الشرح: ءال بنا الحديث في هذا الكتاب القيم إلى الكلام على خلق زان صاحبه وشان فاقده، خلق إذا انتشر بين الأحبة ملأ حياتهم صفاء ونقاء، وظللهم بالمودة والإخاء والمحبة والألفة.
وقد فهم مما تقدم الأمر به إذ نهى الإمام عن ضده.
إنه الوفاء! ما أجمله من خلق وما أرقها من خصلة، وما أسماها من صفة. الوفاء خلق جميل وكنز ثمين.
والوفاء لغة ضد الغدر، يقال: وفي بعهده وأوفى إذا أتمه ولم ينقض حفظه. وفي الاصطلاح هو حفظ للعهود والوعود وأداء للأمانات، واعتراف بالجميل، وصيانة للمودة والمحبة.
روي عن الأصمعي قال: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ووفاء عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكائه على ما مضى من زمانه.
والوفاء خلق قل من يتخلق به في زماننا، ولقلة وجود ذلك في الناس قال تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} [الأعراف: 102].
وقد ضرب به المثل في العزة والندرة فقالت العرب: هو أعز من الوفاء.
يقول الله سبحانه وتعالى ءامرا به: {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} [الأنعام: 152]، وانظر إلى ما ورد في القرءان في حقه سبحانه، يقول أصدق القائلين: {ومن أوفى بعهده من الله} [التوبة: 111]، ويقول سبحانه: {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 6]، وقال عز شأنه: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد} [الزمر: 20]، وقال عز وجل: {إن الله لا يخلف الميعاد} [آل عمران: 9].
والوفاء من صفات المرسلين، فقد قال تعالى: {أم لم ينبأ بما في صحف موسىٰ* وإبراهيم الذي وفىٰ *ألا تزر وازرة وزر أخرىٰ *وأن ليس للإنسان إلا ما سعىٰ * وأن سعيه سوف يرىٰ *ثم يجزاه الجزاء الأوفىٰ} [النجم: 36 – 41]، وقال تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا *وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا} [مريم: 54، 55].
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم – أي: النبي ﷺ -، فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي.
تنبيه مهم: ظاهر هذه الآية: أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، وهذا الظاهر غير مراد بالآية قطعا، إذ المسلم ينتفع بدعاء غيره مطلقا. وقد ثبت في «الصحيح» الحج عن الميت، وعن المريض الذي لا يمكنه السفر إلى الحج ولا يرجى شفاؤه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: «نعم»([1]).
وفي صحيح البخاري([2]) ومسلم([3]) أن رسول الله قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه».
وصلاة الجنازة على الميت ينتفع بها الميت.
وهناك الكثير من الأحاديث الصحيحة تفيد أن المسلم ينتفع بعمل غيره، والله أعلم.
تتمة: والوفاء من سمات المؤمنين المتقين، فقد قال تعالى: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولـئك الذين صدقوا وأولـئك هم المتقون} [البقرة: 177]، وقال تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} [المؤمنون: 8].
وفي رأس ذلك كله أن تقضي الله حقه، فإنه سبحانه أحق بالوفاء، وذلك يكون بطاعته وعبادته وتوحيده([4]) وتمجيده وتنزيهه وتقديسه عن سمات المحدثين وصفات المخلوقين.
وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء»([5]).
فإن الله سبحانه قد أخذ على ذرية ءادم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، قال الله في كتابه العزيز: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 173].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الله يقول: لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب ءادم أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك»([6]). قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين *وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 60، 61].
فمن أطاع ربه والتزم بشرعه وامتثل أمره واجتنب نهيه ووقف عند حدوده كان من أهل الوفاء مع الله سبحانه الذي أوجده من العدم وأحياه بالنعم وكرمه وأمره أن يعبده وحده دون سواه، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56].
وقال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23].
فأين الوفاء مع الله ممن ينتهك الحرمات ويواقع المنكرات.
أين الوفاء مع الله ممن فرط في طاعة الله فضيع فرائضه واعتدى على حدوده.
وفي سنام ذلك كله الوفاء لرسول الله ﷺ. هذا الرسول الذي بذل كل وسع وتحمل كل عناء من أجل أن يبلغ للعالمين رسالته، ما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، بين لنا الطريق وأنار لنا السبيل وتركنا على المحجة البيضاء الناصعة الواضحة، لا يزيغ عنها إلا هالك.
فأين الوفاء منا لرسول الله ﷺ؟ أين نحن من سنته وهديه وشريعته؟ فالوفاء مع الرسول ﷺ يكون باتباع سنته والتخلق بأخلاقه والاقتداء به والدفاع عن دينه وعقيدته، والاحتفال بمولده ﷺ أليس داخلا في هذا؟! بلى والله.
وقد كان الأنصار أوفياء مع الرسول ﷺ، فقد قال عوف بن مالك رضي الله عنه: كنا مع النبي ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا، فقلت: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطعوا – وأسر كلمة خفية – ولا تسألوا الناس شيئا» فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسال أحدا يناوله إياه([7]).
وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفيا، فعن جابر رضي الله عنه قال: «لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا» ثلاثا، فلم يقدم – أي لم يجئ – حتى توفي النبي ﷺ، فأمر أبو بكر مناديا فنادى من كان له عند النبي ﷺ عدة أو دين، فليأتنا، فأتيته، فقلت: إن النبي ﷺ وعدني فحثى – أي: أبو بكر رضي الله عنه – لي ثلاثا([8]).
وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع سراقة بن مالك رضي الله عنه، ففي حادثة الهجرة تبع سراقة النبي ﷺ وأبا بكر فقال له النبي ﷺ: «عد يا سراقة ولك سوارا كسرى»، فقبض النبي ﷺ، وفي خلافة عمر رضي الله عنه بعد فتح المدائن جاء سوارا كسرى لعمر فنادى سراقة وكان قد أسلم وألبسه إياهما وقال: هذا ما وعدك به رسول الله ﷺ.
وهناك أنواع من الوفاء، منها الوفاء مع العلماء وذلك باحترامهم وتوقيرهم والتواضع لهم والدعاء لهم والاقتداء بهم والتعلم على أيديهم، {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43، والأنبياء: 7].
ومن أجمل الأمثلة للوفاء مع العلماء وفاء أبي حنيفة لشيوخه، فقد كان رضي الله عنه يدعو لشيخه حماد بن أبي سليمان مع أبويه في كل صلاة يصليها، وكان يحفظ له وده، ويذكره دائما ويترحم عليه ولا ينسى له فضله، يذكره بالخير ويثني على فضله وينوه بأثره فيه ويدعو له حتى قال رضي الله عنه: ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد ولكل من تعلمت منه علما أو علمته.
وكان الإمام أحمد رضي الله عنه يكثر من الدعاء للشافعي رضي الله عنه، فسأله ابنه عبد الله قائلا: يا أبت، أي شيء كان الشافعي؟ فإني يمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي رضي الله عنه كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف أو منهما عوض؟
والوفاء مع الوالدين أمر عظيم، فإن لهما فضلا عظيما وحقا كبيرا على أبنائهم، إذ لا يخفى ما يبذله الوالدان من غال ونفيس، وما يتحملانه من نصب وتعب في سبيل نشأة أبنائهم وتربيتهم ورعايتهم.
فإن كان الوالدان على غير الإسلام فأحسن معاملتك معهما عل الله يشرح صدرهما للإسلام بما يرون من فع حسن منك.
وإن كانا على الإسلام فأطعهما في غير معصية الله، وتواضع لهما وأحسن إليهما، وادع لهما في حياتهما وبعد موتهما، قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14].
ولا يفوتنا ذكر الوفاء بين الأزواج، فوفاء الزوج لزوجته يكون باحترامها وتقديرا والوفاء بما اشترطه على نفسه لها، ففي الحديث: «أحق الشروط([9]) أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»([10]). ووفاء الزوجة لزوجها يكون بطاعته في غير معصية الله واحترامه وتقديره والوقوف إلى جانبه في عسره ويسره وعدم نكران فضله وجحود عطائه.
تنبيه: ليس من خيانة الزوج لزوجته أن يتزوج غيرها بعد موتها أو في حياتها كما يقول السفهاء الجهلاء، فهذا علي رضي الله عنه تزوج بعد موت السيدة فاطمة رضي الله عنها وهي بنت رسول الله ﷺ وأم السبطين وجدة الأقطاب والأولياء وحبيبة الله وحبيبة أبيها رسول الله ﷺ، الذي كان من حبه لها كان إذا دخلت عليه يقوم لها، فهذه ليست خيانة من سيدنا علي رضي الله عنه لسيدتنا فاطمة رضي الله عنها.
وليس من خيانة الزوجة لزوجا أن تتزوج غيره بعده إذا مات ومضت عدتها، فليتنبه لذلك.
فبسبب تأثر بعض الناس اليوم بعادات الكفار وبأعمال المخنثين الفسقة الفاجرين وبسبب الأفلام والتمثيليات والمسلسلات والتلفزيونات صار البعض يقول لمن تزوج مرة ثانية: هذه خيانة، أو يقولون: جهلة الأربعين، أو يقولون: لا يحق له، وهذا معارض للدين، مخالف للقرءان، والذي أوقعهم في هذا الهلاك والفساد الكبير هو تركهم للتعاليم الإسلامية واتباعهم لعادات غير المسلمين.
وللوفاء فوائد منها:
وانظر رحمك الله إلى صفة المؤمنين الكمل، قال تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب} [الرعد: 19].
فليعلم العبد أنه سيسأل عن وفائه يوم القيامة، قال تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} [الإسراء: 34]، فماذا يكون جواب العبد إذا سئل عن وعوده وعهوده وعقوده التي أمر الله بالوفاء بها وأدائها، قال سبحانه: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91]، وقال عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1].
فماذا يكون جواب العبد إن أخلف وعده وضيع عهده وخان أمانته؟
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/18)، حديث (1854).
([2]) صحيح البخاري، البخاري، (3/359، حديث (1952).
([3]) صحيح مسلم، مسلم، (2/803)، حديث (1147).
([4]) اعلم أن أعظم حقوق الله تعالى على عباده هو توحيده تعالى وأن لا يشرك به شيء، لأن الإشراك بالله هو أكبر ذنب يقترفه العبد وهو الذنب الذي لا يغفره الله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. وكذلك جميع أنواع الكفر لا يغفرها الله لقوله تعالى: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} [محمد: 34]. وقد قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، رواه البخاري ومسلم. وفي حديث ءاخر: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». رواه البخاري. ويجب قرن الإيمان برسالة محمد بشهادة أن لا إله إلا الله وذلك أقل شيء يحصل به النجاة من الخلود الأبدي في النار.
([5]) صحيح البخاري، البخاري، (3/18)، حديث (1852).
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (4/133)، حديث (3334).
([7]) صحيح مسلم، مسلم، (2/721)، حديث (1043).