الأربعاء يناير 28, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تكلف الناس ما لا يكلفوك، وارض لهم ما رضوا لنفسهم».

الشرح: وهنا يؤكد الإمام على خلق عظيم وهو من أسباب دوام الصداقة والصحبة والأخوة لأنك إن كلفت الناس ومن حولك من الأحبة والطلاب بما لا يطيقونه من الأعمال الصعاب والخدمات الشاقة عليهم قد يكون ذلك سببا ليتفرقوا عنك، ففي البداية قد يطيعونك في ذلك خجلا واستحياء للمودة التي بينك وبينهم فإن استرسلت في ذلك معهم قد يحملهم هذا على أن يعرضوا وينصرفوا عنك وبهذا تبقى وحدك بعد أن كنت مع إخوانك كثيرا، فبالكثرة والجماعة يتحقق من مصالح الدين والدعوة ما لا يتحقق بحسب العادة على يد الفرد، ولذلك كان من وصية رسول الله ﷺ: «ولا تدابروا»([1]). وأما إن خففت عمن معك وعن الذين يحبونك كان ذلك أدوم لملازمتهم لك وثباتهم معك وعدم الإعراض عنك. وقد سبق ما يشبه هذا المعنى في وصايا مرت بألفاظ أخرى ولكن توصل إلى نفس المعنى.

وفي حديث([2]) رسول الله ﷺ: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم‏».

وقد قال الإمام الهرري رحمه الله: «من يخدم الدعوة نخدمه»، وكان مرة على مائدة الطعام فقام وذهب إلى المطبخ وجلب الملاعق ووزعها على من معه ولم يطلب ذلك من أحد منهم مع أنهم تلامذته وخدامه، وقال رضي الله عنه: «كان شيخنا يفعل هذا معنا».

تنبيه: ما سبق بيانه من عدم تكليفك لمن معك بما يتعبهم هذا يكون على حسب حال الناس، فمنهم من لو أشغلته بخدمة الدين والدعوة وقضاء حوائج المسلمين والتفريج عنهم والسعي لتحقيق مصالحهم أو تعليم الناس فإنه يفرح بذلك ويسر ويزداد همة وفرحا، وربما إن تركته من غير إشغال له لبعض الوقت يسألك هو ويطلب منك ما يقوم به من العمل لعلو همته وعظيم صدقه وإخلاصه. فمن كان بهذه الصفة فلا حرج في طلب ذلك منه ولا مانع، فالأمر على حسب المصلحة وعلى حسب ما تعرف من أحوال الناس، فمع بعضهم تخفف ومع بعضهم تكثر ومع بعضهم لا تشغله إلا بأن يستمع إلى مجالس العلم لئلا يبتعد فيخسر ويهلك.

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (8/19)، حديث (6064).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (1/15)، حديث (30).