الشرح: ليعلم أن عيادة المريض وزيارته من الآداب الرفيعة التي حث الإسلام المسلمين عليها وجعلها من أولى حقوق المسلم على أخيه المسلم؛ بل ومن سبل التآلف بين القلوب الذي امتن الله تعالى علينا به في كتابه الكريم حيث قال: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [ءال عمران: 103].
وهذه العيادة تذكر المريض بأقوى رابط بين المسلمين وهو الأخوة في الإسلام، فيكون ذلك سببا في تخفيف ءالامه وأحزانه. لذا كان من أدب السلف إذا فقدوا أحدا من إخوانهم سألوا عنه، فإن كان غائبا دعوا له وخلفوه خيرا في أهله، وإن كان حاضرا زاروه، ومن كان مريضا عادوه، يقول الأعمش رحمه الله: «كنا نقعد في المجلس فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه فإن كان مريضا عدناه».
وقد ورد في الأثر عن سيد البشر ﷺ أنه قال: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه»([1]).
ولأهمية هذا الخلق الطيب الذي هو من قبيل التواصل ونشر الألفة والمحبة جعل لزيارة المريض فضل وثواب كبير كما جعلت له ءاداب جميل الالتزام بها.
أولا: فضل وثواب عيادة المريض:
ثانيا: ءاداب عيادة المريض:
وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله ﷺ أعوده وبه من الوجع ما يعلم الله شدة، ثم دخلت عليه من العشي وقد برئ أحسن برء فقلت له: دخلت عليك غدوة ولك من الوجع ما يعلم الله شدة، ودخلت عليك العشية وقد برئت فقال: «يا ابن الصامت إن جبريل رقاني برقية برئت ألا أعلمكها؟»، قلت: بلى، قال: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حسد كل حاسد وعين، باسم الله يشفيك»([9]).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد مسلم يعود مريضا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي»([10]).
ومما يهدى إلى المريض تذكيره بوصية النبي ﷺ في الاستشفاء، فقد جاء عثمان بن أبي العاص إلى النبي ﷺ يشكو وجعا في جسده فقال له: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»([11]).
وفي الأحاديث المتقدمة بيان لجواز الرقية الصحيحة الموافقة للشرع وقد فعلها النبي ﷺ وفعلت له وأمر بفعلها، وحاشاه أن يأمر بشرك أو حرام، وبهذا يفسر ما ورد في بعض الأحاديث من ترك الرقية إذ هو محمول على الرقى المخالفة للشرع مما فيه استنجاد بالشياطين وغير ذلك، وإلا لزم التناقض في كلامه ﷺ وهو مستحيل عليه ﷺ.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها»([12]).
يا صاحب الهم إن الهم منقطع | أبشر بذلك فإن الكافي الله |
أدب العيادة أن تكون مسلما | وتقوم في إثر السلام مودعا |
بل قد نصح النبي ﷺ وعلم ووعظ في شأن الزيارة عموما أبا ذر فقال: «يا أبا ذر غبا تزدد حبا»، رواه الطبراني([13]).
ولقد لخص الحافظ ابن حجر ءاداب عيادة المريض فقال([16]): «في العيادة أن لا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه».
وجملة ءاداب العيادة عشرة أشياء، ومنها ما لا يختص بالعيادة:
وأخيرا نقول للعائد: اجعل زيارتك خالصة لوجه الله، فإن الله لا يقبل من العلم إلا ما كان خالصا له، وإن لم تستطع الزيارة والعيادة أنب عنك ووكل من يزور ويتفقد حال المريض، وتعاهده واطمئن عليه برسلك.
ومما ينبغي تذكير المريض به المحافظة على الصلوات في مرضه، وأن لا يترك الصلاة مهما اشتد به الألم، فإن رسول الله ﷺ كان في مرضه الذي توفي فيه يغمى عليه من شدة الألم فإذا أفاق قال: «أحانت الصلاة؟» فيقولونك نعم، فيقول: «إلي بالوضوء»([18])، فيتوضأ ويصلي، فإذا سلم من صلاته أغمي عليه.
فإذا كان هذا حال رسول الله ﷺ، فكيف يتجرأ بعض المرضى أن يتركوا الصلاة في مدة مرضهم؟ والله تعالى حكيم لطيف بهم، وهو سبحانه الذي قال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [ءال عمران: 191]، فقد رخص سبحانه للمريض الذي لا يستطيع القيام أن يصلي جالسا مستقبلا القبلة أو مستلقيا أو مضطجعا على حسب ما يستطيع، وليس له ذلك إلا إن عجز عما يلزمه الإتيان به كالقيام مثلا، فلا يصح أن يصلي جالسا مع القدرة على القيام لحديث عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»([19]).
ولقد رأينا وعلمنا من كثير من المرضى في أيامنا هذه أنهم يهملون الصلاة والعياذ بالله، فإن من ترك صلاة واحدة مفروضة بلا عذر يكون فاسقا خبيثا ملعونا ظالما مجرما حل عليه سخط الله وغضبه، ويكون من عظم ذنبه قريبا من الكفر ويخشى عليه من سوء الخاتمة، وديننا ولله الحمد يسر سهل، فالمريض الذي لا يستطيع أن يصلي كل صلاة في وقتها لشدة الألم والمرض يجوز له الجمع من غير قصر لأنه مقيم، فيجمع الظهر مع العصر تقديما أو تأخيرا على حسب استطاعته ويصليهما من غير قصر، فهو مرخص له بالجمع وبالجلوس إن عجز عن القيام. فكيف يتجرأ البعض على التهاون في أمر الصلاة، نعوذ بالله من سوء الحال وسوء المنقلب.
([1]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1705)، حديث (2162).
([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1990)، حديث (2569).
([3]) شرح صحيح مسلم، النووي، (16/126).
([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (3/291)، حديث (969).
([5]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (20/179)، حديث (12782).
([6]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/3659، حديث (2008).
([7]) الأدب المفرد، البخاري، (ص385)، حديث (1129).
([8]) صحيح البخاري، البخاري، (7/121)، حديث (5675).
([9]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (37/420)، حديث (22759).
([10]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/410)، حديث (2083).
([11]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1728)، حديث (2202).
([12]) صحيح البخاري، البخاري، (7/114)، حديث (5640).
([13]) وهو ضعيف عند بعض الحفاظ لم يصح عندهم رفعه إلى النبي ﷺ.
([14]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/462)، حديث (1438).
([15]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/463)، حديث (1441).
([16]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (10/126).
([17]) أي: هذا الجزع الذي يؤدي إلى ارتكاب فعل أو قول محرم.