الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ووقر الشيوخ».

الشرح: هذه النصيحة قد مر الكلام عليها سابقا لكن أردنا طالما أن الإمام أعادها أن نخص بالشيوخ الوالدين، فنقول: إن الإحسان يتأكد أكثر في حق الوالدين، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24].

فأحسن أيها الابن وأيتها البنت معاملة والديكما وخاصة عند الكبر، فهما في حالة ضعف وعجز، وتذكرا أنهما عندكما في ءاخر العمر كما كنتما عندهما عاجزين أول العمر، فلا تقل ولا تقولي لهما ما يكون فيه أدنى تضجر، وأحسنا إليهما بفعلكما وقولكما الكريم، وتواضعا لهما وادعوا لهما بخيري الدنيا والآخرة، فإن الإنسان إذا فعل ذلك فقد نال الأجر العظيم عند الله، فهنيئا لمن أكرمه الله بكبر والديه أو أحدهما عنده وانتهز الفرصة بالخيرات، وقام بالبر والإحسان إليهما وخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

وفي الحديث([1]): «وبروا آباءكم يبركم أبناؤكم».

ولقد نار أويس بن عامر القرني منزلة عظيمة ببركة بره لأمه ورعايته لها، ولما لقيه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»([2])، فقال له سيدنا عمر: استغفر لي فاستغفر له.

ملاحظة: سيدنا عمر أفضل من أويس رضي الله عنهما، إلا أن هذا دليل على تواضع أمر المؤمنين رضي الله عنه.

ولقد قال ابن عباس رضي الله عنهما([3]): «لا تنفض ثوبك فيصيبهما الغبار». وقال عروة: «لا تمتنع عن شيء أحباه» أي: من المباحات، وبالغ في إكرامهما ولو غرقت في بحر من المكروهات جبرا لخاطرهما.

فدائما أيها الشاب اذكر الآية المارة وتأملها وتفكر فيها، فلا تنهرهما ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك إلا إن كان حراما.

{وقل لهما قولا كريما} لينا لطيفا أحسن ما تجد كما يقتضيه حسن الأدب، أو هو أن تقول: يا أبتاه ويا أمتاه ولا تدعهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب معهما إن كان على هيئة يتأذيان منها أو يحصل لهما انزعاج.

وألن لهما جانبك متذللا لهما من فرط رحمتك إياهما وعطفك عليهما ولكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس.

{وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} أي: مثل رحمتهما إياي في صغري حتى ربياني، فلا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك.

وهذه الوصية تشمل شيوخ العلم الأجلاء وكبار السن من المسلمين ويدخل فيهم الأمهات والآباء في الجملة. ويناسب هنا أن نحذر من معصية عقوق الوالدين لما نرى من حال كثير من الشباب الوقوع في هذه الكسرة.

قال بعض العلماء: «بر الأمهات والآباء بركة في الدنيا والآخرة، ومن أراد أن تكون عاقبته حميدة فليبر أبويه ومن لم يبر أبويه فعاقبته وخيمة، والعاق لأبويه الذي هذا دأبه ويموت على ذلك الله لا يبارك فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة». وقال بعض الشافعية: «عقوق الوالدين هو ما يتأذى به الوالدان أو أحدهما تأذيا ليس بالهين في العرف».

وقال ﷺ: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين»([4]). وقال ﷺ: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق بولديه، والديوث، ورجلة النساء»([5]). وهذا إن لم يتوبوا وأما إن تابوا فقد قال ﷺ: «التائب من الذنب، كمن لا ذنب له»([6]).

اللهم ارحم ءاباءنا المسلمين.

([1]) المعجم الأوسط، الطبراني، (6/241)، حديث (6295).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1969)، حديث (2542).

([3]) البر والصلة، ابن الجوزي، (ص43).

([4]) شعب الإيمان، البيهقي، (10/246)، حديث (7449).

([5]) المستدرك على الصحيحين، الحاكم (1/144)، حديث (244).

([6]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1419)، حديث (4250).

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وارض منهم ما ترضى لنفسك. وعامل الناس معاملتك لنفسك».

الشرح: يشير الإمام رضي الله عنه بهذه النفائس إلى ما وضع لنا الإسلام من مجموعة من القواعد والمبادئ التي تنظم علاقة المسلمين مع بعضهم وتحكم تعاملهم فيما بينهم حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى تسود المودة والوئام والتفاهم فيما بينهم ويبتعدوا عن الخصام والشجار والقطيعة.

ومن هذه القواعد قاعدة إسلامية عظيمة وأصيلة تقوم على مبدأ: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، ومصدر هذه القاعدة مأخوذة من حديث للنبي ﷺ يقول فيه: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»([1]).

وهذه القاعدة لها صلة وثيقة بقاعدة أخرى تقوم على مبدأ: «أحب لأخيك المسلم ما تبه لنفسك»، وقد أكد النبي ﷺ على هذا المبدأ وجعله شرطا في كمال الإيمان حين قال: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([2]).

وهذه القاعدة عبارة عن ميزان يرجع إليه الإنسان كلما اشتبه عليه الأمر عليه واحتار في تصرف أو شك في سلوك، فبالرجوع إلى هذه القاعدة وتطبيقها وتحكيمها يسهل الأمر عليه في كيفية التعاطي مع الناس.

عزيزي القارئ، إذا أردت الجواب الشافي عما قد يدور في ذهنك من أسئلة عن سلوك معين أو تصرف محدد: هل هو سلوك جيد أم رديء؟ سل نفسك سؤالا، ما الذي أريد من الناس في مثل هذه الحالة؟ وما الذي أنتظره ممن أعامل؟ وعلى ضوء الإجابة تكون الصورة واضحة أمامك، وتبني ذلك على ما ورد في الشرع.

وسنعرض فيما يلي بعض الأمثلة من التصرفات والأخلاق التي نعايشها في حياتنا اليومية ونشاهدها في تعاملنا مع من حولنا مع ربطها بهذه القاعدة:

  • لا تحب أن يغتابك أحد أو يذكرك بسوء فلا تغتب أحدا أو تذكر سوء أخيك المسلم تفكها.
  • لا تحب أن يتكبر عليك أحد أو يعاملك باحتقار أو ازدراء فيوجه لك ألفاظا بذيئة، ولا تحب من غيرك أن يخونك، ولا أن يكذب عليك، ولا أن يفضحك إن أسأت؛ بل الذي تحبه م نغيرك أن يعاملك بالصدق والأمانة والنصيحة، فعامله أنت بذلك كذلك، فتواضع له وعامله باحترام، وأسمعه الكلام الطيب والألفاظ الجميلة.

فهذا ما يرشد إليه الإمام تلميذه أن يتحلى بالأخلاق السامية الفاضلة، وأفهمنا الإمام أن تعامل الإنسان مع غيره وفق هذه القاعدة يعني أنهم لن يجدوا منه إلا الأخلاق الرفيعة ولن يشاهدوا منه إلا الأخلاق الراقية ولن يسمعوا منه إلا الألفاظ الكريمة لسبب هين وهو أن هذه الأمور هي التي يريد أن يعاملوه بها، وهي التي يريد أن يراها ويسمعها منهم فيجد نفسه مندفعا إلى التزامها والعمل بها.

فإذا كنت تريد من الناس معاملة طيبة وأخلاقا فاضلة وسلوكا حسنا فابدأ بنفسك أولا، وأقنعها بأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك بها.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1482)، حديث (1844).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (13).