الشرح: خطاب لمسلمي الأمة، يا أيها المسلمون، إن الله تبارك وتعالى أمر الناس بفعل الخير ونفع الناس والسعي لمساعدة الآخرين، وإيصال الخير للناس من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل.
فالإنسان قد يحتاج في هذه الحياة لمد يد العون له لا سيما برفع المشقة ودفع الحرج وتفريج الكربة عنه فيما يواجه من نكبات أو ضيق أو حرج أو كربة أو وقوع كارثة أو تقلب حال، وهذا من شيم الكمل من الرجال.
وهذا سيد الرجال اشتهر بهذه الخصلة حتى قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: «إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله ما يخزيك الله أبدا».
إن إيصال الخير للغير وإعانة المحتاج من نعم الله العظيمة التي أنعم بها على عباده العقلاء.
ونحن اليوم نشهد في مجتمعاتنا كوارث وحروبا ونكبات تحولت بسببها مجتمعات من ءامنة إلى خائفة، ومن غنية إلى فقير، ومن مستقرة إل مضطربة، فهل من معين؟
أخي القارئ، لقد أثنى الله عز وجل على الساعين لفعل الخيرات ومد يد العون للناس لا سيما في الضائقات، قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [الأنبياء: 73]، وأمر سبحانه بذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77].
بل أمر الله بالمسارعة والمسابقة في الصالحات فقال عز من قائل: {فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة: 48].
ويقول الله مبينا صفات الكمل من المؤمنين أن من صفاتهم إطعام الطعام حتى للكافر، قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا *إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 9]، والأسير هنا هو الكافر.
هذا دأب الصالحين المصلحين وأصحاب القلوب الرحيمة من المسلمين، تجدهم دائما يسعون لنفع الناس وبذل الخير ما استطاعوا لذلك سبيلا، يقول الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114].
ولقد حث نبينا ﷺ على فعل الخير وإغاثة الملهوف وإعانة المكروب وقضاء الحوائج والسعي في تخفيف المعاناة في أحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم([1]) عن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة»، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق»، قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف»، قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يأمر بالمعروف أو الخير»، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يمسك عن الشر، فإنها صدقة».
وفي الحديث الشريف([2]): «الساعي على الأرملة والـمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار»، أي: له أجر عظيم وكبير عند الله تعالى، فشبه الرسول أجره بأجر المجاهد في سبيل الله والقائم الصائم.
أيها المسلمون، إن سورة الكهف التي نحثكم على قراءتها كل جمعة منها من العظات والعبر ما يرشدنا إلى رفع المعاناة عن المستضعفين، فهذا الخضر عليه السلام أقام جدارا كاد أن ينقض وكان تحته كنز لأيتام، وهذا ذو القرنين بنى سدا منيعا على يأجوج ومأجوج فأراح المسلمين من شر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضا الخضر عليه السلام يزيل قطعة خشب من السفينة إنقاذا لهم من ملك ظالم، وهذا موسى عليه الصلاة والسلام يأتي إلى مدين، قال تعالى: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} [القصص: 23].
ويقول الله تعالى مخاطبا من أنعم عليهم بنعمة الـملك: {اعملوا ءال داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13].
وفي السنة المطهرة أحاديث كثيرة تحث على ذلك، قال ﷺ: «كل سلامى([3]) من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس»، قال: «تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة»، قال: «والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة»([4]).
ووعد الله تبارك وتعالى أهل الإيمان المتطوعين بالأعمال الحسنة والبر والمسارعين في الخير وإغاثة المحتاجين بجنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} [ءال عمران: 133].
فيا له من فوز وظفر ونعمة وفضل وكرم وإحسان، وكل ميسر لما خلق له، والموفق من وفقه الله.
([1]) صحيح مسلم، مسلم، (2/699)، حديث (1008).
([2]) صحيح البخاري، البخاري، (7/62)، حديث (5353).
الشرح: يشير الإمام رضي الله عنه بهذه النفائس إلى ما وضع لنا الإسلام من مجموعة من القواعد والمبادئ التي تنظم علاقة المسلمين مع بعضهم وتحكم تعاملهم فيما بينهم حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى تسود المودة والوئام والتفاهم فيما بينهم ويبتعدوا عن الخصام والشجار والقطيعة.
ومن هذه القواعد قاعدة إسلامية عظيمة وأصيلة تقوم على مبدأ: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، ومصدر هذه القاعدة مأخوذة من حديث للنبي ﷺ يقول فيه: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»([1]).
وهذه القاعدة لها صلة وثيقة بقاعدة أخرى تقوم على مبدأ: «أحب لأخيك المسلم ما تبه لنفسك»، وقد أكد النبي ﷺ على هذا المبدأ وجعله شرطا في كمال الإيمان حين قال: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([2]).
وهذه القاعدة عبارة عن ميزان يرجع إليه الإنسان كلما اشتبه عليه الأمر عليه واحتار في تصرف أو شك في سلوك، فبالرجوع إلى هذه القاعدة وتطبيقها وتحكيمها يسهل الأمر عليه في كيفية التعاطي مع الناس.
عزيزي القارئ، إذا أردت الجواب الشافي عما قد يدور في ذهنك من أسئلة عن سلوك معين أو تصرف محدد: هل هو سلوك جيد أم رديء؟ سل نفسك سؤالا، ما الذي أريد من الناس في مثل هذه الحالة؟ وما الذي أنتظره ممن أعامل؟ وعلى ضوء الإجابة تكون الصورة واضحة أمامك، وتبني ذلك على ما ورد في الشرع.
وسنعرض فيما يلي بعض الأمثلة من التصرفات والأخلاق التي نعايشها في حياتنا اليومية ونشاهدها في تعاملنا مع من حولنا مع ربطها بهذه القاعدة:
فهذا ما يرشد إليه الإمام تلميذه أن يتحلى بالأخلاق السامية الفاضلة، وأفهمنا الإمام أن تعامل الإنسان مع غيره وفق هذه القاعدة يعني أنهم لن يجدوا منه إلا الأخلاق الرفيعة ولن يشاهدوا منه إلا الأخلاق الراقية ولن يسمعوا منه إلا الألفاظ الكريمة لسبب هين وهو أن هذه الأمور هي التي يريد أن يعاملوه بها، وهي التي يريد أن يراها ويسمعها منهم فيجد نفسه مندفعا إلى التزامها والعمل بها.
فإذا كنت تريد من الناس معاملة طيبة وأخلاقا فاضلة وسلوكا حسنا فابدأ بنفسك أولا، وأقنعها بأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك بها.