الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تتهاون بالسلطان».

الشرح: إن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه صاحب ذهن متقد، ورؤية حكيمة فبعد أن دله على كيفية التعامل مع العلماء والعامة والفجار انتقل إلى نصيحة ذات أهمية كبيرة محورها التعامل مع السلطان، وهو أمر يحتاج إلى عناية شديدة.

فالبداية مع ما رواه مسلم في الصحيح([1]) عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

وقد قال بعض الشراح في قول النبي ﷺ: «ولأئمة المسلمين وعامتهم»: «هم الخلفاء ونوابهم بطاعتهم فيما يوافق الحق كالصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم إن طلبوها أو كانوا عادلين، وترك الخروج عليهم وإن جاروا، والدعاء بالصلاح لهم، ومعاونتهم على ترك الظلم، وتنبيههم وتذكيرهم بالله وأحكامه وحكمه ومواعظه لكن برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين وتأليف قلوب الناس لطاعتهم وعدم إغرائهم بالثناء الكاذب عليهم».

وعن عياض بن غنم الأشري قال: قال رسول الله ﷺ([2]): «من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية، وليأخذ بيده، وليخل به، فإن قبلها قبلها، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له».

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه([3]).

قال النووي رحمه الله موضحا قصد أسامة رضي الله عنه قوله: «أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من افتتحه» ما نصه([4]): «يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان رضي الله عنه، وفيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم، ووعظهم سرا».

وقال القاض عياض في «الإكمال»([5]) ما نصه: «يعني في المجاهرة بالنكير والقيام بذلك على الأمراء، وما يخشى من سوء عقباه»، ثم قال: «وفيه التلطف مع الأمراء، وعرض ما ينكر عليهم سرا».

فيختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد وذلك عند التماس أثر القبول منه والمصلحة في ذلك ولم تدع الحاجة إلى الجهر.

ويناسب هنا ذكر مسألة الخروج على الإمام ومبايعته، فنقول وبالله العصمة: يحرم الخروج على الخليفة ومن يقوم مقامه، فقتاله حرام وإن كان جائرا لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، ولأننا تحت طاعته في أمره ونهيه ما لم يخالف حكم الشرع. أما لو طرأ على ولي الأمر كفر فإنه يخرج عن حكم الولاية وتسقط طاعته ويجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك([6]).

تنبيه: الطاعة التي أمر الله بها المؤمنين لأولي الأمر هي الطاعة في طاعة الله ليس في معصية الله. فقد روى مسلم في صحيحه([7])

أن عبد الرحمٰن ابن عبد الكعبة قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29]. فسكت عبد الله بن عمرو ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله.

تحذير مهم: إن مما ابتليت به الأمة المحمدية على رسولها أفضل الصلاة والسلام جماعة سموا أنفسهم حزب التحرير([8])، فمن جملة تحريفاتهم أنهم يقولون: إن الذي يكون في زمن ليس فيه خليفة كهذا الزمن إذا مات تكون ميتته ميتة جاهلية، مع إيهامهم أن ذلك لمن لم يتكلم معهم في أمر الخليفة كما هم يتكلمون بألسنتهم.

يقال لهم: إن هذا الحديث الذي تحتجون به – وهو حديث مسلم([9]) والذي فيه: «من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية» – قد حرفتموه، حيث إنكم تذكرون للناس الجملة الأخيرة منه فقط وتكررونها، ومعنى الحديث ليس كما يزعمون، وإنما معناه أن الذي يتمرد على الخليفة ويتركه بالخروج عن طاعته ويستر على ذلك إلى الممات تكون ميتته ميتة جاهلية، وليس معناه أنه يموت على الكفر بل هذا تشبيه بميتة عباد الأوثان، فلعظم ذنبه شبه بميتة أولئك.

ويدل على ذلك حديث البخاري([10]) عن ابن عباس عن النبي ﷺ: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، إلا مات ميتة جاهلية».

فلتنظر التحريرية إلى قوله ﷺ: «فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات»، فإنه صريح في أن الذي يموت ميتة جاهلية هو الذي يأتيه الموت وهو متمرد على السلطان. ويدل عليه أيضا حديث([11]) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية»، وخير ما يفسر به الحديث الحديث، فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تعني أن الذي يموت متمردا على طاعة الخليفة مع قيام الخليفة هو الذي يموت ميتة جاهلية، وليس الذي يموت ميتة جاهلية المسلم الذي يموت في زمن ليس فيه جماعة ولا إمام للمسلمين كما زعمت جماعة حز التحرير بدليل حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه البخاري([12]) ومسلم([13]) أن حذيفة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».

ثم إن محاولتكم أيها التحريرية تطبيق حديث ابن عمر على المسلمين في هذا الوقت محاولة صعبة، فاتقوا الله، فما ذنب المسلمين في هذا الزمن الذي لا يستطيعون فيه أن ينصبوا خليفة والله تعالى يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]. فكلامكم هذا مؤداه أن الأمة الإسلامية اليوم ءاثمون ويستثنى منهم جماعتكم فقط والعياذ بالله تعالى.

ولهذه الفرقة ضلالات أخرى منها أنهم يزعمون أنه يجوز عزل خليفة المسلمين بالفسق، حيث قالوا: إن مجلس الشورى له حق أن يعزل الخليفة بسبب أو بدون سبب([14]).

الرد: هذا الكلام مخالف لأحاديث تؤكد أمر الخليفة، فهو يخالف الحديث المار: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه»، الحديث، والحديث المار: «وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا».

قال النووي في شرح الحديث([15]): «ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم. وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين([16]) وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق».

وهؤلاء التحريرية جعلوا الخليفة ملعبة كالكرة بين أيدي اللاعبين، فالخليفة لا يقلع بالمعصية لكن لا يطاع فيها، وإن كان يأمر بالخير والشر مهما فسق لا يرفع عليه سلاح لأن الفتنة التي تتسبب عن خلعه أعظم من المعصية.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (1/74)، حديث (95).

([2]) المستدرك، الحاكم، (3/329)، حديث (5269).

([3]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2290)، حديث (2989).

([4]) شرح صحيح مسلم، النووي، (18/118).

([5]) إكمال المعلم، القاضي عياض، (8/538).

([6]) شرح صحيح مسلم، النووي، (12/229).

([7]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1472)، حديث (1844).

([8]) أسسه تقي الدين النبهاني، ادعى الاجتهاد وخاض في الدين بجهل فخرق الإجماع في مسائل في أصول الدين وفروعه. يدعي أن أفعال الإنسان الاختيارية لا دخل لقضاء الله بها، ويوجب على المسلمين مع عجزهم إقامة خليفة وغير ذلك من الضلالات.

([9]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1478)، حديث (1851).

([10]) صحيح البخاري، البخاري، (9/47)، حديث (7054).

([11]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1476)، حديث (1848).

([12]) صحيح البخاري، البخاري، (9/51)، حديث (7084).

([13]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1475)، حديث (1847).

([14]) دستور حزب التحرير، (ص66).

([15]) شرح صحيح مسلم، النووي، (12/229).

([16]) وهذا الموافق لظاهر النصوص الواردة في هذه القضية، وأما من خالف في ذلك كبعض الحنفية أو بعض الشافعية فقال: «إنه قول الجمهور» فهذا على حسب رأيهم، ولم يفهموا أنه معارض للنصوص الواردة في هذه القضية. والمسالة فيها تفصيل واسع يطلب من مصادره.