الخميس فبراير 19, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واستعمل في ذلك الرفق».

الشرح: أمر رضي الله عنه بالرفق ووصى به، فما هو الرفق ولم قد يوصي الإمام في المعاملة؟ وما هي ثمرته؟ وإلام يوصل؟

أسئلة قد تقع لبعض القارئين، وفيما يلي شفاء إن شاء الله من العي والجهل بملازمة الرفق.

أولا: الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل والدفع بالأخف. وقيل هو اللطف والدراية وحسن التصرف والسياسة. وقيل: الرفق ضد العنف وهو اللطف وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها.

وإن رمت معرفة فوائده وثمراته وما الحامل عليه فاسمع معي لقول الغزالي في بيان الرفق. قال الغزالي: الرفق محمود وضده العنف والحدة، والعنف ينتجه الغضب والفظاظة. والرفق واللين ينتجهما حسن الخلق والسلامة. والرفق ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة، وحفظهما على حد الاعتدال، ولذلك أثنى المصطفى ﷺ على الرفق وبالغ فيه. وفيما يأتي بعض الأحاديث عنه ﷺ.

يقول النبي ﷺ: «فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد»([1]).

وفي الصحيحين([2]) أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». ومعنى الحديث أن الله لطيف بعباده، عالم بمواضع حاجاتهم، يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، ينعم عليهم بالنعم مع تمادي بعضهم في المعاصي عسى أن يتوبوا، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولو شاء لفعل، وهو الذي يحكم بما يريد، وقادر على كل شيء. قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78].

وخاطب مرة سفيان الثوري أصحابه قائلا: أتدرون ما الرفق؟ هو أن تضع الأمور مواضعها، الشدة في موضعها واللين في موضعه.

فالرفق خير في أمر الدين وأمر الدنيا حتى في معاملة المرء نفسه ويتأكد ذلك في معاشرة من لا بد للإنسان من معاشرته كزوجته وخادمه وولده، فالرفق محبوب مطلوب مرغوب.

يقول المناوي: إذا أراد الله بأحد خيرا رزقه ما يستعين به مدة حياته ووفقه في الأمور ولينه في تصرفه مع الناس وألهمه القناعة والمداراة التي هي رأس العقل وملاك الأمر، وإذا أراد به سوءا ابتلاه بضد ذلك، والأول علامة حسن الخاتمة والثاني بضده. نسأل الله السلامة.

فالرفق صفة كريمة وخلق جميل، فيه سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب المحامد، خلق من أشهر ثمار حسن الخلق وأشهاها، ومن أظهر مظاهر جميل التعاملات وأبهاها، خلق يقول فيه نبينا ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»([3]). فما أحوجنا إلى الرفق واللين في زمن كثرت فيه مظاهر العنف والقسوة والغلطة والجفاء في البيوت والشوارع والأسواق والمؤسسات.

ومن كان الرفق خلقه فإنه يتوصل به إلى كثير من الخيرات والفوائد وتحقيق المصالح الدينية والدنيوية، ويدخل بذلك إلى قلوب الناس فيتوصل إلى تعليمهم الخير وإبعادهم عن الشر والفساد، ويستميلهم إلى حضور مجالس العلم لأنهم أحبوه بملاطفته لهم، فيدخل عليهم النفع والعلم والخير بسبب هذا الخلق الكريم، وبذلك يكون قد نفعهم ودلهم على طريق الجنة وأبعدهم عن طريق النار، وباللطف والملاطفة يسلم، ويحفظ من كثير من الفتن والمفاسد والبلايا والمصائب والتباغض والابتعاد عن القلاقل ومصادمة الناس، وهذا لا يعني الخنوع والجبن والتخاذل وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فما أعظمك أيها الإمام، وما أعظمها من وصية.

جعلنا الله من المتخلفين بها على ما ينبغي، من المقتدين برسول الله ﷺ قولا وفعلا وعقدا وخلقا وعشرة ومعاملة، إنه على ما يشاء قدير، وبعباده لطيف خبير.

([1]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/16).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (9/16)، حديث (6927)، صحيح مسلم، مسلم، (4/1706)، حديث (2165).

([3]) صحيح مسلم، (4/2004)، حديث (2594).