الشرح: أمر بالتواضع وحمل على حسن الخلق، ونهي عن الأخلاق الرذيلة وأمراض القلوب. هذا ما تحمله لنا هذه الوصية التي سنخوض في استيفاء معناها وبيان مفادها وشرح مفرداتها كشف مضمونها.
إن الكبر شعور خادع بالاستعلاء مصحوب باحتقار أشخاص والترفع عليهم، فهو مرض قلبي وداء نفساني، قال تعالى: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر:56]. وما يظهر من أفعال المتكبر ترجمة لهذه الانفعالات، وعليه فهو ينقسم إلى باطن وظاهر، فالباطن خلق في النفس، والظاهر أعمال تصدر عن الجوارح، فالأصل هو الخلق الذي في النفس في رؤية فوق المتكبر عليه. وبه ينفصل الكبر عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بنفسه.
ثم إن التكبر سمة تظهر في أعمال المتكبر حتى تعلو كلامه وحركاته وسكناته، فيمنعه كثيرا نيل العلم وقبول الحق والانقياد له.
قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} [الأعراف: 146]، وقال سبحانه: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر: 35]، وقال سبحانه: {إنه لا يحب المستكبرين} [النحل: 23].
وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة([1]) من كان في قلبه حبة من كبر»([2]). والعبد الكامل يرى في طاعة الله سكينته وترتاح لعبادته سبحانه نفسه إذا علمها الخضوع والذل له سبحانه، قال تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15]، ووصف الله الصالحين في القرءان فقال سبحانه وتعالى: {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} [فصلت: 38]، وقال سبحانه وتعالى: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} [الأعراف: 206]، وقال عز من قائل: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63]، وقال تعالى: {واخفض جناحك للمؤمنين} [الحجر: 88].
وقد كان ﷺ مثالا يحتذى به في تواضعه وسمته، أليس قد وصفته عائشة رضي الله عنها بأن خلقه القرءان؟ فها هو يخبر عن نفسه فيقول: «لا ءاكل متكئا»([3]) وكان يجلس ﷺ حيث انتهى به المجلس. وقال ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله»([4]). وعن أنس رضي الله عنه قال: «كانت الأمة([5]) من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت»([6]). وكان الرجل إذا دخل على أصحاب النبي ﷺ يسأل: أيكم محمد؟ وقد كان من تواضع النبي ﷺ أنه يبيت وقد ربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان ينام على الحصير الخشن حتى يؤثر في جنبه ﷺ. وكان عليه الصلاة والسلام يقعد مع العبيد والأرقاء ويأكل معهم ويدعوهم إلى بيته، فيطعمهم ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، ويسلم على الصبيان في الطريق، ويخرج في قضاء حاجات الفقراء.
وهذا الصديق رضي الله عنه يودع جيش أسامة، وأسامة رضي الله عنه على فرسه وهو يسير على قدميه فيقول أسامة: لتركب أو لأنزل فيقول الصديق رضي الله عنه: وما لي لا أغبر قدمي ساعة في سبيل الله. ثم يستأذن الخليفة أبو بكر رضي الله عنه أسامة في عمر فيقول: أتأذن لي بعمر أستعين به على أمور المسلمين.
وهذا عمر رضي الله عنه لبس ثيابه يوم الجمعة، وكان قد ذبح للعباس فرخان، وكان للعباس ميزاب على طريق عمر، فلما وافى عمر الميزاب صب ماء بدم الفرخين فأصاب عمر، فأمر عمر بقلعه – أي: الميزاب – ثم رجع فطرح ثيابه ولبس ثيابا غيرها ثم جاء وصلى بالناس ثم أتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ، فقال عمر للعباس: وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ففعل ذلك.
ويأخذنا الكلام إلى ذكر بعض أنواع الانحرافات الناتجة عن الكبر، فكثيرا ما يوصل الكبر إلى رفض الحق وازدراء الآخرين وسوء الظن بهم والكذب في مدح النفس وذكرها بما فيها وما ليس فيها، وسرعة الغضب، والانتقام وحب السيطرة والافتخار والرياء والمن ورد النصيحة.
وفي الختام نذكر العلاج منه: علاج الكبر يبدأ أولا بالوعي بهذا الخلق المذموم وضرورة تعديله، ولهذا من المهم معرفة ضرر هذا المرض الخبيث ثم الاستعاذة بالله سبحانه منه. قال سبحانه: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله} [غافر: 56].
فإذا تغيرت نظرته للمرض واتضحت له حقيقته ووضعه في موازين الإسلام للحكم عليه اجتهد بإذن الله للتخلص منه، وليكن على ذكر من قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15]. ومن حديث النبي ﷺ: «الـمؤمن للمؤمن كالأرض الذلول».
قال الغزالي([7]): «فهو أن يعرف نفسه ويعرف([8]) ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر».
ومما ينفع لتجنب الكبر أن يستحضر أن أوله نطفة مستقذرة وءاخره جيفة منتنة إلا ما حرم ربي، وأنه خرج من محل البول مرتين، مرة من أبيه عندما كان نطفة واستقرت في الرحم، ومرة من أمه عندما وضعته من الموضع المحاذي لمخرج البول.
ويتذكر أنه ضعيف عاجز تنتنه العرقة وتقتله الشرقة وتقلقه البقة، فلأي شيء يتكبر بعد كل هذا. وليذكر الموت والبلى، وليتفكر في حاله بعد دفنه، كيف أن البطن ينفجر، والعيون تسيل على الخدود، ويخرج منه القيح والدم والصديد، وتأكله الأفاعي والديدان والحشرات مع الظلمة الشديدة في القبر والرائحة النتنة والتئام الأرض وهو في بيت الوحشة والوحدة في رعب وقلق.
وخوف وضعف وعجز لا يستطيع أن يدفع شيئا من ذلك عن نفسه إلا من نجاه الله وسلمه وحفظه من ذلك.
([2]) المستدرك، الحاكم، (1/78)، حديث (69).
([3]) صحيح البخاري، البخاري، (7/72)، حديث (5398).
([4]) صحيح البخاري، البخاري، (4/167)، حديث (3445).
([5]) معناه الصغيرة التي لا تشتهى.
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (8/20)، حديث (6072).
([7]) الإحياء، الغزالي، (358).
([8]) معرفة الله تكون بمعرفة ما يجب له من كونه سبحانه ليس جسما ولا يتصف بصفات الجسمية وأنه أزلي أبدي موجود بلا جهة ولا مكان، منزه عن الجلوس والقعود وكل صفات المخلوقين ومعاني المحدثين، مع تنزيهه عن كل ما لا يليق به سبحانه.