الأربعاء يناير 28, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تضجر لمن لا يضجر عليك».

الشرح: قد سبق قول الإمام رضي الله عنه: «ولا تبد لأحد منهم ضيق صدر أو ضجرا»، ثم جاءت هذه الوصية هنا تأكيدا وتثبيتا وترسيخا لمعنى حسن الخلق في نفس يوسف بن خالد السمتي تلميذ الإمام، كيف لا وعدم إبداء الضجر والـملال من الناس هو مظهر عظيم من مظاهر النفس المهذبة، وهي رياضة لها.

وكما فهم مما مر الحث من الإمام على ترك التضايق من الناس وترك إظهار الملل منهم، وأن يخفي الإنسان الضجر وإن حصل وشعر به، نتكلم إن شاء الله تعالى في هذه الوصية على ما هو أعم وأشدن وهو كيف نتعامل مع أذى الآخرين.

مما لا بد منه في هذه الحياة في الغالب حصول الأذى للمرء من غيره، ووقوع الظلم عليه من الآخرين وتعديهم عليه في نفسه أو ماله أو عرضهن وهو الأمر الذي لا يسلم منه أحد في الغالب مهما بلغ من قوة في دينه أو أعطي من رجاحة العقل أو حسن الخلق، غير أن تحمل الناس لهذا الأمر واختلاف ردود أفعالهم تجاهه هو الذي يحدد من كان منهم ذا حظ عظيم ممن هو دون ذلك، ألا وإن من أعظم الناس في هذا الشأن حظا وأعلاهم قدرا وأكثرهم أجرا هم الموفقون الذين يدفعون السيئ بالحسن ويردون الظلم بالعفو ويقابلون الخطأ بالصفح ولا يبدون أي ضجر أو ضيق جاعلين نبراسهم في ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم *وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 34، 35].

إن المؤمن الذي وفقه الله وأعظم حظه وأعلى نصيبه ليجعل من هذه الآيات نورا يسير عليه في حياه وقاعدة ينطلق منها في تعامله مع المسيئين إليه، فيتحمل الأذى ويصبر على الخطأ، ويتجاوز عن كل تجاوز في حقه، ويقصر نظره على كل تقصير تجاهه من غير إبداء أي ملل أو ضجر أو ضيق أو تعنيف على المخطئ متدرعا بالصبر متجرعا للغيظ مستعينا بالله تعالى، مستعيذا من الشيطان، إذ إن الله تبارك وتعالى يسمع ويعلم ويرى، وهو خالق أفعال العباد خيرها وشرها، وما يكون من تسلط أحد على أحد فإنما هو بقضائه وقدره سبحانه، ولو شاء سبحانه ألا يقع أمر لما وقع، ولولا تقديره عز وجل أن يؤذي العبد من ءاذاه لما حصل له ذلك الأذى، وإنه متى نظر العبد بهذا المنظار ولم يلق بالا لأفعال أولئك المخطئين استراح من الهم والغم، وحمد الله على الضراء كما يحمده على السراء، وأورثه ذلك لذة يجدها في قلبه وراحة تملأ نفسه.

وأمر ءاخر يقع في نفس المؤمن بعد كل أذى يحصل له أو ظلم يقع عليه ألا وهو يقينه أنه لم يسلط عليه من سلط أحيانا إلا بذنب منه وتقصير، وإذا رأيت المرء يقع في الناس إذا ءاذوه ولا يفكر ولو قليلا أن إيذاءهم قد يكون بسبب منه فيلوم نفسه على خطئها ويحاول تطهيرها بالتوبة وكثرة الاستغفار، فاعلم أن مصيبته كبيرة، إذ اجتمع عليه مع أذى الناس له غفلته عن نفسه. وأما إذا أكثر الاستغفار واتهم نفسه فإنه يصقل بهذا نفسه ويطهرها ويرجع إلى ربه وينيب إليه.

وقد يقول قائل: إن هذا الأمر ليس على إطلاقه وعمومه، وليس كل من حصل له من الناس أذى فهو بسبب تقصيره أو بما اكتسب من الذنوب، كيف وقد حصل الأذى لخير الخلق من الأنبياء والرسل وخير الورى وأفضلهم محمد بن عبد الله ﷺ، فقد أوذي في الله ولم يؤذ غيره، وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فيقال: نعم، إنه حين لا يكون أذى الناس لعبد ماحيا لذنوبه طارحا لسيئاته، فإنه في المقابل رافع لدرجاته زائد في حسناته.

وقد وعد الله من عفا وصبر أن يكون أجره على الله، قال سبحانه: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 40].

فمن عفا وأصلح فقد سلك سبيل العزة، قال ﷺ: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»([1]). رواه مسلم وغيره، وقال: «ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا»([2]).

فمن كانت هذه صفته فإن له شيئا عظيما ونظرا أدق وتفكيرا أعمق من غيره، وإنه يفرغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام سواء في ذلك مصالحه الدنيوية من طلب معاش وتربية أبناء ورعاية حرث وزرع وتنمية تجارة أو مصالحه الأخروية وهي الأهم من تزكية للنفس بالطاعات وطلب للمنازل العالية.

لقد أضاع الانتقام على كثير من الناس أوقاتهم وأذهب أعمارهم وفوت عليهم مصالحهم، ومما قد يكون فيه ضياع للدين وذهاب للعقل وفساد للصحة وخسارة للراحة.

فرحم الله أمرأ جعل طلب الأجر بين عينيه والتمس عظم الثواب ورفيع الدرجة عند ربه وايقن بقرب الموت وسرعة انقضاء العمر.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2001)، حديث (2588).

([2]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/562)، حديث (2325). نعم ثمة أناس لا شك أنهم يبتلون بأنواع البلايا في أجسادهم، ويسلط السفهاء عليهم من غير أن يسبق لهم ذنب، وهذا حال الأنبياء والأولياء والأخيار من عباد الله، وهو رفعة لهم في مقاماتهم ودرجاتهم لا لأنهم أذنبوا، ولا لأن الله ينتقم منهم؛ بل لأن الله يحب لهم المقام الأرفع والأعلى.