الشرح: يتابع الإمام حثه على النظر في أمر الإخوان وحضه على مساعدة المسلمين، وتشجيعه على القيام بأمور المؤمنين، والسعي لقضاء حوائج الأصدقاء والأصحاب.
ولا يخفى لمن تأمل وصايا الإمام أنه قد أفاض واستفاض في الكلام على ذلك لما فيه من الأهمية، فهذا مما يندرج تحت علاقة العالم بغيره.
وهنا يبين الإمام أن من طلب منك القيام بأمر قمت له وساعدته، وليكن السلف الصالح قدوة لك في هذا. ونحن في هذا المقام نسرد نزرا قليلا من عجائب صنائع السلف:
فقد كان بعض السلف إذا كانت الليلة مطيرة أخذ شعلة من النار فطاف بها على عجائز الحي فقال: أتريدون نارا؟ فإذا أصبح طاف على عجائز الحي فقال: ألكم في السوق حاجة؟ أتريدون شيئا([1])؟
وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة([2]).
وقال الزبير بن بكار: كان للعباس ثوب لعاري بني هاشم، وجفنة لجائعهم، ومنظرة لجاهلهم. ويبذل المال، ويعطي في النوائب([3]).
وكان حسان بن أبي سنان يقول: لولا المساكين ما اتجرت([4]).
وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما الذي لقب بالسجاد لكثرة سجوده وصلاته وعبادته، وبزين العابدين، ينفق على مائة بيت من بيوت الفقراء في المدينة المنورة، ويحمل لهم الطعام وما يحتاجونه على ظهره مقنعا في الليل لئلا يعرف. ولما مات ووضع على المغتسل ظهرت خطوط في ظهره من كثرة ما يحمل من الأمتعة والأطعمة التي يوصلها إلى بيوت الفقراء بنفسه من غير أن يستعين بأقربائه أو بالأرقاء والعبيد. ولما مات انقطعت هذه المساعدة عن أهل تلك البيوت فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بها. وقال شعبة بن النعمان: كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة([5]).
وكان عبد الله بن فرج الواسطي قد شغل نفسه بالسعي في مصالح المسلمين والمشي في قضاء حوائجهم، وكان أكثر همه تجهيز الموتى على الطرق.
ويروى عن ابن شبرمة أنه قضى حاجة كبيرة لبعض إخوانه، فجاء يكافئه بهدية، فقال: ما هذا؟ قال: لما أسديته إلي، قال: خذ مالك، عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فعدة من الموتى.
ويروى عن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضي الله عنهم قال: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال: إذا كانت لك حاجة إلي فأرسل إلي رسولا أو اكتب لي كتابا، فإني لأستحي من الله أن يراك ببابي.
وذكر ابن أبي الدنيا أن أبا قحافة قال لابنه أبي بكر الصديق رضي الله عنه: يا بني، أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك، قال: يا أبت إنما أريد ما أريد، قيل: فنزلت فيه الآية: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى *فسنيسره لليسرى} [الليل: 5 – 7].
وروى ابن أبي الدنيا أنه كان لعبد الله بن جعفر على رجل من أهل المدينة خمسون ألفا، فاستعان عليه بعبيد الله بن عباس في ذلك، فقال: قد حططت عنه شطرها وأخرته بالشطر الآخر إلى ميسرة، قال: فجزاه عبيد الله خيرا، وانصرف فأتبعه ابن جعفر رسولا أني قد طيبت له النصف الآخر، أي: حططته عنه.
قال عبدان بن عثمان الأزدي: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنت له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان.
فلنذق من كأسهم، ولنشرب من منهلهم، ولنرتو من معين أخلاقهم الكريمة، فقد قال ﷺ: «خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته»([6]).
وقد قال حكيم([7]) من الحكماء: «اعلموا أن العاقل يعترف بذنبه ويخشى ذنب غيره، ويجود بما لديه، ويزهد فيما عند غيره. والكريم يعطي قبل السؤال، فكيف يبخل بعد السؤال، ويعذر قبر الاعتذار، فكيف يحقد بعد الاعتذار».
وقال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: «ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء رضي الله عنهما، وجودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمته، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد».
وقد ورد أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه باع أرضا بسبعمائة ألف درهم، فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقا مخافة ذلك المال ثم أصبح يفرقه.
وأرسل معاوية إلى عائشة رضي الله عنها مرة بمائة ألف، فما أمست من ذلك اليوم حتى فرقتها ثم قالت: يا جارية، هاتي فطري فجيء بخبز وزيت.
ويروى أن الإمام الشافعي رضي الله عنه لما قدم مكة من صنعاء كان معه عشرة ءالاف دينار، فقالوا: يشتري بها ضيعة. فضرب خيمته خارج مكة، وصب الدنانير، فكان كل من دخل عليه يعطيه قبضة، فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب، ولم يبق معه شيء.
وجاء رجل لمعن بن زائدة فاستحمله بعيرا، فقال: يا غلام، أعطه بعيرا وبغلا وبرذونا وعبدا وجارية، ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتك.
وكان يقال: حدث عن البحر ولا حرج، وحدث عن معن ولا حرج.
وكان عبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، فاشترى يوما جارية نفيسة بمال عظيم، فطلب دابة تحمل عليها، فجاء رجل على دابة فنزل عنها، فحملها فقال له عبيد الله: اذهب بها إلى منزلك.
وخرج عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى حيطان([8]) المدينة، فبينما هو كذلك إذا نظر إلى أسود على بعض الحيطان وهو يأكل وبين يديه كلب وعبد الله بن جعفر واقف على دابته ينظر إليه فلما فرغ دنا منه فقال له: يا غلام لمن أنت؟ فقال: لورثته عثمان بن عفان، فقال: لقد رأيت منك عجبا، فقال له: وما الذي رأيت من العجب يا مولاي؟ قال: رأيتك تأكل فكلما أكلت لقمة رميت للكلب مثلها، فقال له: يا مولاي هو رفيقي منذ سنين، والله إني لأستحي من الله أن ءاكل وعين تنظر إلي لا تأكل. ثم مضى عنه حتى أتى ورثة عثمان بن عفان فنزل عندهم فقال: جئت في حاجة، فقالوا: وما حاجتك؟ قال: تبيعوني الحائط الفلاني، فقالوا له: قد وهبناه لك، فقال: لست ءاخذه إلا بضعف، فباعوه، فقال لهم: وتبيعوني الغلام الأسود؟ فقالوا له: إن الأسود ربيناه وهو كأحدنا، فلم يزل بهم حتى باعوه وانصرف عنهم. فلما أصبح غدا على الغلام وهو في الحائط فخرج إليه، فقال له: أشعرت أني قد اشتريتك واشتريت الحائط من مواليك، فقال له: بارك الله لك فيما اشتريت ولقد غمني مفارقتي لموالي، إنهم ربوني، فقال له: أنت حر والحائط لك، فقال: إن كنت صادقا يا مولاي فاشهد أني قد أوقفته على ورثة عثمان بن عفان، قال: فتعجب عبد الله بن جعفر منه وقال: ما رأيت كاليوم، فقال: بارك الله فيه، ودعا له ومضى([9]).
([1]) صفة الصفوة، ابن الجوزي، (2/56).
([2]) سير أعلام النبلاء، الذهبي، (7/211).
([3]) سير أعلام النبلاء، الذهبي، (2/80).
([4]) سير أعلام النبلاء، الذهبي، (2/201).
([5]) حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني، (3/136).