الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وبادر في إقامة الحقوق».

الشرح: وصية جليلة من إمام جليل فحواها القيام بالقسط والدعوة إلى العدل. فالعدل من حيث المفهوم هو إعطاء كل ذي حق حقه؛ وهو خلق كريم يعني التزام الحق والإنصاف في كل أمر، والبعد عن الظلم والبغي والعدوان.

وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «أتدرون من السابقون إلى ظل الله([1]) عز وجل يوم القيامة؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه، وحكمهم للناس كحكمهم لأنفسهم وأهليهم».

تنبيه مهم: الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»([2]) يفسره حديث ءاخر: «في ظل عرشه»([3])؛ وحيث لا يكون في مواقف القيامة ظل لبناء أو جبل أو جدار أو شجرة، ولا يكون ما اعتاد الناس في الدنيا من التفيؤ في الظلال في ذلك الموقف فلا يوجد إلا ظل العرش؛ فمن كان فيه أمن من عاب حر الشمس. وإضافة الظل إلى الله هو إضافة ملك أو تشريف للعرش، كما في قوله تعالى: {أن طهرا بيتي} [البقرة: 125]، أي: البيت المشرف عندي، وهو الكعبة المشرفة التي بنيت لعبادة الله وتوحيده وليس معناه أن الله يسكن الكعبة ولا أن الله يحل فيها، فهو موجود أزلا وأبدا بلا مكان. فهذه إضافة تشريف وإضافة ملك، وأما الله فلا يتشرف بأحد من خلقه، وليست إضافة جزئية لأن الله منزه عن الجسمية وعن التجزؤ والجزئية. أما بالنسبة لنا فيقول الواحد منا هذه يدي أي هي جزء مني؛ وهذا كتابي أي ملكي. فالله أضاف بعض الأشياء إلى نفسه إضافة تشريف لهذه الأشياء، أو إضافة ملكية، وليست للجزئية أو الحلول في هذه الأماكن كالكعبة لأنه سبحانه قال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. فالله تعالى ليس جسما ليكون له ظل، فهو منزه عن الجسمية والحجمية وعن صفاتها؛ ومنزه عن أن يكون ظلا، ومنزه عن أن يكون خيالا لأنه سبحانه قال: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74]. وأما ما قاله بعض مجسمة ومشبهة العصر الوهابية: «ظل حقيقي» فهذا كفر صراح. قال أبو حنيفة رضي الله عنه: «أنى يشبه الخالق مخلوقه»، وقال الشافعي: «المجسم كافر»، وقال أحمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي الوراق المصري: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر». وقد أجمعت الأمة على كفر المشبهة والمجسمة، فقد قال الفقيه الحنفي محمد بن محمد علاء الدين البخاري في كتابه «ملجمة المجسمة»([4]) «فالمجسم كافر إجماعا».

تتمة: في هذا الحديث الذي ورد في بداية شرح هذه الوصية موعظة وضياء للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون([5])، فهو وعد من الله لمن رضي بالحق أخذا عاملا به مطبقا ذلك على نفسه وعلى غيره قولا وفعلا، وحكم للناس بمثل ما يحكم هو لنفسه أو بمثل ما يحب أن يحكم هو له به، فلا يتعاظم في نفسه ويرى أن له منزلة على غيره فيرفض الحق ويظلم الناس فيكون متكبرا، ولا يعادي الحق إذا صدر على غير يديه ولا يمتنع من أداء الحق بخلا أو ظلما أو عتوا أو نفورا فيستحق عقوبة الله ووعيده في العاجل والآجل، فالتقي يقبل الحق قولا وفعلا سواء صدر له أو عليه من بعيد أو قريب ويعطي كل ذي حق حقه كائنا من كان قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوىٰ} [المائدة: 8]، أي: لا يحملنكم بغضكم وعداوتكم لقوم على ترك العدل واطراح الحق.

ففي هذه الآيات وهذا الحديث وغيرهما أمر الله ورسوله بإقامة العدل والتزام الحق قولا وعملا وأخذا وردا، يقول تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90]، فأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف وأن يكونوا متعاونين متعاضدين متناصرين فيه.

ولقد كان رسول الله ﷺ على خلق عظيم متخلقا بما جاء به القرءان الكريم من الصفات الكريمة والخصال الحميدة من العدل والأمانة والوفاء والصدق والكرم والعفو والنصح والتواضع، فلا تجد صفة من صفات الخير إلا ونبينا محمدا ﷺ قد تبوأ القمة فيها وحاز قصبة السبق فيها.

وهنا نزيد الأمر بيانا فنقول: كل من له أدنى إلمام بالعلم يعرف أن الدعوة إلى حقوق الله شأنها عظيم وهي مهمة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام والأولياء والصالحين، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الأئمة في هذا الشأن، وهم الأئمة في الدعوة وهي وظيفتهم لأن الله عز وجل بعثهم دعاة للحق وهداة للخلق، فيا لها من منزلة عظيمة، ويا لها من شرف، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36].

فبين سبحانه وتعالى أن الرسل جميعا بعثوا بهذا الأمر العظيم وهو الدعوة إلى عبادة الله وإقامة حقوق الله.

فبين الله أن الرسل بعثوا {مبشرين ومنذرين} [النساء: 165]، مبشرين من أطاعهم بالنصر والتأييد والجنة والكرامة، ومنذرين من كفر بهم بالخيبة والندامة والنار.

وفي بعثتهم إقامة الحجة وقطع المعذرة، حتى لا يقول قائل: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فالله تعالى بعث الرسل إقامة للحجة، وقطعا للمعذرة، وهداية للخلق، وبيانا للحق، وإرشادا للعباد إلى أسباب النجاة، وتحذيرا لهم من أسباب الهلاك، فهم خير الناس وأصلحهم وأنفعهم لهم.

قال تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا *وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45، 46].

وقال عز من قائل: {قل هـذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 108].

فالدعوة إلى الله هي سبيل الرسل وطريقهم، وفي ذلك غاية الشرف والفضل للدعاة أتباع الرسل، المقتدين بهم السائرين على منهاجهم عليهم الصلاة والسلام.

ومن شرط ذلك أن يكون الداعية على بصيرة وعلم وبينة بما يدعو إليه ومما يحذر منه لئلا يضر الناس ولئلا يدعو إلى ضلالة وهو لا يدري أو يدعو إلى باطل وترك حق وهو لا يدري، وحتى يكون على بينة فيعرف ما يدعو إليه وما يدعو إلى تركه. قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125].

فهذا الأمر العظيم وإن خوطب به النبي ﷺ فهو أمر للأمة جميعا لأن القاعدة الأصولية تقول: إن أمته تابعة له في الأمر والنهي إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: 21].

ففي ما تقدم بيان لكيفية الدعوة وأسلوبها ونظامها وما ينبغي للداعي أن يكون عليه، فادع أيها القارئ إلى الله بآياته وسنة رسوله لما فيها من الحكمة والفقه والهدى والبيان والإيضاح، وليكن الداعي ذا حكمة وذا موعظة حسنة.

ومن الحكمة إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو، وبلغته التي يفهمها حتى لا تبقى عنده شبهة وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان أو بسبب عدم إقناعه بلغته.

وحقيق بطالب العلم أن يبادر ويسارع إلى هذا المقام العظيم مقام الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو الدعوة إلى الله والإرشاد إلى دينه الحق. قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33].

هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه وبأفعاله.

ومن الدعاة إلى الله الداخلين في هذه الآية المؤذنون المسلمون المخلصون، فإنهم دعاة إلى طاعة الله وعبادته ينادون على رؤوس الأشهاد بتأدية ما أمر الله به له وتعظيمه والشهادة له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة.

ومما صح في السنة([6]) عن رسول الله ﷺ في شأن الدعوة وفضلها قوله ﷺ لما بعث عليا رضي الله عنه: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم»، وفي الحديث([7]): «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا».

فبعد هذا الغيض من الفيض، ينبغي أن تخرج أيها القارئ الكريم – لا سيما إن عرفت أن هذا نزر قليل من جليل ما ورد – بنتيجة وخلاصة فيها نجاتك في الدنيا والآخرة، والله المستعان.

([1]) أي: ظل عرشه لأن الله منزه عن الجسمية وصفاتها.

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (1/133)، حديث (660).

([3]) المستدرك، الحاكم، (4/187)، حديث (7315).

([4]) ملجمة المجسمة، ابن علاء الدين البخاري، (ص62).

([5]) أي: يخافون يوم القيامة وأهواله العظيمة.

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (5/134)، حديث (4210).

([7]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2060)، حديث (2674).