الجمعة فبراير 20, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واستجد ثيابك».

الشرح: أي اطلب جيد الثياب لكسوتك لأن جمال الثياب يزيد في الهيبة، وهذا من ءاداب العالم في درسه.

قال صاحب «المعيد في أدب المفيد والمستفيد»([1]) في ءاداب العالم في درسه: «وأن ينظف ويطيب بدنه وثوبه، ويختار له لبس البياض، ولا يعتني بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينسب صاحبه إلى قلة مروءة».

وهذا ليس بغريب عن العلماء، فقد مر عبر التاريخ أئمة قدوة لنا ينبغي التأسي بهم، فهذا الحسن البصري كان بعيدا من التصنع، لا يظهر التقشف وإن كان باديا عليه ولا يدع التجمل ولا يمتنع من لبس جيد الثياب([2]).

وهذا الإمام النجم العلم مالك بن أنس كان إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا، وقال: «أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ».

وهذا سحنون([3]) يقول: «كنا نختلف عند البهلول نتعلم منه السمت».

ولا غرو فقد استقوا ذلك من معين النبي ﷺ ومن التعاليم المحمدية، وأي هدي أفضل من هديه ﷺ.

فإن سألت عن دليل، قلت لك: حديث جبريل أليس فيه: شديد بياض الثياب([4]).

قال الدمياطي في شرحه على الأربعين([5]): ومجيئه في تلك الهيئة الحسنة يدل على استحباب التجمل للقادم على الكبراء ولطالب العلم ومعلمه لأنه سيد الكبراء من الإنس والجن والملائكة معلما للصحابة في صورة متعلم.

وقال الحافظ ابن دقيق العيد([6]): «وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك فإن جبريل أتى معلما للناس بحاله ومقاله».

قال ابن حجر في شرح الأربعين([7]): «ففيه ندب تنظيف الثياب، وتحسين الهيئة بإزالة ما يؤخذ للفطرة([8])، وتطييب الرائحة عند الدخول للمسجد، وعلى نحو العلماء، وندب ذلك للعلماء والمتعلمين؛ لأنه معلم بدليل: «يعلمكم دينكم»، ومتعلم بمقاله وحاله، ومن ثم استحب عمر رضي الله عنه البياض للقارئ، واستحبه بعض أئمتنا لدخول المسجد».

هذا وقد كان ﷺ أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا كأن ثيابه لا يمسها دنس.

فهاتان فائدتان عظيمتان الأولى في لباس العالم والثانية في لباس المتعلم، وهاك أيها القارئ فائدة ثالثة تشتمل على نصيحة جليلة، فنقول: ما يراعى في الثياب عموما:

  • ستر العورة، وهي بالنسبة للرجل ما بين السرة والركبة، وللأنثى الحرة أمام الأجانب جميع البدن إلا الوجه والكفين.
  • أن لا يكون الثوب شفافا يصف لون البدن.
  • أن لا يكون ضيقا بحيث يصف أعضاء البدن. والضيق للمرأة مكروه.
  • أن لا يكون ثوبه فيه تشبه بثوب النساء ولا ثوبها بثوبه، فذلك يكون حراما.
  • أن لا يكون فيه تشبه بغير المسلمين، فيكون حراما.
  • أن لا يكون حريرا أو أكثره بالنسبة للرجل.
  • وأن يكون ثوبه إلى نصف الساق، وهذا مسنون.

ونختم هذا المبحث بالفائدة الرابعة وهي أن صدر جميع أمورك الحسنة باسم الله، واجتهد أن لا تدخل في شيء من العادات الحسنة إلى بنية صالحة، فإذا لبست ثيابك فانو بها ستر عورتك التي أمرك الله بسترها، وابتدئ باليمنى في نحو القميص وأخرها في النزع. وليكن همك إذا لبست ثوبا جديدا إظهار نعمة الله عليك وكرمه وفضله، وإياك وحال أهل الكبر والبطر، واحذر مشية الخيلاء مشية المتكبرين. وإذا لبست فاعمل بحديث([9]) رسول الله ﷺ: «ومن لبس ثوبا فقال: «الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة»، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».

([1]) المعيد، العلموي، (ص123).

([2]) ءاداب الحسن البصري، ابن الجوزي، (ص24).

([3]) وهو من أئمة المالكية.

([4]) صحيح مسلم، مسلم (1/36)، حديث (8).

([5]) الجواهر اللؤلؤية، الدمياطي، (ص43).

([6]) شرح الأربعين النووية، ابن دقيق العيد، (ص29).

([7]) الفتح المبين، ابن حجر الهيتمي، (ص142).

([8]) أي: الخلقة.

([9]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/42)، حديث (4023).