الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وخذ العفو وأمر بالمعروف».

الشرح: قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف} [الأعراف: 199]. ذكره الإمام رضي الله عنه بهذه الفضيلة لما حوته من حسن الخلق في التعامل مع الناس، وقد بينت الآية الكريمة أنه ينبغي في معاملتهم مراعاة ما يلي:

  • أخذ العفو، وهو ما سمحت به أنفسهم من الأخلاق، فيشكر من قابله من المسلمين من قول وفعل جميل، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على صغير ولا على ناقص العقل ولا الفقير؛ بل يعامل الجميع باللطف وما فيه المصلحة.
  • الأمر بالمعروف، أي: بكل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم، أو حث على خير من صلة رحم، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد وتحصيل مصلحة دينية.

ولقد كانت حياة الرسول ﷺ مليئة بالعفو والصفح، ومن الأمثلة على ذلك أنه عفا عن كفار قريش يوم فتح مكة مع قدرته على الانتقام وقد ءاذوه.

وكذا يوسف الصديق عفا عمن ظلمه من إخوته وقال: {لا تثريب عليكم اليوم} [يوسف: 92].

وعن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء([1]).

وكان من خلقه ﷺ مقابلة الإساءة بالإحسان، قال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34].

ومشى على خطاه ﷺ الصحابة الأعلام، فعن الزهري قال: سمعت عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، كل حدثني طائفة من الحديث فأنزل الله: {إن الذين جاؤوا بالإفك} [النور: 11] العشر الآيات كلها في براتي، فقال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} الآية [النور: 22]، قال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها عنه أبدا.

فإذا التزم الإنسان بهذه النصيحة كسب مودة الناس وحبهم فأقبلوا عليه متعلمين من حاله وقاله، فكان في ذلك نشر لعلم الدين.

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (7/146)، حديث (5809).