الجمعة فبراير 20, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تقولن من الكلام ما ينكر عليك في ظاهره».

الشرح: نصيحة تنبئ عن فهم عميق ودراسة كبيرة من إمام جليل قد خبر الناس والتعامل معهم، ودرى مفاتيح الدخول إلى قلوبهم ووعى كلام الأكابر في هذا المقام.

فليعلم أن الدعوة إلى الله من قوامها الحكمة والموعظة الحسنة، ومن الحكمة معرفة ما يلقى على من يلقي، والداعية الحكيم لا يقول كل ما يعرف لكل من يعرف، وهو يتعامل مع العقول بحسب مقدرتها لا بحسب مقدرته، ولا يحملها فوق طاقتها.

وقد فهم ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى: {ولـكن كونوا ربانيين} [ءال عمران: 79]، فقال: كونوا حلماء فقهاء. وقال البخاري: «ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره»([1]).

والبدء بصغار العلم مرجعه مراعاة العقول لئلا ينفر البعض. قال الحافظ ابن حجر([2]): «والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله وبكباره ما دق منها».

وقد بوب البخاري لذلك في صحيحه([3]) فقال في كتاب العلم: «باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه». وكذا في موضع ءاخر([4]) فقال: «باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا».

وقال علي رضي الله عنه([5]): «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله».

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري([6]): «ويستفاد من بعض الأحاديث ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة».

وقال أيضا([7]): «المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود: ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم. وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات([8])، وأبو يوسف في الغرائب».

وأخرج مسلم عن ابن مسعود أنه قال: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»([9]).

وأخرج البخاري([10]) عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، قال: «يا معاذ بن جبل»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار»، قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتكلوا».

فليس كل الناس تحمل عقولهم القدرة على الفهم الصحيح والاستيعاب وتقدير المراد من الخطاب؛ بل قد يقعد بعضهم عن العمل بفهم خاطئ لمعنى كلام رسول الله ﷺ.

وللفقيه الغزالي كلام نفيس في بعض كتبه([11])، جوهره وفحواه مراعاة الناس وفهمهم لئلا ينفضوا من حولك أيها الداعي، فقد قال رحمه الله: «كل لكل عبد معيار عقله، وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار». وقال شيخنا الحافظ الهرري في تفسير قوله تعالى: {ولـكن كونوا ربانيين} [ءال عمران: 79]: «هم الذين يبدؤون طلبة العلم بصغار المتون قبل كبارها»، وهذه عادة الفقهاء والعلماء الذين يتدرجون بالطلبة على قدر استيعابهم وتحملهم وفهمهم.

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (1/24).

([2]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/162).

([3]) صحيح البخاري، البخاري، (1/37).

([4]) صحيح البخاري، البخاري، (1/37).

([5]) صحيح البخاري، البخاري، (1/37)، حديث (127).

([6]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/37).

([7]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/225).

([8]) هذا ليس معناه في القدر الذي يجب على كل مكلف من علم العقيدة والتوحيد والتنزيه والأحكام، وإنما فيما زاد عن ذلك بحيث إن السامع قد يتشوش فينزلق إلى المهالك أو ينفتن. وقد قال رسول الله عيسى عليه الصلاة والسلام: «واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر والذهب».

([9]) صحيح مسلم، مسلم، (1/11).

([10]) صحيح البخاري، البخاري، (1/37)، حديث (128).

([11]) إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/57).