الشرح: ليعلم أن السعي في قضاء حوائج الناس من الأخلاق الإسلامية العالية الرفيعة التي ندب إليها الإسلام وحث المسلمين عليها، وجعلها من باب التعاون على البر والتقوى الذي أمرنا الله تعالى به، فقال في محكم تنزيله: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [المائدة: 2].
وإن قضاء الحوائج واصطناع المعروف باب واسع، فليعن الواحد أخاه على البر، وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة من حقوق الله وحقوق الآدميين. فهذا يشمل النفع بالعلم والنفع بالرأي السديد والنفع بالنصيحة والنفع بالمشورة وبقضاء الدين.
ومن نعم الله تعالى على العبد أن يجعله مفتاحا للخير والإحسان، فعن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: «عند الله خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله مفتاحا للخير، ومغلاقا للشر، وويل لمن جعله مفتاحا للشر، مغلاقا للخير»([1]).
وكذا من نعم الله تعالى على العبد أن يسخره لقضاء حوائج الناس، قال أبو العتاهية:
اقض الحوائج ما استطعت | وكن لهم أخيك فارج |
وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: «من نعم الله عليك حاجة الناس إليك».
ونقتصر على هذا الكلام في هذا المقام، إذ خصوص هذا يندرج تحت عموم فضل إغاثة وإعانة ومساعدة المسلمين، وقد أفضنا الكلام على ذلك.
وعلى قاعدة «الشيء بالشيء يذكر» نحب أن ننبه لأمرين:
أما الأول: فهو أن الإمام أبا حنيفة لم يرد بقضاء الحق عن الميت الصلاة، ولا يفهم هذا م كلامه، وهاكم أيها الأحبة بيان هذه المسالة بإيضاح مع أدلتها وبراهينها:
لقد فرض الله تعالى على كل مسلم مكلف خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]، وقال تعالى: {وأقيموا الصلاة} أي: حافظوا عليها، والأخبار النبوية في ذلك كثيرة. فمن ترك الصلوات الخمس كلها أو بعضها استحق العذاب يوم القيامة، ومن مات وعليه صلاة كأن تركها في الدنيا تهاونا وكسلا لا تبرأ ذمته ولا تسقط عنه ولا تصلى عنه ولا يدفع عن تلك الصلوات مال، ويدل على ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»([2]). قال ابن حبان في صحيحه([3]) بعد أن روى هذا الحديث ما نصه: «دليل على أن الصلاة لو أداها عنه غيره لم تجز عنه، إذ المصطفى ﷺ قال: «لا كفارة لها إلا ذلك»، يريد إلا أن يصليها إذا ذكرها». وفيه دليل على أن الميت إذا مات ولم يقدر على أداء الصلوات المفروضات في علته أو تركها في حياته عمدا لم يجز أن يعطي الفقراء عن تكل الصلوات الحنطة ولا غيرها من سائر الأطعمة والأموال على هيئة ما يسمى كفارة صلاة أو إسقاط صلاة.
قال الشيخ زكريا الأنصاري في «أسنى المطالب»([4]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض ولم يفد عنه لعدم ورودهما بل نقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يصلى عنه».
وقال الشيخ منصور البهوتي في «كشاف القناع»([5]) ممزوجا بالشرح ما نصه: «وأما صلاة الفرض فلا تفعل عنه ذكر القاض عياض إجماعا أنه لا يصلى عنه فائتة».
وأما ما في مسلم([6]): «إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك» مما قد يوهم أن في النص حثا للمرء على الصلاة عن أبويه وهو خلاف الإجماع، فليس محمولا على ظاهره، وليس المراد الصلاة بالمعنى الشرعي؛ بل المعنى الصلاة بمعنى الدعاء، أي: أن من البر الدعاء لأبويك في صلاتك.
وما روي عن ابن عمر وفي بعض الروايات عن ابن عباس مما قد يحتج الخصم على القول بأنه رضي الله عنه أمر من مات أمها وعليها صلاة أن تصلي عنها، فالجواب عن هذا أنه صح خلاف ذلك عنه رضي الله عنه حيث روى النسائي عن ابن عباس في سننه([7]): «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد»، أي: لا يصلي عن أحد حيا كان أو ميتا.
وقد قال شارح البخاري بدر الدين محمود بن أحمد العيني في كتابه «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»([8]) في شرحه لهذا الأثر: «وعند الحنفية: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم عنه، ونقل ابن بطال إجماع الفقهاء على أنه: لا يصلي أحد عن أحد فرضا ولا سنة لا عن حي ولا عن ميت».
فالخلاصة:
إن الصلاة لا تصح عن أحد | ما عالم خالف هذا أو جحد |
وأما الثاني: فهو أمر قضاء الصلاة المتروكة عمدا: فإن مما ابتليت به هذه الأمة أناسا ادعوا أن الصلاة المتروكة عمدا لا يجب قضاؤها، وممن قال بهذا ابن تيمية فزاد ضلالا على ضلالاته.
فنقول وبالله التوفيق: قضاء الصلاة الفائتة واجب باتفاق الأئمة الأربعة؛ بل حكى ابن قدامة الحنبلي في «المغني» وغيره الإجماع على ذلك.
وأما حديث([9]): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» الذي استدل المخاصم – كوهابية زماننا الذين شذوا عن الإجماع – بظاهره قائلين أن نص الحديث في النائم والناسي لا في المعتمد، ليس حجة لهم، فوالله كأن الخصم لم يفقه كلام العرب وما درى حقيقة معاني كلام النبي ﷺ، وكأنه ما شم من علم الأصول شيئا، فقد قال العلماء: «إذا كان النائم والناسي المرفوع عنهما القلم مأمورين بالقضاء بالإجماع، فكيف بالذي تركها متهورا أو متكاسلا»، فكأن المخاصم ما سمع بالقياس وأنواعه، ومن أراد مزيد فائدة فليطالع كتب أصول الفقه ففيها شفاء من العي([10]).
([1]) المعجم الكبير، الطبراني، (6/150)، حديث (5812).
([2]) صحيح البخاري، البخاري، (1/122)، حديث (597).
([3]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (6/374).
([4]) أسنى المطالب، زكريا الأنصاري، (1/428).
([5]) كشاف القناع، البهوتي، (2/336).
([6]) صحيح مسلم، مسلم، (1/16).
([7]) سنن النسائي، النسائي، (3/257)، حديث (2930).
([8]) عمدة القاري، العيني، (23/210).
الشرح: يشير الإمام رضي الله عنه بهذه النفائس إلى ما وضع لنا الإسلام من مجموعة من القواعد والمبادئ التي تنظم علاقة المسلمين مع بعضهم وتحكم تعاملهم فيما بينهم حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى تسود المودة والوئام والتفاهم فيما بينهم ويبتعدوا عن الخصام والشجار والقطيعة.
ومن هذه القواعد قاعدة إسلامية عظيمة وأصيلة تقوم على مبدأ: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، ومصدر هذه القاعدة مأخوذة من حديث للنبي ﷺ يقول فيه: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»([1]).
وهذه القاعدة لها صلة وثيقة بقاعدة أخرى تقوم على مبدأ: «أحب لأخيك المسلم ما تبه لنفسك»، وقد أكد النبي ﷺ على هذا المبدأ وجعله شرطا في كمال الإيمان حين قال: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([2]).
وهذه القاعدة عبارة عن ميزان يرجع إليه الإنسان كلما اشتبه عليه الأمر عليه واحتار في تصرف أو شك في سلوك، فبالرجوع إلى هذه القاعدة وتطبيقها وتحكيمها يسهل الأمر عليه في كيفية التعاطي مع الناس.
عزيزي القارئ، إذا أردت الجواب الشافي عما قد يدور في ذهنك من أسئلة عن سلوك معين أو تصرف محدد: هل هو سلوك جيد أم رديء؟ سل نفسك سؤالا، ما الذي أريد من الناس في مثل هذه الحالة؟ وما الذي أنتظره ممن أعامل؟ وعلى ضوء الإجابة تكون الصورة واضحة أمامك، وتبني ذلك على ما ورد في الشرع.
وسنعرض فيما يلي بعض الأمثلة من التصرفات والأخلاق التي نعايشها في حياتنا اليومية ونشاهدها في تعاملنا مع من حولنا مع ربطها بهذه القاعدة:
فهذا ما يرشد إليه الإمام تلميذه أن يتحلى بالأخلاق السامية الفاضلة، وأفهمنا الإمام أن تعامل الإنسان مع غيره وفق هذه القاعدة يعني أنهم لن يجدوا منه إلا الأخلاق الرفيعة ولن يشاهدوا منه إلا الأخلاق الراقية ولن يسمعوا منه إلا الألفاظ الكريمة لسبب هين وهو أن هذه الأمور هي التي يريد أن يعاملوه بها، وهي التي يريد أن يراها ويسمعها منهم فيجد نفسه مندفعا إلى التزامها والعمل بها.
فإذا كنت تريد من الناس معاملة طيبة وأخلاقا فاضلة وسلوكا حسنا فابدأ بنفسك أولا، وأقنعها بأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك بها.