الشرح: ليعلم أن مواساة المصابين والتخفيف عن المنكوبين من صنائع المعروف التي يحبها الله تعالى، فإن الإنسان إذا سمع عن أخيه أنه أصيب بمصيبة في نفسه أو أهله أو ولده فليتقرب منه وليذكره بحسن الثواب وحسن العاقبة عند الله والمآب، لعل ذلك يكون سببا في صبره وسلوانه وعظم أجره عند ربه، فتثبيت القلوب عند الكربات والمصائب من صنائع المعروف.
فالمسلم يحتاج من أخيه إذا نزلت به ضائقة أن يواسيه ويسليه، ويحتاج من أخيه إذا نزل به هم وغم أن يثبته فإن بعض القلوب إذا نزلت بها المصائب تزلزلت إلا أن يثبتها الله عز وجل، فإذا جاء العبد وذكر أخاه بما عند الله تعالى من الأجر والثواب كان ذلك من عظيم المعروف.
ولقد كان نبينا الكريم ﷺ قدوة في ذلك، ولا عجب فهو الذي وصفه ربه تعالى فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128]، وقال في حقه: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159]، وقال عز من قائل: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33].
لذا فقد حرص النبي ﷺ على أن يمد يد الرأفة والعطف ليمسح عن المحزون دمعته ويخفف بها لوعة الشاكي، فعلمنا ﷺ الصبر على الشدائد وحبب إلينا ثواب الصابرين تصديقا لقول الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون} [البقرة: 155، 156].
بل علمنا رسول الله ﷺ مواسيا بأن الابتلاءات والأمراض كفارات للمسلم وسبب لتخفيف العذاب عن العبد المسلم يوم القيامة، فعن أنس ابن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة»([1]).
وعن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال رسول الله ﷺ: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم، أو أمر يشغلهم»([2]).
وكما كان النبي ﷺ يواسي من أصيب بفقد عزيز عليه فإنه أيضا كان يواسي من أصيب بالمرض فيدعو له ويخفف عنه، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا عاد مريضا يقول: «أذهب الباس، رب الناس، اشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما»([3]).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها([4]).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ، قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه»، قال: فبات الناس يدوكون([5]) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب»، فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: «فأرسلوا إليه فأتوني به». فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم»([6]).
فترى النبي ﷺ واسى عليا بطرق شتى منها السؤال عنه والدعاء له وتبريكه ببصاقة الشريف.
وعن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: «إن شئت أخرت ذلك، وهو خير، وإن شئت دعوت»، قال أبو موسى قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي لي، اللهم شفعه في»([7]). وفي هذا الحديث فوائد:
ولا ننسى مواساة النبي ﷺ للمهموم الحزين، فعن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد، فإذا ه وبرجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟»، قال: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله، قال: «أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب [الله] عز وجل همك، وقضى عنك دينك؟»، قال: قلت: بلى، يا رسول الله، قال: «قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، وقهر الرجال»، قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي، وقضى عني ديني([9]).
وعن أبي هريرة قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اهد أم أبي هريرة»، فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله ﷺ، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف([10])، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها([11])، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة([12]).
وكان ﷺ أيضا يواسي من ابتلي بالظلم والتعذيب والأذى كما فعل مع خباب وءال ياسر وغيرهما، فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء([13]) إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»([14]).
وعن ابن إسحاق قال: حدثني رجال من ءال عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة على الإسلام، وهي تأبى حتى قتلوها، وكان النبي ﷺ يمر بعمار وأمه وأبيه، وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: «صبرا يا ءال ياسر فإن موعدكم الجنة»([15]).
فهذه الأمثلة التي ذكرت عن مواساة المصابين عند خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام هي غيض من فيض، وقطرة من غيث وما علينا إلا أن نقتدي بالنبي ﷺ في هذا الخلق والأدب الرفيع. جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/601)، حديث (2396).
([2]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/514)، حديث (1610).
([3]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1722)، حديث (2191).
([4]) صحيح البخاري، البخاري، (7/116)، حديث (5652).
([5]) أي: يخوضون ويتحدثون في ذلك.
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (5/18)، حديث (3701).
([7]) صحيح ابن خزيمة، ابن خزيمة، (2/225)، حديث (1219).
([8]) المعجم الصغير، الطبراني، (1/306)، حديث (508).
([9]) سنن أبي داود، أبو داود، (2/93)، حديث (1555).
([11]) لا يجوز أن يؤخر الإنسان الذي يريد الدخول في الإسلام نفسه ولا غيره عن الشهادتين بغسل أو غيره؛ بل يبادر فورا إلى ترك الكفر واعتقاد الإسلام والنطق بالشهادتين. وهي لعلها كانت نطقت بالشهادتين قبل أن تغتسل ثم اغتسلت وأسمعته الشهادتين إعلاما له وإعلانا لإسلامها.
([12]) صحيح مسلم، (4/1938)، حديث (2491).
([13]) يحتمل أن يريد صنعاء اليمن، وبينها وبين حضرموت – من اليمن أيضا – مسافة بعيدة نحو خمسة أيام. ويحتمل أن يريد صنعاء الشام، والمسافة بينهما أبعد بكثير. والأول أقرب. فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، (6/619).