الشرح: ذكره رضي الله عنه بوصية عظيمة في تعامله مع غيره ينبغي التخلق بها لا سيما فيمن هو بصفة العالم ومن هو محل اقتداء. ومفاد هذه النصيحة الرحمة والرفق بالغير والتلطف والتودد إليهما سيما إن كان ذلك الغير حديث السن أو صغيرا، فهذا من خلق وهدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولقد ضرب لنا سيد الخلق محمد ﷺ خير أمثلة في ذلك كيف لا وقد وصفه ربه بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4]. فكان الاقتداء به والتأسي بأخلاقه الكريمة المباركة شرفا يفتخر به الإنسان.
فقد كان النبي ﷺ شديد الاهتمام بالأطفال ولذلك فقد دعاء إلى تأديبهم وغرس الأخلاق الكريمة في نفوسهم وحث على رحمتهم والشفقة عليهم فقال ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»([1])، أي: ليس على هدينا الكامل.
وكان يوصيهم بالخير ويعلمهم التوحيد والدين فلم يكن رفقه وشفقته العظيمة عليهم بمانعة له من نصحهم وإرشادهم وإصلاحهم، فقد أوصى ابن عباس رضي الله عنهما كما أخرجه الترمذي.
وإليك أيها القارئ نماذج جلية ومواقف شريفة وأساليب حكيمة من تعامل النبي ﷺ مع الأطفال، وكيف كان تواضعه وحبه لهم ورحمته بهم وشفقته عليهم.
فمن تلك النماذج الـمشرقة ما يلي:
كان ﷺ يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم([2]) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»([3]): «ومن فوائد هذا الحديث الرفق بالأطفال والصبر على ما يحدث منهم وعدم مؤاخذتهم لعدم تكليفهم».
لقد كان ﷺ على عظيم قدره وعلو منزلته يبدأ الأطفال بالسلام حبا ورفقا بهم وتلطفا معهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أتى رسول الله ﷺ على غلمان يلعبون فسلم عليهم([4])، وكان أنس يفعله ويقول: النبي كان يفعله.
فن مصعب بن عبد الله قال: عبد الله بن ثعلبة ولد قبل الهجرة بأربع سنين وحمل إلى رسول الله ﷺ فمسح وجهه وبرك عليه عام الفتح([5]).
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح برؤوسهم ويدعو لهم([6]).
وقف بين يديه ذات مرة محمود بن الربيع وهو ابن خمس سنين فمج ﷺ في وجهه مجة من ماء من دلو يمازحه بها([7]) فبعدما وضع الماء في فمه الزكي الطيب الطاهر صار مباركا من فم وريق النبي مجه في وجه محمود على هيئة الملاطفة والمداعبة من غير أدنى إذاء فملأ له قلبه بالفرح والسرور بذلك مع حصول البركة. وفعله ﷺ هذا مع محمود إما مداعبة منه أو ليبارك عليه بها. قال ابن حجر([8]): «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم»، وفي ذلك أجر وثواب لأنه بنية إدخال السرور إلى قلوبهم.
عن أنس قال: «ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ»([9]).
وعن عبد الله بن مسعود قال: كان النبي ﷺ يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما صلى وضعهما في حجره ثم قال: «من أحبني فليحب هذين»([10]).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منه أحدا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم»([11]).
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح([12]): «وفي جواب النبي ﷺ للأقرع إشارة إلى أن تقبيل الولد وغيره من الأهل المحارم وغيرهم من الأجانب إنما يكون للشفقة والرحمة».
عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة – بنت زينب بنت رسول الله ﷺ وأبي العاص ابن ربيعة بن عبد شمس – فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها([13]).
عن كثير بن عباس قال: «كان النبي ﷺ يجمعنا أنا وعبد الله وعبيد الله وقثما فيفرج يديه هكذا فيمد باعه ويقول: «من سبق إلي فله كذا وكذا»([14]).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النغير»([15]). والنغير طير كان يلعب به ثم مات.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجها منها:
وقد قال ﷺ: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا»([17]) على أن ذلك لم يكن عادة له بل في بعض الأحوال بما فيه فائدة ومصلحة أو تخفيف عن مسلم أو لإدخال السرور إلى قلبه وهو في اقل الحالات.
وفي الختام نتلو عليكم قول الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، وقوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [ءال عمران: 159]، فما أعظمك يا محمد.
وقد رأيت شيخنا الإمام الهرري رضي الله عنه ونحن حوله وقد دخلت عليه ابنته – وكانت في الرابعة من عمرها – فأخذت بيده وقالت: تعال، فقام معها فأخذت بيده إلى الغرفة الثانية، وهذا من عظيم تواضعه وحسن خلقه وملاطفته لابنته الطفلة وهو شيخ الإسلام مجدد عصره إمام مجتهد، لم يتردد في الانقياد لها، وهذا من عظيم تأديبه لنفسه، وعدم الالتفات إلى حظها، فلم يكن فيه شيء من الترفع، وبهذا ترى بعينك معنى حديث رسول الله ﷺ: «فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد»([18]).
وقد كان من عادته رحمه الله ورضي عنه أنه يتبسم للأطفال ويلاطفهم ويوزع لهم بيده نوعا من الحلوى يسميه السكر الأبيض، ويمسح بيده على رؤوسهم، وأحيانا يحملهم ويقبلهم ويرقيهم، وكان في بعض الأوقات عندما يقدم له الطعام يطعمهم منه. وأذكر ليلة من الليالي وقد نمنا في بيته وكنا صغارا استيقظ لصلاة الفجر وصار يمر يده بلطف على خدي: وهو يقول باسم الله باسم الله، فاستفقت وعرفت أنه يريدنا أن نتهيأ للصلاة. كما أنه كان يدور على الأولاد في المدارس والمساجد وقد حضرت معه مرات عديدة في هذه المجالس بعد تدريسه إياهم يلقنهم الطريقة الرفاعية.
ومن شدة اهتمامه وعنايته بالأطفال والأحداث قال له بعض مشايخ بيروت: لماذا تجلس مع هؤلاء الصغار؟ هؤلاء يتعبونك، فقال رضي الله عنه: الصغار يكبرون، وهذا الذي حصل فإن الدعوة المنتشرة اليوم في البقاع والأصقاع يديرها دكاترة ومشايخ وأساتذة ودعاة كانوا قبل ثلاثين سنة أطفالا فكبروا وصارت الدعوة في أيديهم بعد شيخهم رضي الله عنه وأرضاه.
وهذا من ثمرات الاهتمام بالأطفال أن يحملوا الدعوة ويعملوا على خدمتها في البلاد.
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/321)، حديث (1919).
([2]) صحيح مسلم، مسلم، (1/237)، حديث (286).
([3]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (10/434).
([4]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/452)، حديث (5202).
([5]) المستدرك، الحاكم، (3/315)، حديث (5215).
([6]) السنن الكبرى، النسائي، (7/386)، حديث (8291).
([7]) صحيح البخاري، البخاري، (1/26)، حديث (77).
([8]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/173).
([9]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1808)، حديث (2316).
([10]) مسند أبي يعلى الموصلي، أبو يعلى، (9/250)، حديث (5368).
([11]) صحيح البخاري، البخاري، (8/7)، حديث (5997).
([12]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (10/430).
([13]) صحيح البخاري، البخاري، (1/109)، حديث (516).
([14]) مجمع الزوائد، الهيثمي، (5/263).
([15]) صحيح البخاري، البخاري، (8/30)، رقم الحديث (6129).
([16]) إذا فهم الخطاب وكان في ذلك فائدة ولو بالتأنيس له، وكذا في تعليمه الحكم الشرعي عند قصد تمرينه عليه من الصغر.