الإثنين يناير 26, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واستعن على نفسك بالصيانة لها، والمراقبة لأحوالها».

الشرح: بعد أن عرفنا الإمام على بعض أمراض القلوب، وعرفنا بعض العقبات الكؤود التي تحول دون تهذيب النفس، وعرفنا أهمية التقوى ومدى حث الإسلام عليها، وربط الأحكام بها، قدم الإمام لنا بعض المراحل العملية في تربية وتهذيب النفس وهي المراقبة والمحاسبة، وتبرز أهميتها بأنها من الأسباب الأساسية للوصول إلى التقوى وتزكية النفس.

بيان المراقبة والمحاسبة:

المراقبة هي أن يلاحظ الإنسان نفسه عند الخوض في الأعمال في كل حركة وسكون، لذلك تكون المراقبة عامل وقاية من الذنوب والأمراض.

والمحاسبة هي أن يعين الإنسان وقتا في كل يوم يحاسب نفسه بموازنة طاعاته وحسناته، لذلك تكون المحاسبة عامل علاج من الذنوب والأمراض.

أهمية المراقبة والمحاسبة:

لندرك أهمية المراقبة والمحاسبة ينبغي لنا أن نلاحظ الأمور الآتية:

  • تسجيل الأعمال حيث يستفاد من القرءان الكريم أن أعمالنا محفوظة في صحيفة أعمالنا، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا الغفلة عن عواقب هذه الأعمال وعدم المبادرة إلى مراقبة أنفسنا والانتباه إلى أقوالنا وأعمالنا ونوايانا. يقول تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم *فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره *ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 6 – 8]، وفي ءاية أخرى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [ءال عمران: 30]، وفي ءاية أخرى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18].
  • الحساب على الأعمال يوم القيامة، والحساب نوعان: عرض ومناقشة، فمن نوقش الحساب عذب.

قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47]، وفي ءاية أخرى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284]، ويقول تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا([1]) ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49].

ثمرة المحاسبة:

إن لمحاسبة النفس ومراقبتها نتائج وثمرات متعددة، نشير إلى بعضها:

  • الشعور بالندم والبدء بالاستغفار.
  • التعويض: وذلك من خلال تدارك ما فاته بأمور خير كثيرة، قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114].
  • التزود: وهو الدخول في كثير من المستحبات والأعمال الفاضلة لتثقيل الميزان يوم القيامة. قال سيدنا عمر: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.

كيف نحاسب أنفسنا؟

  • العهد([2]): فيخلو الإنسان إلى نفسه فيعظها ويطلب منها أن تغتنم عمرها، وبالتالي يأخذ منها العهد بأن لا ترتكب المعصية ولا تترك الطاعة.
  • المراقبة: راقب نفسك من أجل أن تردعها عن محاولة التخلي عن الالتزام بالعهد.
  • حث النفس وعتابها: فليحدد كل منا ساعة كل يوم من أجل أن يحاسب نفسه فيجلس ليرى ما فعله في نهاره ساعة بساعة، فإن فعل خيرا حمد الله تعالى على توفيقه لفعل الطاعة، وإن فعل المعصية وبخ نفسه وانتهرها وتاب إلى الله تعالى.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعلنا من التوابين المراقبين لأنفسهم الصائنين لها عن المحظورات.

([1]) وهذا رد على بعض الجهال الذين لا يصلون ويقولون: غدا نصلي في جهنم: فالدنيا هي دار التكليف والعمل، والآخرة هي دار الجزاء والحساب على العمل. وقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا}، أي: وجدوا جزاء ما عملوه في الدنيا. قال سيدنا علي: «اليوم العمل ولا حساب، وغدا الحساب ولا عمل».

([2]) أي: أن يتعهد ذلك على محاسبة نفسه بحيث لا يتركها ولا يهملها إلى أن تقع في معصية أو غفلة.