الشرح: قد جمع الإمام رضي الله عنه في هذه العبارة بين نصيحتين تكادان لا تنفصلان ولا تكفان عن بعضهما، وبيان الحض على ذلك سيأتي.
أما النصيحة الأولى والتي عبر عنها بقوله: «قرب مجلسك»، فإنما نبه على هذا الأمر لأجل قطف الثمرة، أي لما كان من المرادات التي يريد الأستاذ والشيخ والعالم حصولها وتحققها الفهم السليم والإدراك الصحيح، والدراية التامة والوعي الآمن، والمعرفة المتقنة، والفقه الصائب والاستيعاب المأمون، حث وشجع وحض على تبكير وقت إعطاء الدرس وذلك لكون الأفهام لا زالت في اتقاد، والأذهان قوية في صفاء، والقلوب في استعداد تام، والنفوس في تهيؤ، فيسهل حينئذ على الطالب الفهم والوعي والحفظ، ولا سيما إن كان الدرس فيه تشعبات وذلك عملا بقوله ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»([1]).
قال النووي في التبيان: وينبغي أن يبكر بقراءته على الشيخ أول النهار لحديث النبي ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها».
وقال ابن جماعة في «تذكرة السامع والمتكلم»: «وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه ضرورة».
وبعد هذا نقول: لما أكد الإمام مسألة التبكير نبه لمسألة ثانية ذات صلة بالأولى كما بينا، وهي أن يكون تدريسه في أوقات يعلمها الناس بأن يحافظ على الوقت الذي عهده الناس منه مثلا، فإن كثرة تغيير أوقات الدرس قد يجعل الناس في خليطى([2]) فيضيع المجلس وحينئذ لن تتحقق النصيحة الأولى، وذلك إذا لم يحضر الناس فما المعنى حينئذ من تقريبه.
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (3/509)، حديث (1212).
([2]) قال ابن منظور: «ووقع القوم في خليطى وخليطى أي اختلاط فاختلط عليهم أمرهم» (لسان العرب، 7/292).