الشرح: أمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان لذوي القربى وهم الأرحام الذين يجب وصلهم، قال تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربىٰ} [البقرة: 83].
وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولـكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى} [البقرة: 177].
وقال تعالى: {والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولـئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75].
وقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب} [النساء: 36].
وقال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90].
كما أنه سبحانه عظم قدر ذلك فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1].
وقال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} [محمد: 22، 23].
وقال تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} [الرعد: 25].
ووردت أحاديث كثيرة فيها الأمر بصلة الرحم، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال للنبي ﷺ: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبي ﷺ: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم»([1]).
وعن أبي ذر([2]) رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير، أوصاني بأن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه»([3]).
وصلة الرحم في سنة النبي ﷺ أمر واجب، وقاطعها ءاثم، فعن عائشة([4]) رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله([5])، ومن قطعني قطعه الله([6])»، وما أسوأ حال من قطعه الله فمن ذا يصله.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم»([7]).
وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع»([8]) أي: مع الأولين.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار، ويزدن في الأعمار»، أي بمشيئة الله وتقديره، وهذا في القضاء المعلق وليس المبرم، وكل ذلك سبق في علم الله تعالى، وعلم الله لا يتبدل ولا يزيد ولا يتغير، وكذلك مشيئته وتقديره.
ومن أفضل الصدقات الصدقة على ذي رحم وهم أولى الناس بالصدقة، فعن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ: «الصدقة على الـمسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة»([9]).
وعن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا»([10]).
وقد عرف النبي ﷺ بصلة رحمه من قبل بعثه ما جاء في صحيح البخاري([11]) من قول أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في قصة بدء الوحي: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم».
وقد كان ﷺ يدعو أهله إلى الله، قال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214].
وكان يدعو لهم ويثني عليهم ويوصي بهم خيرا ويتألم لإيذاء أحد منهم، قال ﷺ: «أذكركم الله في أهل بيتي»([12]).
فبعد هذا يتبين أن قول البعض: نحن نزور من يزورنا ونقطع من يقطعنا مفهوم خاطئ مخالف لهدي النبي، فقد قال ﷺ لعقبة رضي الله عنه: «يا عقبة بن عامر، صل من قطعك، وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك»([13]).
وكأن لسان حال الذي يتصف بهذه الصفة الذميمة يقول:
ولست بهياب لمن لا يهابني | ولست أرى ما لا يرى ليا |
ومما ينبغي التنبه له زيارة الأحبة والإخوة في الله من غير الأرحام أيضا، فهذه الزيارات بنية حسنة تقوي الألفة بين المسلمين، واجتماع الأحبة وتزاورهم غنيمة عظيمة، فلا ينبغي ترك هذه الزيارة لما فيها من النفع العظيم والخير العميم، فيذكر بعضهم بعضا بالعلم للآخرة، ويحث بعضهم بعضا على تحصيل العلم والعمل به.
ولا تقتصر في زيارتك على زيارة الأغنياء فقط؛ بل قدم الفقراء على الأغنياء، فإنهم أحوج إلى المواساة وجبر الخواطر، وتردد إلى بيوتهم، وادعهم إلى بيتك، وأجلسهم على مائدتك وأطعمهم، وكل معهم، وهذا من شأن وسيرة رسول الله ﷺ، فإنه كان يتفقد الغرباء الذين يدخلون المدينة، ويزور الفقراء والأرقاء ويجالسهم، ويسأل عنهم ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم.
ولا تقتصر في زيارتك أيضا على من يزورك فقط؛ بل زر الكل، وأخلص لله في عملك، ولا تنتظر أن يردوا لك الزيارة، فأحسن على الناس وابذل لهم المعروف من الزيارة وغير ذلك، ولا تنتظر أن يردوا لك ذلك المعروف بل اعمل لله.
ولا تنتظر مكافأة من الناس، فإنك أحوج إلى ثواب هذا العمل في الآخرة من أن يكافئك الناس عليه في الدنيا، وربما بهذا العمل إن قبل منك أعتقك الله من النار وأدخلك الجنة بلا سابق عذاب، ويا سعدك إن نلت ذلك وحصلته.
عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن ربه يقول: «حقت([14]) محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله»([15]) أي: ظل عرشه.
ولا تنس أن تعمل في هذه الزيارات على جمع المسلمين والتأليف بين قلوبهم، وإياك أن تعقد مجالس الغيبة والنميمة أو المسامرة في ذكر عورات وعيوب وزلات المسلمين.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (2/104)، حديث (1396).
([2]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/194)، حديث (449).
([3]) صحيح البخاري، البخاري، (3/56)، حديث (2067).
([4]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1981)، حديث (2555).
([5]) أي: بإعطائه الثواب والأجر.
([6]) أي: حرم الأجر واستحق الوزر، والله منزه عن الاتصال والانفصال لأن المماسة والاتصال بالأجسام والانفصال عنها مستحيل على الله، ليس كمثله شيء.
([7]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/664)، حديث (2511).
([8]) صحيح البخاري، البخاري، (8/5)، حديث (5984).
([9]) سنن الترمذي، الترمذي، (3/38)، حديث (658).
([10]) صحيح مسلم، مسلم، (2/692)، حديث (997).
([11]) صحيح البخاري، البخاري، (1/7)، حديث (3).
([12]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1873)، حديث (2408).