الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تحقرن أحدا يقصدك».

الشرح: الكلام في هذه النصيحة من جانبين:

  • إغاثة الملهوف، وقد أشار إليها الإمام رضي الله عنه بقوله: «يقصدك».
  • عدم التكبر على عباد الله المعبر عنها في كلام الإمام رضي الله عنه بقوله: «لا تحقرن أحدا».

أما الأولى فسنتكلم عليها ههنا باختصار لنبسط الأمر إن شاء الله فيما بعد عند قول الإمام رضي الله عنه: «وأكرم من أتاك».

يقول النبي ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال([1]) إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا»([2]).

إن إغاثة الملهوف ومساعدة المكروب وإعانة أهل الحاجات عمل إسلامي رفيع وخلق نبوي قديم تقتضيه الأخوة الصادقة وتدفع إليه المروءة ومكارم الأخلاق. فهذا الملهوف لم قصدك وطرق بابك دون غيرك؟ أليس لأنه يرجو الخير منك ويحسن ظنه بك فتجيبه، فينبغي أن لا تخيبه ولا ترده صفر اليدين، فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، ولو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت([3]).

وقد كانت حياة نبينا محمد ﷺ خير مثال يحتذى به في كل شيء ولا سيما إغاثة الملهوف وتقديم العون لكل من يحتاج إليه.

فما أغلاها من فرصة وما أعلاها من درجة وما أسعد من اصطفاه الله لمنفعة الناس ببشارة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام حيث قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»([4]). وفي الحديث دليل على جواز الاستعانة بغير الله.

وما أهنأهم من بين أهل المواقف وما أربح سعيهم في ذلك اليوم، قال رسول الله ﷺ: «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله([5]) فلييسر على معسر أو ليضع عنه»([6]).

وأما النصيحة الثانية فنقول:

من معاصي القلب – التي هي من الكبائر – التكبر على عباد الله، وهو رد الحق على قائله مع العلم بأن الصواب مع القائل لنحو كون القائل صغير السن فيستعظم أن يرجع إلى الحق من أجل أن قائله صغير السن، أو لأنه من الخاملين – أي: غير المشهورين – والمردود عليه من المشهورين البارزين ونحو ذلك.

واستحقار الناس أي الازدراء بهم كان يتكبر على الفقير وينظر إليه نظر احتقار، أو يعرض عنه، أو يترفع عليه في الخطاب. وقد نهى الله عباده عن التكبر، قال الله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس} [لقمان: 18]، أي: ولا تعرض عنهم متكبرا، والمعنى أقبل على الناس بوجهك متواضعا ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعله المتكبرون. {ولا تمش في الأرض مرحا} [لقمان: 18] أي: ولا تمش لأجل المرح والأشر، أي: لا تمش مشية الكبر والفخر.

وروى مسلم([7]) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وإن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد».

وكان من دعاء رسول الله ﷺ: «اللهم أحيني مسكينا([8]) وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة الـمساكين يوم القيامة»([9]).

وروى مسلم([10]) أن رسول الله ﷺ قال: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».

وقال بعض الأكابر: «كن أرضا تكن لله أرضى».

وقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري في «الأدب المفرد»([11]) بأن المتكبرين يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر أي النمل الأحمر الصغير، يطؤهم الناس بأقدامهم.

وقال سيدنا علي رضي الله عنه: «ما لابن ءادم والفخر أوله نطفة وءاخره جيفة». والجيفة هي الجسم الذي لا روح فيه.

إن التواضع من خصال الـمتقي

 

 
 

وبه التقي إلى الـمعالي يرتقي

 

   

وقد روى الحافظ ابن حجر في الأمالي بإسناد حسن أن رسول الله ﷺ قال([12]): «إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع». ومعنى الحديث أن التواضع من أعظم العبادات عند الله، فالتواضع مطلوب مع الكبار والصغار والأغنياء والفقراء لوجه الله، وهو يدعو للتآلف.

وأما التكبر فهو مذموم في وجه المؤمن وغير المؤمن لأن الأنبياء لما دعوا الكفار إلى الدين ما كانوا متكبرين عليهم، لأنهم لو كانوا متكبرين في وجوه الكفار لنفروا منهم، فطوبى لمن اعتبر.

([1]) أي: من أحبها إلى الله عز وجل.

([2]) المعجم الصغير، الطبراني، (2/106)، حديث (861).

([3]) مختصر تاريخ دمشق، ابن منظور، (12/327).

([4]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2074)، حديث (2699).

([5]) أي: ظل عرشه، وليس معناه أن الله له ظل، تعالى الله عن ذلك.

([6]) المعجم الكبير، الطبراني، (1/304)، حديث (899).

([7]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2198)، حديث (2865).

([8]) أي: متواضعا.

([9]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/577)، حديث (2352).

([10]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2001)، حديث (2588).

([11]) الأدب المفرد، البخاري، (ص196)، حديث (557).

([12]) الأمالي، ابن حجر العسقلاني، (ص96).