحيح من هذا الحديث هو الأول». اهـ، وأخرجه البيهقي أيضا في موضع ءاخر [9/257] وقال: «وهذا هو الصحيح». اهـ أي رواية الوقف، والدارقطني في سننه [4/272] عن مطرف عن عبد الله بن زيد، وعبد بن حميد في مسنده [انظر: «المنتخب»، ص260] عن عبد الرحمن، والخطيب البغدادي في تاريخه [13/245] عن مسور بن الصلت عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، والمسور ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وقال النسائي: متروك الحديث، ورواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» [1/664]. واحتج به الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» [9/621] على أنه لا يشترط لحل أكل الجراد تذكيته، وقال في كتابه «التلخيص الحبير» [1/26]: «الرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع لأن قول الصحابي: أحل لنا وحرم علينا كذا مثل قوله: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية لأنها في معنى المرفوع». اهـ، وهذا لا يتعارض مع قوله في «بلوغ المرام» [ص10] بعد عزوه الحديث لأحمد وابن ماجه: «وفيه ضعيف» لأن كلامه عن الرواية المرفوعة وهنا تكلم عن الرواية الموقوفة وأن لها حكم المرفوع. وقال الحافظ النووي في «المجموع» [9/23] ما نصه: «روى الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالحوت والجراد والدمان الكبد والطحال» قال البيهقي: ورواه سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: «أحلت لنا ميتتان» الحديث، قال البيهقي: هذا هو الصحيح. قلت [القائل هو النووي]: معناه أن الصحيح أن القائل: «أحلت لنا ميتتان» هو ابن عمر لأن الرواية الأولى ضعيفة جدا لاتفاق الحفاظ على تضعيف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال أحمد بن حنبل: روى حديثا منكرا: «أحلت لنا ميتتان» الحديث، يعني أحمد الرواية الأولى وأما الثانية فصحيحة كما ذكره البيهقي، وهذه الثانية هي أيضا مرفوعة لأن قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو أحل لنا كذا أو حرم علينا كذا كله مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمنزلة قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه قاعدة معروفة وسبق بيانها مرات، والله تعالى أعلم». اهـ.
([2]) أخرجه بنحوه: الطبراني في «المعجم الكبير» [11/214] عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» [10/224 – 225]: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن سليمان الجفري وقد وثقه الذهبي في ءاخر يحيى بن سليمان الجعفي». اهـ، وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها [انظر: «الإحسان بترتيب صحاح ابن حبان»، 1/247].
([5]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (2236).
([6]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (1581).
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه (3318] ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي (2619).
([11]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات (2054)، ومسلم في صحيحه: كتاب الصيد والذبائح: باب الصيد بالكلاب المعلمة (3/129). أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات (2054)، ومسلم في صحيحه: كتاب الصيد والذبائح: باب الصيد بالكلاب المعلمة (3/129).
([13]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الذبائح والصيد، باب ما أصاب المعراض بعرضه (5477) ومسلم في صحيحه كما في المصدر السابق (1/1929).
([14]) ما بين القوسين من كلام صاحب المتن وهو الخرقي.
([15]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصيد، باب في الصيد (2852)، وأحمد في مسنده (4/195).
([16]) متن الغاية والتقريب (ص50).
([18]) مع شرحه المجموع (9/80).
([19]) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيد والذبائح باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة (1955).
([20]) قال النووي: «هي القشرة الرقيقة للقصبة وقيل مطلق قشرة القصبة والجماعة ليط» (المجموع 9/81).
([21]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام (1968).
([22]) المجموع شرح المهذب (9/80).
([23]) الفتاوى الكبرى (1/45 و46).
([25]) انظر: «التاج والإكليل لمختصر خليل» المطبوع بهامش كتاب «مواهب الجليل شرح مختصر خليل» (1/301).
([26]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الذبائح والصيد: باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة 5484) ومسلم في صحيحه: كتاب الصيد والذبائح: باب الصيد بالكلاب المعلمة (1929/6).
([27]) في المختار: صل اللحم يصل أنتن.
([28]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصيد: باب في الصيد (2857).
([29]) معنى الوقوف بين يدي الله الوقوف للحساب وعرض الأعمال. الله تعالى موجود بلا مكان وليس جسما ولا يوصف بالجوارح والأعضاء وليس بينه وبين شيء من خلقه مقابلة ولا مناسبة.
([30]) معناه ليس متيقنا أن الذي يصل إلى أيديكم فيه هذا الشيء فلا يحرم بالشك.
([31]) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (5/130).
([32]) المجموع شرح المهذب (9/1/80).
([33]) الفتاوى الكبرى (1/45 و46).
([34]) الأشباه والنظائر (ص74).
([35]) انظر: «التاج والإكليل لمختصر خليل» المطبوع بهامش كتاب «مواهب الجليل شرح مختصر خليل» (1/301).
([36]) جامع العلوم والحكم (1/198) عند شرح حديث: «إن الحلال بين».