الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تل تأديبهم بنفسك، فإنه أبقى لمائك، وأهيب لك».

الشرح: تحمل هذه الوصية ضمن طياتها كلاما جليلا عن الهيبة والوقار، إذ في هذه الوصية العظيمة لتلميذه لم يقتصر الإمام فقط على الفتاوى بل فيها ما فيها من تذهيب النفس وتهذيب الغير. ولما كان لذلك ءاداب بينها الإمام جملة وهذه منها.

ليعلم أن هناك وسائل تحمل على التحلي بالهيبة والوقار، منها:

  • السكينة: فإنها تثمر الخشوع وتجلب الطمأنينة وتلبس صاحبها ثوب الوقار.
  • اتباع ءاثار الأنبياء والصالحين الذين تحلوا بالوقار: فعن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال([1]): «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة»، أي: هذه من الصفات والخصال الحسنة التي يتصف بها النبي، وليس المعنى أنه يكون مكتسبا لبعض أجزاء النبوة، فالنبوة اصطفاء من الله وليست مكتسبة بالعبادات والطاعات.
  • الخشوع في الطاعات والإكثار من الصالحات.
  • طلب العلم: يروى عن الحسن أنه قال: «قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده».
  • البعد عن الغضب: فالغضب لا في محله ينافي الوقار والهيبة، فقد ذكر الطبري في تاريخه([2]) عن طاهر بن حسين أنه أوصى ابنه عبد الله فقال: واملك نفسك عن الغضب وأكثر الوقار والحلم وإياك والحدة والطيش والغرور.
  • التزام الصمت وقلة الكلام إلا فيما يعني: فكل ذلك من سمات الوقار وعلاماته، فالصمت في محله زين الحلم يلزمك السلامة ويصحبك الكرامة ويلبسك ثوب الوقار.
  • الحياء الممدوح: قال القرطبي: «إن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار بأن يوقر غيره ويتوقر هو في نفسه».
  • الحلم: فإن من نسب إلى الحلم ألبس ثوب الوقار والهيبة وأبهة الجلالة.
  • الصدق: فإن من عرف بالصدق صار الناس له أتباعا، فصدق اللهجة عنوان الوقار.
  • تعظيم الحرمات.

وبالنسبة للمفتي والعالم المربي ينصح الإمام أبو حنيفة أن لا يباشر المربي دائما في كل الأحوال وفي جميع الأوقات وعند كل الزلات والأخطاء التربية بنفسه بل قد يترك في المريدين رقيبا فهما يخاف الله، داريا وعارفا ينوب عنه، وليس المراد أن لا يباشر تأديبهم ألبتة، كيف هذا والمريد يتعلم من حال الشيخ ومن فعله ومن مقاله.

بل يكون كما قال الشاعر:

ليس الغبي بسيد في قومه

 

 

 

لكن سيد قومه الـمتغابي([3])

 

   

فحيث يحصل التأديب بغيره لا يتولاه بنفسه، وحيث لا تتحقق المصلحة ولا تحصل الفائدة المرجوة إلا بأن يصرح هو أو يتكلم أو يؤنب أو يصرخ بقدر الحاجة أو يعرض عن الذي يريد أن يؤدبه فإنه يفعل ذلك بنفسه، وهذا له تأثير بالغ في نفوس الطلاب ومن يريد تأديبهم، لأنه إن حصل ممن هو كبير في نظرهم أو قدوة أو أستاذ أو مرب أو أب فإنهم يحفظون ذلك ولا ينسونه بسرعة، وربما انتفعوا بذلك إلى ءاخر عمرهم.

وكما قال الشاعر:

اصبر على مر الجفا من علم

 

فإن رسوخ العلم في نبراته

 وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية أنه ﷺ كان يكتفي بالتلميح أو بالإشارة لمن يريد نصحهم، أو يرسل لمن يريد نصحه من يكلمه، وحيث يتعين التصريح فإنه كان يصرح بنفسه.

([1]) سنن أبي داود، أبو داود (4/247)، حديث (4776).

([2]) تاريخ الرسل والملوك، الطبري، (8/585).

([3]) هنا المراد به الذي يتظاهر وكأنه لم يطلع على زلاتهم ليشجعهم على صلاح أحوالهم حيث نصحوا من طريق غيره.