الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واصحب الأخيار».

الشرح: نصيحة تحوي في طياتها الكثير من المعاني والجليل من أبكار الفوائد وفي معناها نخوض في شرحها نقول:

إن التشبه بأهل الخير والتقوى والإيمان والطاعة أمر حسن ولهذا يشرع الاقتداء بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وءادابه وأخلاقه وذلك مقتضى المحبة الصحيحة فإن المرء مع من أحب.

فمما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والاقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة ومن البطالة إلى العمل ومن الشبهات إلى الورع ومعرفة النفس وءافاتها؛ فالجليس الصالح يأمر بالخير وينهاك عن الشر ويسمعك العلم النافع والقول الصادق والحكمة البليغة ويذكرك نعم الله عليك وءالاءه ويعرفك عيوب نفسك ويشغلك عما لا يعنيك. وإن كان قادرا سد خلتك([1]) وقضى حاجتك، إن ذكرته بالله رجا ثوابه وإن خوفته من عذابه ترك الإساءة. يجهد نفسه في تعليمك وإصلاحك إذا غفلت عن ذكر الله وإذا أهملت أنذرك.

فالجليس الصالح لا تمل قربه، تسر بحديثه إذا حضر، يشهد معك مجالس العلم وحلق الذكر وبيوت العبادة، ويشجعك على الطاعة وينفرك من المعصية، ولا يزال ينفعك حتى يكون كبائع المسك وأنت الجليس أو المشترى.

الجليس الصالح إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أصابتك فاقة أعانك إن قدر، وإذا رأى منك حسنة عدها وإذا رأى سبئة كتمها وسترها ونصحك.

الجليس الصالح هو من خير مكاسب الدنيا، زينة في الرخاء، وعدة في الشدة، ومعونة على المعاش والمعاد، فلا تصحب من إذا حدثك كذب، وإذا ائتمنته خانك، وإذا ائتمنك اتهمك.

أخي الحبيب، إن في مصاحبة الصالحين ثمرات منها:

  • أنت مع من أحببت: فقد أخرج البخاري([2]) عن أنس أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة قال: «وماذا أعددت لها»، قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فأنا أحب النبي وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم.
  • الانتفاع بدعائهم بظهر الغيب: فشتان بين من يقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، وبين من يتخاصمون في الدنيا ثم في نار جهنم، قال تعالى حكاية عن الكفار الأعداء: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} [الأعراف: 38].
  • محبة الله: ففي الحديث القدسي([3]): «وجبت([4]) محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتباذلين في والمتزاورين في». وفي الحديث الشريف([5]): «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، الحديث. وهذه المحبة الصادقة الصافية في الله سبب لعلو المنزلة ورفعة الدرجة يوم القيامة، ففي حديث([6]) السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه».
  • بركة المجالس والخير الذي يعم: فقد جاء في الحديث([7]) الطويل في فضل مجالس الذكر: «فتقول الـملائكة: يا رب، إن فيهم فلانا ليس منهم، إنما جاء لحاجة، فيقول الله للملائكة: هم القوم لا يشقى جليسهم».
  • التأثر بهم: ففي الحديث([8]): «الرجل على دين خليله([9])، فلينظر أحدكم من يخالل». فالصداقة المتينة والصحبة الصالحة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة، فإذا كان الأمر كذلك فحري باللبيب أن يبحث عن إخوان ثقات حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر.

وقد صدق الناس في قولهم: «الصاحب ساحب إما إلى الرقي وإما إلى الحضيض»، وقولهم: «الصاحب ساحب إما إلى الجنة وإما إلى النار»، فهو من الكلام الحسن الذي تقوله العامة وليس حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ.

فهنيئا لمن وجد جليسا وصديقا صالحا، فإنه في هذه الأزمنة من أندر النادر، فيا فوز ويا سعد من حصله فلزمه وانتفع به وعمل بهديه.

فابحث عن الجليس الصالح، واهجر الفاسق فإنه خراب وقد يودي بك إلى الضلال والمهالك والعواقب الوخيمة.

وفي الختام نذكركم بقوله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين * يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} [الزخرف: 67، 68]، فماذا بعد قول الله ورسوله ﷺ.

([1]) أي: حاجتك.

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (5/12)، حديث (3688).

([3]) المستدرك على الصحيحين، الحاكم، (4/186)، حديث (7314).

([4]) أي: ثبتت، وليس معناه الوجوب الذي تقول به المعتزلة خذلهم الله، فقولهم باطل، إذ لا يجب على الله شيء ألبتة.

([5]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (16).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (1/133)، حديث (660).

([7]) صحيح البخاري، البخاري، (8/86)، حديث (6408).

([8]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/589)، حديث (2378).

([9]) أي: على سيرته وعادته أي غالبا ما يتأثر به.