الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وكن كواحد منهم».

الشرح: يشير الإمام في طيات هذا الكلام إلى التواضع، وينبه تلميذه من الكبر، لذا كان من المهم بيانه في تعرضنا لشرح هذه الوصية أن نجول في الحديث على هذين الأمرين: التكبر والتواضع.

أولا: الكبر لغة العظمة والتجبر. وأما اصطلاحا فقد ورد في حديث النبي ﷺ بيان معناه حيث قال أصدق الخلق: «الكبر بطر الحق، وغمط الناس»([1]).

قال الزبيدي([2]): «الكبر حالة يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وأن يرى نفسه أكبر من غيره».

وقيل: الكبر هو استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس، واستصغارهم، والترفع عليهم.

ثانيا: الكبر داء ومرض ووسخ قلبي، فهو شعور خادع بالاستعلاء مصحوب باحتقار الناس والترفع عليهم، وهو انفعالات داخلية أساسا. قال الله تعالى: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56]. وما يظهر من تصرفات المتكبر ما هي إلا ترجمة لهذه الانفعالات.

وقد قسم العلماء التكبر على قسمين:

  • رد الحق على قائله مع العلم بأن الصواب مع القائل لنحو كون القائل صغير السن، فيستعظم أن يرجع إلى الحق من أجل أن قائله صغير السن أو لأنه من الخاملين والمردود عليه من المشهورين البارزين ونحو ذلك.
  • استحقار الناس أي ازدراؤهم كأن يتكبر على فقير وينظر إليه نظر احتقار، أو يعرض عنه، أو يترفع عليه في الخطاب.

ثالثا: التواضع مأخوذ من مادة (و ض ع) التي تدل على الخفض للشيء وحطه، يقال وضعته بالأرض وضعا ووضعت المرأة ولدها. وأما اصطلاحا فقد قال الجنيد رضي الله عنه: «التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب». وقد سئل الفضيل بن عياض رحمه الله عن التواضع فقال: «يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله ولو سمعه من صبي قبله».

وفي الإحياء([3]): «روي أنه خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون التواضع فقال لهم الحسن: أتدرون ما التواضع؟ التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا».

رابعا: الأمر به:

قال تعالى: {واخفض جناحك للمؤمنين} [الحجر: 88].

وقال عز شأنه: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء: 215].

وفي صحيح مسلم قال ﷺ: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد»([4]).

خامسا ثمراته:

  • أن الله يحب أهل التواضع المسلمين. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 54]، وفي كتاب الله قد مدح الذل في موضعين: الذل للمؤمنين والذل للوالدين، قال تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24].
  • الرفعة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو، إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»([5]).
  • الجنة: قال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83]. قال ابن جريج: {لا يريدون علوا في الأرض} تعظما وتجبرا، {ولا فسادا} عملا بالمعاصي.

وفي الصحيحين([6]) قول نبينا ﷺ: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره». قال النووي([7]): «ضبطوا قوله «متضعف» بفتح العين وكسرها، والمشهور الفتح؟ ولم يذكر الأكثرون غيره، ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا. يقال: تضعفه واستضعفه. وأما رواية الكسر فمعناها: متواضع متذلل خامل واضع من نفسه».

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وهو بريء من ثلاث: الكبر والغلول والدين دخل الجنة»([8])، أي أن لا يقترض من الناس لغير حاجة وهو عاجز عن رد هذا المال لأصحابه فإن فعل ذلك وهو يعرف من نفسه أنه لن يرد ولم يعلم دائنه بذلك وليس له جهة يرد منها والمقرض لا يرضى، يكون قد عصى الله وارتكب محرما، وليس مراده ذم الدين مطلقا.

سادسا: صور من تواضع الأنبياء والصالحين:

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال في خطبة له: «إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير»([9]).

وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول: قال ﷺ: «لا تطروني([10]) كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله»([11]).

وعندما كان النبي ﷺ في حاجة أهله كان يرقع ثوبه ويخصف نعله، وثبت في صحيح مسلم أنه جاءت إليه امرأة في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها.

وعن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفية فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا، تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك، فقال عمر: «أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد ﷺ إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»([12]).

وفي الختام نود إنهاء الكلام على هذه الوصية بذكر بعض أنواع العلاج من الكبر:

  • العلاج الإيماني: إذا يأمر الإيمان بالحرص على مصلحة المسلمين والتواضع لهم وخفض الجناح، قال تعالى: {واخفض جناحك للمؤمنين} [الحجر: 88]، قال ﷺ: «الـمؤمن للمؤمن كالأرض الذلول».
  • العلاج العلمي: وهو الوعي بهذا الخلق وتعديله ومعرفة ضرر هذا المرض الخبيث، والاستعاذة بالله سبحانه من الكبر، قال سبحانه: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56]. فإذا تغيرت نظرته لهذا المرض واتضحت له حقيقته وأصبحت موازينه في الحكم عليه هي الضوابط الشرعية اجتهد للتخلص منه. وليكن على ذكر لقوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15]. قال الغزالي: «أن يعرف نفسه ويعرف ربه ويكفيه ذلك في إزالة الكبر»([13]).

نسأل الله أن يحفظنا من الكبر والتكبر والخيلاء كما نسأله أن يجعلنا من عباده المتواضعين.

([1]) صحيح مسلم، مسلم، (1/93)، حديث (147).

([2]) تاج العروس، الزبيدي، (14/9).

([3]) إحياء علوم الدين، الغزالي، (342).

([4]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/274)، حديث (4895).

([5]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2001)، حديث (2588).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (6/159)، حديث (4918). صحيح مسلم، مسلم، (4/2190)، حديث (2853).

([7]) شرح صحيح مسلم، النووي، (17/186، 187).

([8]) سنن الترمذي، الترمذي، 04/138)، حديث (1572).

([9]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (1/532)، حديث (504).

([10]) احتجت المشبهة بهذا الحديث للإنكار على أهل السنة بتوسلهم بالذوات الصالحة، ولا حجة لهم لأن المتوسل برسول الله ﷺ لم يفعل ذلك إلا طاعة لمن سيدنا محمد ﷺ عبده.

([11]) صحيح البخاري، البخاري، (4/167)، حديث (3445).

([12]) المستدرك، الحاكم، (1/130)، حديث (207).

([13]) إحياء علوم الدين، الغزالي، (3/358).