الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ومن مرض من إخوانك فعده بنفسك، وتعاهده برسلك».

الشرح: ليعلم أن عيادة المريض وزيارته من الآداب الرفيعة التي حث الإسلام المسلمين عليها وجعلها من أولى حقوق المسلم على أخيه المسلم؛ بل ومن سبل التآلف بين القلوب الذي امتن الله تعالى علينا به في كتابه الكريم حيث قال: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [ءال عمران: 103].

وهذه العيادة تذكر المريض بأقوى رابط بين المسلمين وهو الأخوة في الإسلام، فيكون ذلك سببا في تخفيف ءالامه وأحزانه. لذا كان من أدب السلف إذا فقدوا أحدا من إخوانهم سألوا عنه، فإن كان غائبا دعوا له وخلفوه خيرا في أهله، وإن كان حاضرا زاروه، ومن كان مريضا عادوه، يقول الأعمش رحمه الله: «كنا نقعد في المجلس فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه فإن كان مريضا عدناه».

وقد ورد في الأثر عن سيد البشر ﷺ أنه قال: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه»([1]).

ولأهمية هذا الخلق الطيب الذي هو من قبيل التواصل ونشر الألفة والمحبة جعل لزيارة المريض فضل وثواب كبير كما جعلت له ءاداب جميل الالتزام بها.

أولا: فضل وثواب عيادة المريض:

  • ثواب الملك الغفار: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن ءادم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟» الحديث([2]). وقد مر الكلام على الحديث سابقا، وذكر باختصار تنزه الله عز وجل عن الصحة والمرض، إذ هما صفات الخلق. قال النووي([3]): «قال العلماء: «إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد العبد تشريفا للعبد وتقريبا له، قالوا: ومعنى «وجدتني عنده»، أي: وجدت ثوابي وكرامتي»، وانظر في معنى هذا الحديث وما فيه من فائدة إثبات التأويل فيما سبق.
  • صلاة الملائكة عليه: فمن فضائل وثمار عيادة المريض أن الملائكة تصلي على العائد وتستغفر له، فعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة»([4])، أي: بستان.
  • نزول الرحمة: فعن مروان بن أبي داود قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: يا أبا حمزة إن المكان بعيد ونحن يعجبنا أن عودك. فرفع رأسه فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل يعود مريضا، فإنما يخوض في الرحمة، فإذا قعد عند المريض غمرته الرحمة»، قال: قلت يا رسول الله هذا للصحيح الذي يعود المريض، فالمريض ما له؟ قال: «تحط عنه ذنوبه»([5]).
  • السعادة والنعيم: فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا»([6]).

ثانيا: ءاداب عيادة المريض:

  • اختيار الوقت المناسب: بحيث لا تسبب للمريض وأهله حرجا، فقد يكون المريض نائما بل توسط وتمهل ولا تهمل.
  • سؤال المريض عن حاله: فمن زار مريضا بدأه بالسؤال عن حاله من غير إثقال عليه، فعن محمود بن لبيد قال: لما أصيب سعد يوم الخندق فثقل، حولوه عند امرأة فكانت تداوي الجرحى فكان النبي ﷺ إذا مر به يقول: «كيف أمسيت؟»، وإذا أصبح يقول له: «كيف أصبحت؟» فيخبره. أخرجه البخاري في الأدب المفرد([7]).
  • رقية المريض والدعاء له: من السنة إذا عدت مريضا أن تدعو له بالشفاء وأن ترقيه، فعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل على مريض قال: «أذهب الباس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما»([8]).

وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله ﷺ أعوده وبه من الوجع ما يعلم الله شدة، ثم دخلت عليه من العشي وقد برئ أحسن برء فقلت له: دخلت عليك غدوة ولك من الوجع ما يعلم الله شدة، ودخلت عليك العشية وقد برئت فقال: «يا ابن الصامت إن جبريل رقاني برقية برئت ألا أعلمكها؟»، قلت: بلى، قال: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حسد كل حاسد وعين، باسم الله يشفيك»([9]).

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد مسلم يعود مريضا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي»([10]).

ومما يهدى إلى المريض تذكيره بوصية النبي ﷺ في الاستشفاء، فقد جاء عثمان بن أبي العاص إلى النبي ﷺ يشكو وجعا في جسده فقال له: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»([11]).

وفي الأحاديث المتقدمة بيان لجواز الرقية الصحيحة الموافقة للشرع وقد فعلها النبي ﷺ وفعلت له وأمر بفعلها، وحاشاه أن يأمر بشرك أو حرام، وبهذا يفسر ما ورد في بعض الأحاديث من ترك الرقية إذ هو محمول على الرقى المخالفة للشرع مما فيه استنجاد بالشياطين وغير ذلك، وإلا لزم التناقض في كلامه ﷺ وهو مستحيل عليه ﷺ.

  • تذكير المريض بالصبر على المرض: ينبغي لمن زار مريضا أن يذكره بالصبر على مرضه وجزاء الصابرين الذي وصفه ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم فقال: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون *أولـئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولـئك هم المهتدون} [البقرة: 155 – 157].

وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها»([12]).

يا صاحب الهم إن الهم منقطع
إذا بليت فثق بالله وارض به

 

أبشر بذلك فإن الكافي الله
إن الذي يكشف البلوى هو الله

  • عدم إطالة الزيارة: أخي العائد لا تطل جلوسك عند المريض، قال الشاعر:

أدب العيادة أن تكون مسلما

 

وتقوم في إثر السلام مودعا

 بل قد نصح النبي ﷺ وعلم ووعظ في شأن الزيارة عموما أبا ذر فقال: «يا أبا ذر غبا تزدد حبا»، رواه الطبراني([13]).

  • تقليل السؤال: فبعض الناس يكثر من سؤال المريض عن حاله، وهذا مما يرهق المريض. يروى أنه دخل رجل على عمر بن عبد العزيز يعوده في مرضه فسأله عن علته فأخبره، فقال الزائر: عن هذه العلة ما شفي منها فلان ومات منها فلان، فقال عمر: إذا عدت مريضا فلا تنع إليه الموتى، إذا خرجت عنا فلا تعد إلينا.
  • يفسح له في الأمل: مما يذكر في هذا الباب التخفيف عن المريض وذلك بذكر الشفاء والمعافاة بإذن الله، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخلتم على المريض، فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب بنفس المريض»([14]).
  • طلب الدعاء من المريض: فإذا دخلت على مريض فسله الدعاء، قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} الآية [النمل: 62]. وعن عمر بن الخطاب قال: قال لي النبي ﷺ: «إذا دخلت على مريض، فمره أن يدعو لك»([15]).

ولقد لخص الحافظ ابن حجر ءاداب عيادة المريض فقال([16]): «في العيادة أن لا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه».

وجملة ءاداب العيادة عشرة أشياء، ومنها ما لا يختص بالعيادة:

  • أن لا يقابل الباب عند الاستئذان، وأن يدق الباب برفق، وأن لا يبهم نفسه كأن يقول: «أنا».
  • وأن لا يحضر في وقت غير لائق بالعيادة كوقت شرب المريض الدواء.
  • وأن يخفف الجلوس.
  • وأن يغض البصر.
  • وأن يقلل السؤال.
  • وأن يظهر الرقة.
  • وأن يخلص الدعاء.
  • وأن يوسع للمريض في الأمل.
  • وأن يشير عليه بالصبر لما فيه من جزيل الأجر.
  • وأن يحذره من الجزع لما فيه من الوزر([17]).

وأخيرا نقول للعائد: اجعل زيارتك خالصة لوجه الله، فإن الله لا يقبل من العلم إلا ما كان خالصا له، وإن لم تستطع الزيارة والعيادة أنب عنك ووكل من يزور ويتفقد حال المريض، وتعاهده واطمئن عليه برسلك.

ومما ينبغي تذكير المريض به المحافظة على الصلوات في مرضه، وأن لا يترك الصلاة مهما اشتد به الألم، فإن رسول الله ﷺ كان في مرضه الذي توفي فيه يغمى عليه من شدة الألم فإذا أفاق قال: «أحانت الصلاة؟» فيقولونك نعم، فيقول: «إلي بالوضوء»([18])، فيتوضأ ويصلي، فإذا سلم من صلاته أغمي عليه.

فإذا كان هذا حال رسول الله ﷺ، فكيف يتجرأ بعض المرضى أن يتركوا الصلاة في مدة مرضهم؟ والله تعالى حكيم لطيف بهم، وهو سبحانه الذي قال: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [ءال عمران: 191]، فقد رخص سبحانه للمريض الذي لا يستطيع القيام أن يصلي جالسا مستقبلا القبلة أو مستلقيا أو مضطجعا على حسب ما يستطيع، وليس له ذلك إلا إن عجز عما يلزمه الإتيان به كالقيام مثلا، فلا يصح أن يصلي جالسا مع القدرة على القيام لحديث عمران بن الحصين أن رسول الله ﷺ قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب»([19]).

ولقد رأينا وعلمنا من كثير من المرضى في أيامنا هذه أنهم يهملون الصلاة والعياذ بالله، فإن من ترك صلاة واحدة مفروضة بلا عذر يكون فاسقا خبيثا ملعونا ظالما مجرما حل عليه سخط الله وغضبه، ويكون من عظم ذنبه قريبا من الكفر ويخشى عليه من سوء الخاتمة، وديننا ولله الحمد يسر سهل، فالمريض الذي لا يستطيع أن يصلي كل صلاة في وقتها لشدة الألم والمرض يجوز له الجمع من غير قصر لأنه مقيم، فيجمع الظهر مع العصر تقديما أو تأخيرا على حسب استطاعته ويصليهما من غير قصر، فهو مرخص له بالجمع وبالجلوس إن عجز عن القيام. فكيف يتجرأ البعض على التهاون في أمر الصلاة، نعوذ بالله من سوء الحال وسوء المنقلب.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1705)، حديث (2162).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1990)، حديث (2569).

([3]) شرح صحيح مسلم، النووي، (16/126).

([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (3/291)، حديث (969).

([5]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (20/179)، حديث (12782).

([6]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/3659، حديث (2008).

([7]) الأدب المفرد، البخاري، (ص385)، حديث (1129).

([8]) صحيح البخاري، البخاري، (7/121)، حديث (5675).

([9]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (37/420)، حديث (22759).

([10]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/410)، حديث (2083).

([11]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1728)، حديث (2202).

([12]) صحيح البخاري، البخاري، (7/114)، حديث (5640).

([13]) وهو ضعيف عند بعض الحفاظ لم يصح عندهم رفعه إلى النبي ﷺ.

([14]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/462)، حديث (1438).

([15]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/463)، حديث (1441).

([16]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (10/126).

([17]) أي: هذا الجزع الذي يؤدي إلى ارتكاب فعل أو قول محرم.

([18]) بفتح الواو وهو ماء الوضوء.

([19]) صحيح البخاري، البخاري، (1/48)، حديث (1117).