الشرح: قد شارف الإمام على إنهاء وصيته لتلميذه، ولم ينس رضي الله عنه أن ينبهه أن يراقب نيته وينظر فيها وأن لا ينساها قبل القيام بالأعمال الصالحة التي يقوم بها.
ولأمر النية اعتبار في الشرع، وفيما يلي سيظهر لك أيها القارئ ذلك بإذن الله سبحانه.
فقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»([1]).
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها معظم أمور الدين، فقد روي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال عن هذا الحديث: ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابا من الفقه([2]).
وقال أبو عمر القرطبي في «المفهم»: «وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول جميع الطاعات».
وقال أبو داود: «كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث. ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه([3]) ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»».
وقال الحافظ ابن حجر([4]) في شرح هذا الحديث: «وصاهم بالإخلاص في عبادته. وعن أبي عبد الملك البوني قال: مناسبة الحديث للترجمة أن بدء الوحي كان بالنية لأن الله تعالى فطر محمدا على التوحيد وبغض إليه الأوثان، ووهب له أول أسباب النبوة وهي الرؤيا الصالحة. فلما رأى ذلك أخلص إلى الله في ذلك فكان يتعبد بغار حراء فقبل الله عمله وأتم له النعمة. وقال المهلب ما محصله: قصد البخاري الإخبار عن حال النبي ﷺ في حال منشئه وأن الله بغض إليه الأوثان وحبب إليه الخير ولزوم الوحدة فرارا من قرناء السوء([5]). فلما لزم ذلك أعطاه الله على قدر نيته ووهب له النبوة كما يقال الفواتح عنوان الخواتم».
ولا يعني ذلك أن الإنسان المسلم إذا كانت نيته حسنة في أعماله الصالحة واعتزل الناس وأكثر من الطاعات والعبادات يصير نبيا لأن النبوة اصطفاء من الله وليست مكتسبة من العباد بطاعاتهم. قال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} [الحج: 75].
فمن ذلك كله يتضح أهمية هذا الحديث وأهمية النية في الإسلام.
وأما في الكلام على تعريف النية، فقد قال الجوهري في الصحاح: «النية العزم». وقال الخطابي: «هي قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له». وقال البيضاوي: «هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا». وقال: «والشرع خصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله وامتثالا لحكمه».
وقال العراقي في «شرح التقريب»([6]): «اختلف في حقيقة النية فقيل: هي الطلب وقيل: الجد في الطلب. ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: من ينو الدنيا تعجزه أي من يجد في طلبها».
وقال الزركشي في قواعده([7]): «حقيقتها ربط القصد بمقصود معين، والمشهور أنها مطلوب القصد إلى الفعل. وقال الماوردي: هي قصد الشيء مقترنا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه فهو عزم».
النية في القرءان الكريم:
قد ورد التعبير عن هذه النية المشروطة في القرءان بتعابير مختلفة مثل: إرادة الآخرة أو إرادة وجه الله أو ابتغاء وجهه أو ابتغاء مرضاته.
يقول تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} [ءال عمران: 152].
وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا *ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا *كلا نمد هـؤلاء وهـؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا *انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 18 – 21].
النية في الأحاديث الشريفة:
أما السنة فقد ورد فيها الكثير من فضل النية والإخلاص، نذكر منها بعض ما انتقيناه مما ذكره الإمام المنذري في كتابه «الترغيب والترهيب». وقد بدأها وبدأ كتابه كله بحديث الثلاثة أصحاب الغار وهو حديث متفق عليه الذي فيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ: «بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها لله عز وجل صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها» الحديث([8]). وفيه دليل على جواز التوسل بالأنبياء والأولياء. قال العلماء: «الأنبياء والأولياء أفضل من أعمالهم»، فإذا جاز التوسل بالمفضول وهو العمل الصالح كما في الحديث فكيف بالفاضل.
وثنى بحديث أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له»، فاعادها ثلاث مرات يقول له الرسول ﷺ: «لا شيء له». ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه»([9]).
ثم ثلث بحديث عمر المشهور: «إنما الأعمال بالنيات».
والأحاديث الثلاثة تؤكد على أهمية النية وتصفية النية لرب البرية فذلك من الأساس لصحة العبادات وسبيل إلى قبولها.
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وءاخرهم». قالت: قلت يا رسول الله: كيف يخسف بأولهم وءاخرهم وفيهم أسواقهم([10]) ومن ليس منهم، قال: «يخسف بأولهم وءاخرهم، ثم يبعثون على نياتهم»([11]).
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه»، قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: «حبسهم العذر»([12]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر([13]) إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».
وتصحيح([14]) النية شرط لقبول العمل، فلا بد قبل العمل الصالح من استحضار النية وتجريدها من كل الشوائب وإخلاصها لله تعالى في كل عمل من أعمال الآخرة حتى يحوز القبول عند الله، ذلك أن لكل عمل صالح ركنين زيادة على الإسلام والإيمان والتمييز لا تقبل الطاعات عند الله إلا بهما:
أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.
وثانيهما: موافقة السنة ومنهاج الشرع.
وقد جمع الركنان في أكثر من ءاية في كتاب الله، قال تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور} [لقمان: 22]، وقال سبحانه: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 112].
وإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له وحده، والإحسان فيه: أداؤه على الصورة المرضية شرعا ومتابعة رسول الله ﷺ وسننه. قال ابن مفلح الحنبلي: «طلب العلم أفضل الأعمال لم صحت نيته».
وقال الفضيل بن عياض: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا.
والخالص أن يكون لله وحده، والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ الفضيل قوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110].
وقال سفيان الثوري: «ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تنقلب علي». فالمسلم بالنية يحول العادة إلى عبادة والعمل إلى صدقة يؤجر عليها.
قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين *لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162، 163].
وانظر إلى قصة هذا الرجل الذي صدقت نيته، فعن شداد بن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء النبي ﷺ فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة، غنم النبي ﷺ سببا «فقسم وقسم له» فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ﷺ، فأخذه فجاء به النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ فقال: «قسمته لك»، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة، قال: «إن تصدق الله يصدقك» فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ: «أهو هو»، فقالوا: نعم، قال: «صدق الله فصدقه»، ثم كفنه النبي ﷺ في جبته ﷺ([15])، ثم قدمه فصلى عليه([16]) فكان مما ظهر من صلاته عليه: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد عليه»([17]).
فانظر حماك الله إلى النية الصادقة الخالصة كيف تنفع صاحبها وكيف تؤتي أكلها بإذن ربها، وكن على ذكر من قول ابن رسلان:
وأخلص النية قبل العمل | وائت بها مقرونة بالأول |
وأما الرياء فهو أن يقصد الإنسان بأعمال البر كالصوم والصلاة وقراءة القرءان والحج والزكاة والصدقات والإحسان إلى الناس مدح الناس وإجلالهم له، فإذا زاد على ذلك قصد مبرة الناس له بالهدايا والعطايا كان أسوأ حالا لأن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
والرياء يحبط ثواب العمل الذي قارنه، فإن رجع عن ريائه وتاب أثناء العمل فما فعله بعد التوبة منه له ثوابه. فأي عمل من أعمال البر دخله الرياء فلا ثواب فيه سواء كان جرد قصده للرياء أو قرن به قصد طلب الأجر من الله تعالى، فلا يجتمع في العمل الثواب والرياء لحديث أبي داود والنسائي بالإسناد إلى أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له»، الحديث وقد تقدم.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (1/6)، حديث (1).
([2]) السنن الكبرى، البيهقي، (2/23). شرح صحيح مسلم، النووي، (13/53).
([3]) وفيه ما ضعفه بعض الحفاظ.
([4]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/11).
([5]) ليعلم أن نبينا المصطفى ﷺ كان من طفولته تحيط بتصرفاته العناية الربانية، فكان محفوظا من الشرك والكبائر وكل ما فيه خسة ودناءة، وكان من طفولته ينفر من الرذالات ومن قرناء السوء، ولم يكن يتأثر بعادات المشركين ولا أخذ شيئا من تصرفاتهم وأعمالهم وأقوالهم الخبيثة من شرك وغيره، فالأنبياء جميعا من طفولتهم إلى الممات لا تمر عليهم لحظة واحدة يكونون فيها كافرين أو فاسقين، بل هم معصومون قبل النبوة وبعدها.
([6]) طرح التثريب، العراقي، (2/7).
([7]) المنثور في القواعد الفقهية، الزركشي، (3/284).
([8]) الترغيب والترهيب، المنذري، (3/220)، حديث (3764).
([9]) الترغيب والترهيب، المنذري، (2/194)، حديث (2073).
([10]) أي: أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون ولم يقصدوا الغزو.
([11]) صحيح البخاري، البخاري، (3/65)، حديث (2118).
([12]) سنن أبي داود، أبو داود، (3/12)، حديث (2508).
([13]) ليس معناه لا يراها لأن الله تعالى يرى كل المرئيات والمبصرات بلا استثناء، لكن في الحديث (حث على الأعمال الصالحة والنية الحسنة وموافقة الشريعة لا على المظاهر والصور.
([14]) تنبيه: فرق بين شروط الصحة والقبول، فشروط الصحة هي الأمور التي لا تصح الصلاة بدونها كالوضوء للصلاة. وشروط القبول هي الأمور التي لا بد منها لنيل الثواب، فمن تركها صحت صلاته بلا ثواب كالخشوع والإخلاص.
([15]) هذا فيه دليل لأهل السنة والجماعة على جواز التبرك.
([16]) الصلاة لغة الدعاء كما في قوله ﷺ: «اللهم صل على ءال أبي أوفى». وكما في قوله تعالى: {وصل عليهم} [التوبة: 103]، أي: ادع لهم. فالشافعية عندهم شهيد المعركة لا يصلى عليه إنما يدعى له بخلاف الحنفية.