قال الله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}.
قال الإمام الحافظ البخاري رضي الله عنه حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء يهودي فقال يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك فقال من قال رجل من الأنصار قال ادعوه فقال أضربته قال سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر قلت أي خبيث على محمد صلى الله عليه وسلم فأخذتني غضبة ضربت وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى([1])». ورواه مسلم أيضا في صحيحه([2]).
وقال البخاري حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت أبا العالية حدثنا ابن عم نبيكم يعني ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه»([3]). ورواه مسلم أيضا في صحيحه([4]).
وحديث «ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى»([5]). ورواه مسلم أيضا في صحيحه([6]).
الشرح: هذه الأحاديث كانت قبل أن ينزل الوحي بتفضيل بعض الأنبياء على بعضهم، ما كان مأذونا للصحابة أن يفاضلوا بين الأنبياء بآرائهم، لكن بعد أن نزل القرءان بذلك أو بين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك صار تفضيل بعض الأنبياء على بعض بالدليل حقا، لأن الله تعالى قال: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}، وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد، وقال أب وهريرة رضي الله عنه: «خيار الأنبياء خمسة محمد، إبراهيم، موسى، عيسى ونوح، وخيار الخمسة محمد» صلى الله عليه وسلم، فبعد هذا صار جائزا بالإجماع أن نقول: «محمد أفضل من إبراهيم» أو «إبراهيم أفضل من موسى» أو «موسى أفضل من عيسى» أو «عيسى أفضل من نوح» أو «نوح أفضل من آدم»، (قال الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ المتوفى 444هـ في كتابه بهجة المنتفع (ص227) عن قول أبي هريرة هذا لا يجوز أن يقال بالرأي وبالاستنباط إنما يقال مثل هذا على التوقيف فلذلك دخل في جملة المسند لأن الصحابي لا يقوله من رأيه، وذكرهم على غير الترتيب المجمع عليه والذي هو محمد – إبراهيم- موسى – عيسى- نوح عليهم وعلى سائر أنبياء الله الصلاة والسلام).
قال العيني في «عمدة القاري»([7]): «وقال ابن التين: معنى (لا تخيروا بين الأنبياء) يعني من غير علم وإلا فقد قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}. وقال([8]): «وقال: (لا تفضلوني على يونس عليه الصلاة والسلام)، قلت: أجيب كان هذا قبل إعلامه بسيادة ولد آدم». اهـ.
قال المفسر أبو حيان الأندلسي في كتابه تفسير البحر المحيط([9]): «وقد قال أبو هريرة: خير ولد آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وهم أولو العزم والمكلم موسى صلى الله عليه وسلم». اهـ.
قال المفسر القرطبي في كتابه الجامع لأحاكم القرءان([10]): قوله تعالى: {تلك الرسل} قال: «تلك» ولم يقل: ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء. و«الرسل» نعتهن وخبر الابتداء الجملة. وقل: الرسل عطف بيان، و{فضلنا} الخبر. وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخيروا بين الأنبياء» و«لا تفضلوا بين أنبياء الله» رواها الأئمة الثقات، أي لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. يقال: خير فلان بين فلان وفلان، وفضل، «مشددا» إذا قال ذلك. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى؛ فقال قوم: إن هذا كان قبل أن يوحي إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وإن القرءان ناسخ للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض»، وأراد بقوله: «لا تخيروني على موسى» على طريق التواضع؛ كما قال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم. وكذلك معنى قوله: «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى» على معنى التواضع. وفي قوله تعالى: {ولا تكن كصاحب الحوت} [القلم: 48] ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه، لأن الله تعالى يقول: ولا تكن مثله؛ فدل على أن قوله: «لا تفضلوني عليه» من طريق التواضع.
وقال أيضا([11]): «وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء… ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده. وقال أبو هريرة: خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة». اهـ.
وقال المفسر المشهور الرازي في كتابه مفاتيح الغيب([12]): «المسألة الرابعة أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض وعلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل ويدل عليه وجوه أحدها قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.
الحجة الثانية قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك.
الحجة الثالثة أنه تعالى قرن طاعته بطاعته فقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]، وبيعته ببيعته فقال: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10]، وعزته بعزته فقال: {ولله العزة ولرسوله} [المنافقون: 8]، ورضاه برضاه فقال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62]، وأجابته بإجابته فقال: {معرضون* يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} [الأنفال: 23].
الحجة الرابعة أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرءان فقال: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23]، وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرءان ولما كان كل القرءان ستة آلاف آية وكذا آية لزم أن لا يكون معجز القرءان معجزا واحدا بل يكون الفي معجزة وأزيد وإذا ثبت هذا فنقول إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى.
الحجة الخامسة أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء.
الحجة السادسة أن معجزته عليه السلام هي القرءان وهي باقية إلى آخر الدهر ومعجزات سائر الأنبياء منقضية.
الحجة السابعة أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال: {أولـئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، فأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله فإما أن يقال إنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد أو في فروع الدين وهو غير جائز لأن شرعه نسخ سائر الشرائع فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق فكأنه سبحانه قال إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم فوجب أن يكون أفضل منهم.
الحجة الثامنة أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر فوجب أن يكون أفضل أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28]، وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار فإذا قال لجميع العالمين يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له وحينئذ يصير خائفا من الكل فكانت المشقة عظيمة وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه([13]) وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه فإنه قلما سمحت نفسه بذلك مع أنه إنسان واحد ولو قيل له اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ بل سارع إليها سامعا مطيعا فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق ولهذا قال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10]، ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام: «أفضل العبادات أحمزها».
الحجة التاسعة: أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخا لسائر الأديان (أي الشرائع وهي الأحكام العملية وأما دين الأنبياء جميعا أي العقيدة فواحدة ليس فيها اختلاف ولا تناقض) والناسخ يجب أن يكون أفضل (وهذا تأكيد لما سبق من أن الناسخ والمنسوخ يكون في الأحكام العملية وليس في العقيدة فالعقيدة لا يدخلها النسخ) لقوله عليه السلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء.
الحجة العاشرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء بيان الأول قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبع وأيضا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن والإنس فوجب أن يكون ثوابه أكثر لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو شأن المتبوع.
الحجة الحادية عشر: أنه عليه السلام خاتم الرسل فوجب أن يكون أفضل لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول.
الحجة الثانية عشر: أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف وهي بالجملة على أقسام منها ما يتعلق بالقدرة كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وإروائهم من الماء القليل ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب وفصاحة القرءان ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب وأيضا كان في غاية الشجاعة كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود كيف وجدت نفسك يا علي قال وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك الحديث إلى آخره وهو مشهور ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه وكتب الحديث ناطقة بتفضيل هذه الأبواب.
الحجة الثالثة عشرة: قوله عليه السلام: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة» وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده وقال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» وقال عليه السلام: «لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي» وروى أنس قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» وعن ابن عباس قال جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم عجبا إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روح الله وهو كذلك وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر». اهـ.
الحجة الرابعة عشرة روى البيهقي في (فضائل الصحابة) أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام «هذا سيد العرب» فقالت عائشة: ألست أنت سيد العرب فقال: «أنا سيد العالمين وهو سيد العرب» وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام.
الحجة الخامسة عشرة: روى مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا» وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره.
الحجة السادسة عشرة: قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته فالأمير الذي تكون أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية ومن ملك الشرق والغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز الروحانية بقدر ذلك الموضع والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة ولما كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله فلا جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10] وفي الفصاحة إلى أن قال: «أوتيت جوامع الكلم» وصار كتابه مهيمنا على الكتب وصارت أمته خير الأمم.
الحجة السابعة عشرة: روى محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب النوادر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وموسى نجيا واتخذني حبيبا ثم قال وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي». اهـ.
الحجة الثامنة عشرة: في الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون ألا وضعت هــٰهنا لبنة فيتم بناؤك فقال محمد كنت أنا تلك اللبنة». اهـ.
الحجة التاسعة عشرة: أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرءان ناداه باسمه: {وقلنا يا آدم اسكن} [البقرة: 35] {وناديناه أن ياإبراهيم} [الصافات: 104] حديث موسى: {إني أنا ربك} [طه: 12] وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله: {يا أيها النبي} [الأنفال: 64] {يا أيها الرسول} [المائدة: 41] وذلك يفيد الفضل.
واحتج المخالف بوجوه الأول أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته فإن آدم عليه السلام كان مسجودا للملائكة وما كان محمد عليه السلام كذلك وإن إبراهيم عليه السلام ألقي في النيران العظيمة فانقلبت روحا وريحانا عليه وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة ومحمد ما كان له مثلها وداود لان الحديد في يده وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
الحجة الثانية: أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا فقال: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] وقال في موسى عليه السلام: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] وقال في عيسى عليه السلام: فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12] وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام.
الحجة الثالثة: قوله عليه السلام: «لا تفضلوني على يونس بن متى» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين الأنبياء».
الحجة الرابعة: روي عن ابن عباس قال كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته وإبراهيم بخلته وموسى بتكليم الله تعالى إياه وعيسى برفعه إلى السماء وقلنا رسول الله أفضل منهم بعث إلى الناس كافة وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء فدخل رسول الله فقال فيم أنتم فذكرنا له فقال: «لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا» وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها.
والجواب: أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة» وقال: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه وذلك أفضل من سجود الملائكة ويدل عليه وجوه الأول أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريبا والثاني أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم.
فإن قيل إنه تعالى خص آدم بالعلم فقال: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] وأما محمد عليه السلام فقال في حقه: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52] وقال: {ووجدك ضالا فهدى} [الضحى: 7] وأيضا فمعلم آدم هو الله تعالى قال: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله: {علمه شديد القوى} [النجم: 5].
والجواب أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم: {وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما} [النساء: 113] وقال عليه السلام: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» وقال تعالى: {الرحمن * علم القرآن} [الرحمن: 1، 2] وكان عليه السلام يقول: «أرنا الأشياء كما هي» وقال تعالى لمحمد عليه السلام: {وقل رب زدني علما} [طه: 114] وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى: {علمه شديد القوى} [النجم: 5] فذاك بحسب التلقين وأما التعليم فمن الله تعالى كما أنه تعالى قال: {قل يتوفاكم ملك الموت} [السجدة: 11] ثم قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] فإن قيل قال نوح عليه السلام: {وما أنا بطارد المؤمنين} [الشعراء: 114] وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} [الأنعام: 52] وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن قلنا إنه تعالى قال: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} [نوح: 1] فكان أول أمره العذاب وأما محمد عليه السلام فقيل فيه: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128]، إلى قوله: {رؤوف رحيم} [التوبة: 128] فكان عاقبة نوح أن قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] وأما سائر المعجزات فقد ذكر في كتب دلائل النبوة في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه والله أعلم». اهـ.
([1]) صحيح البخاري، كتاب الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهود، ص435.
([2]) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث 2373 – 160، ص927.
([3]) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: «وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه» إلى قوله: «مسرف كذاب»، باب: «وهل أتاك حديث موسى» «وكلم الله موسى تكليما»، ص623.
([4]) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في ذكر يونس صلى الله عليه وسلم وقول النبي صلى الله عليه ولمك «لا ينبغي لعب أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»، ص928.
([5]) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين}، ص628.
([6]) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث 2373، ص926.
([7]) عمدة القاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي، (12/351، 352).
([8]) عمدة القاري، باب قول الله عز وجل: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه}، (15/304).
([9]) تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الفكر، الطبعة الثانية 1403هـ 1983م، (2/272).
([10]) الجامع لأحكام القرءان، أبو عبد الله القرطبي، دار الفكر، الطبعة الأولى، (3/261 ـ 162).
([11]) الجامع لأحكام القرءان، (3/261 – 162).
([12]) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، المفسر الرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، المجلد الثالث، (6/164 إلى 172).
([13]) قال الحافظ الهرري في كتابه «عمدة الراغب»: يستحيل على الأنبياء الجبن، أما الخوف الطبيعي فلا يستحيل عليهم بل الخوف الطبيعي موجد فيهم وذلك مثل النفور من الحية فإن طبيعة الإنسان تقتضي النفور من الحية وما أشبه ذلك مثل التخوف من تكالب الكفار والأعداء عليهم حتى يقتلوهم فإن ذلك جائز عليهم وهو جائز في حق الأنبياء، ولا يقال عن النبي صلى الله عليه وسلم هرب لأن هرب يشعر بالجبن أما فر من الأذى مثلا فلا يشعر بالجبن، يقال: هاجر فرارا من الكفار أي من أذى الكفار هذا جائز ما فيه نقص وعلى هذا المعنى قول الله تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام أنه قال {ففررت منكم لما خفتكم}، وبهذا المعنى تفسر الآية: {خذها ولا تخف} في قصة معجزة العصا لموسى عليه السلام وبنفس المعنى ما جاء في قوله تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسىٰ}.
ولا يجوز أن يوصف الأنبياء بالجبن. فيتحصل مما سبق أن معنى (فرعبت منه) ليس خوف الجبن، هذا الخوف هو الخوف الطبيعي، إذ يستحيل على الأنبياء الجبن أما الخوف الطبيعي فلا يستحيل عليهم بل هو موجود فيهم قال القشيري في تفسيره لقوله تعالى: {ففررت منكم لما خفتكم}: «يجوز حمله على الظاهر وأنه خاف منهم على نفسه»، وقد قال الله تعالى مخاطبا نبيه موسى عليه السلام {خذها ولا تخف} وقال تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة موسىٰ} وقال تعالى حكاية عن موسى: {فأخاف أن يقتلون}، وقال تعالى حكاية عن هارون وموسى: {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرىٰ}، هذا عن الخوف الطبيعي وليس خوف الجبن. اهـ.