الشرح: إن مما جاء به القرءان وعلمه الأنبياء وأجمعت عليه شرائعهم أن من كان مسلما مؤمنا وختم له بذلك فهو من أهل الجنة والسعادة الأبدية ولا دخل له ولا إثم عليه ولا وزر يلحقه بكفر وفسوق وفجور زوجته التي ماتت على الكفر، والعكس أيضا. فمثلا نوح ولوط نبيان كريمان عظيمان عليهما الصلاة والسلام، فهل يلحقان بزوجتيهما اللتين قال الله فيهما في سورة التحريم {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين} [التحريم: 10]، والجواب حاشى ومستحيل أن يلحقهما إثم أو عذاب أو دخول النار بسبب زوجتيهما.
وكذلك آسية بنت مزاحم امرأة فرعون هي مؤمنة مسلمة ولية صالحة وزوجها فرعون رأس من رؤوس الكفر وإمام من أئمة أهل النار فهل تكون آسية معه في جهنم؟! حاشاها، وهي التي قال الله تعالى في شأنها في القرءان {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين} [التحريم: 11]، فيتبين من مجموع هذه الأدلة القرءانية الواضحة الصريحة أن المؤمن في الجنة والكافر في النار ولو كانوا متزوجين من بعضهم في الدنيا ولا علاقة للرجل مع زوجته في هذه الآية الكريمة التي نحن في صدد شرحها {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون} [الصافات: 22]، فالأزواج هنا في الآية أي الأشباه أي الكافر وشبيهه في الكفر يكونان في النار، فالأزواج هنا أي المتشابهون في كفرهم وشركهم وضلالهم، وقيل الوثني مع الوثني واليهودي مع اليهودي وقيل الكفار وأشياعهم أي أتباعهم من الكفار وقيل الزوجات الموافقات لأزواجهن في الكفر.
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} هو من قول الله تعالى للملائكة: احشروا المشركين وأزواجهم أي: أشياعهم في الشرك، والشرك: الظلم، قال الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} فيحشر الكافر مع الكافر، قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله – عز وجل -: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس: وأزواجهم أي: أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: {وأزواجهم}: نساؤهم الموافقات على الكفر، قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. وقال الضحاك: وأزواجهم قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقاتل أيضا: يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. من دون الله أي من الأصنام والشياطين وإبليس. {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي سوقوهم إلى النار. وقيل: {فاهدوهم} أي: دلوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق، أي: دللته عليه. وأهديت الهدية وهديت العروس، ويقال أهديتها، أي: جعلتها بمنزلة الهدية». اهـ.
وقال محمد الأمين بن محمد بن المختار بن الجنكي الشنقيطي في كتابه التفسير أضواء البيان في إيضاح القرءان العظيم ما نصه: «قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 22، 23] المراد بـ: الذين ظلموا الكفار، كما يدل عليه قوله بعده: {وما كانوا يعبدون * من دون الله}.
وقد قدمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة؛ كقوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم}، وقوله تعالى: {والكافرون هم الظالمون}، وقوله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس: 106].
وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم بالشرك، في قوله تعالى: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}، وقوله تعالى: {وأزواجهم}، جمهور أهل العلم منهم: عمر وابن عباس، على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وهكذا وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرءان، وفي كلام العرب؛ كقوله تعالى: {والذي خلق الأزواج كلها} الآية، وقوله تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36]، وقوله تعالى: {فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} الآية [طه: 53]، وقوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} [طه: 131]، إلى غير ذلك من الآيات.
فقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} [الصافات: 22]، أي: اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم، فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم، وبذلك تعلم أن قول من قال: المراد بـ أزواجهم نساؤهم اللاتي على خلاف دينهم أي المسلمات، خلاف الصواب – وتفسيرهم {وأزواجهم} على الإطلاق أي أن المسلمة تكون مع زوجها الكافر في النار تكذيب للقرءان -. وقوله تعالى: {وما كانوا يعبدون * من دون الله}، أي: احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعا النار، كما أوضح ذلك بقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} [الأنبياء: 98، 99]. وقد بين تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من الأنبياء، والملائكة، والصالحين، كعيسى وعزير خارجون عن هذا، وذلك في قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} ، إلى قوله: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} [الأنبياء: 101 – 103]، وأشار إلى ذلك في قوله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون *إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} الآية [الزخرف: 57 – 50]». اهـ.
وقال محمد الطاهر بن عاشور المالكي في تفسيره التحرير والتنوير في شرح هذه الآية ما نصه: «وروي عن النعمان بن بشير يرويه عن عمر بن الخطاب وتأويله: أنهن الأزواج الموافقات لهم في الإشراك، أما من آمن فهن ناجيات من تبعات أزواجهن، وهذا كذكر أزواج المؤمنين في قوله تعالى: {هم وأزواجهم في ظلال} [يس: 56]، فإن المراد أزواجهم المؤمنات، فأطلق حملا على المقيد في قوله ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإنذار لئلا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن.
وذلك مثل تخصيصهن بالذكر في قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} في سورة البقرة.
وقيل: الأزواج: الأصناف، أي: أشياعهم في الشرك وفروعه. قاله قتادة وهو رواية عن عمر بن الخطاب وابن عباس.
وعن الضحاك: الأزواج المقارنون لهم من الشياطين». اهـ.