الشرح: إن النصرة في الدين من كمال الإيمان بالله العظيم، وقد قال ربنا: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]، وقال النبي ﷺ: «الـمسلم أخو الـمسلم»([1]).
وأخوة الدين يشترك فيها الصغير والكبير والذكر والأنثى والعربي والأعجمي، إنهم إخوة في الإسلام.
وقوله ﷺ: «أخو الـمسلم» فسره بحديثه الآخر: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة»([2])، وهذه صفة المؤمن الكامل، ومعنى الحديث أن المسلم الكامل لا يسلم أخاه في مصيبة نزلت به ولا يتركه ولا يتخلى عنه، ولا يتركه لمن يؤذيه بل يحول بينه وبين ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»([3])، أي: إن كان مظلوما فخذ بحقه، وإن كان ظالما فاردعه عن ظلمه.
ثم إن النصرة معناها الإعانة، وتكون بأمور، ومن ذلك المال، فقد جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي ﷺ بألف دينار فجعلها بين يدي النبي ﷺ، وحفر للمؤمنين بئر رومة، ولذلك قال النبي ﷺ: «من يحفر بئر رومة فله الجنة»([4])، فحفرها عثمان رضي الله عنه، وجهز جيش العسرة، والنبي ﷺ لما رأى رجلا ليس له راحلة وهو ينظر يمينا وشمالا، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له»([5]).
ومن النصرة ما يكون بالدعاء، والدعاء من المسلم للمسلم هو من الموالاة، والله سبحانه وتعالى أخبر أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والنبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة لم يترك إخوانه المستضعفين بمكة من الدعاء، وكان يدعو لهم واحدا واحدا، كان يدعو لهم بأسمائهم ويقول: «اللهم أنج الـمستضعفين من الـمؤمنين»([6]).
والنبي عليه الصلاة والسلام قد علمنا أن الضعفاء من المسلمين يستنصر بدعائهم، قال عليه الصلاة والسلام: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»([7]).
ومن النصرة أن لا تكون عونا لظالم على أخيك المسلم، والله تعالى قال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [هود: 113]، وقد بكى بعض السلف لما سمعها وقال: «إذا قال ربنا: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} فكيف بالظالـم نفسه».
أما النصرة بالنفس فإن النبي ﷺ قام إلى بني قينقاع اليهود مع أصحابه فقاتلهم لكفرهم ولأنهم ءاذوا مسلمة، ومشهور في السيرة أنهم عقدوا طرف ثوبها إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا. وهكذا لما قامت امرأة من المسلمين تستغيث تقول وهي هاشمية وقد ءاذاها النصارى: «وا معتصماه»، فماذا فعل ملك الروم؟ قال: دعي المعتصم يأتي على فرس أبلق لينصرك، فقام المعتصم لما سمع بذلك مستنصرا ءامرا عساكر المسلمين ألا يخرجوا إلا على خيول بلق، وذهب في أربعين ألفا يفتح البلدان إلى عمورية، فحاصرها وضربها بالمنجنيق، واستمر الحصار خمسة وخمسين يوما حتى استسلموا وسلموا المدينة للمسلمين، فطلب المعتصم إحضار المرأة فأحضرت في قيودها، فلما وقعت عينه عليها قام وقال: «لبيك، قد أجبت دعوتك في أربعين ألف أبلق».
قال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولـئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72].
أخي القارئ، {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]، وكان كذلك النبي ﷺ وأصحابه يسعون في إغاثة إخوانهم ويمدونهم بالطعام والشراب واللباس والمال.
وهذه النصرة من المسلم لأخيه المسلم، فقد كان الصحابة يقومون بها أفرادا وجماعات، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71].
اللهم إنا نسألك أن تحيي قلوبنا بالإيمان الكامل وأن ترزقنا حبك وحب من يحبك، اللهم فرج هموم المسلمين ونفس كروب المستضعفين منهم وارحمهم يا رب العالمين.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/128)، حديث (2442).
([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1996)، حديث (2580).
([3]) صحيح البخاري، البخاري، (3/128)، حديث (2443).
([4]) صحيح البخاري، البخاري، (5/13).
([5]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1354)، حديث (1728).