الخميس يناير 22, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واستمع لمن يستمع منك».

الشرح: يجدد لنا الإمام رضي الله عنه التأكيد على اتخاذ حسن الخلق وسيلة لقلوب الناس ومفتاحا لها، كيف لا والوصية تندرج تحت عنوان علاقة العالم بغيره. وقد وصل في الإرشاد إلى الكلام على أمر يجهل أهميته كثير من الناس وهو: حسن الإصغاء والاستماع، أو بما يسميه البعض: إتقان الإنصات.

ليعلم أن الإصغاء له تأثير عظيم في مجال العلاقات الدينية والاجتماعية والعملية. ومن هنا كان للإنصات دوره في كسب ثقة الناس، فإن من ءاداب الاستماع الإنصات ومتابعة المتحدث وعدم مقاطعته طالما لم يكن ثمة ما يخالف الشرع؛ بل وأحيانا قد ينتظر الشيخ حتى ينتهي المخالفون عن مفاسدهم لحكمة ثم يردها ويبين الصواب كما حصل مع أحد أئمة أهل السنة والجماعة وأحد زعماء المعتزلة حتى ءال الأمر في النهاية أن فر المعتزلة من المجلس ولم يعودوا، فقال الإمام لأحدهم اكتب: هربوا.

فإذا يلوح لك أيها القارئ أن حسن الإصغاء هو وسيلة فعالة في كسب القلوب وترك الأثر الجيد والحسن، فإن المتحدث في الغالب يشعر بالإيناس والطمأنينة إذا بدا على مستمعه الإنصات والرغبة في الاستماع، فكم من شخصية لا يرغب الكثير في مجالستها لأن صاحبها لا ينصت لهم فيشعرون أنه لا يقدر حديثهم ولا يعبأ بكلامهم.

وكان العلماء يقولون: أول أبواب العلم الاستماع، وطالما حث على ذلك أئمتنا وعلى رأسهم في هذا العصر الحافظ المعلم المربي الشيخ عبد الله الهرري رحمات الله عليه.

وقد وجه القرءان المسلمين إلى الأمر بالإنصات لتلاوة القرءان للتفكر والتدبر وغيرهما من الفوائد. قال تعالى: {وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204].

والقارئ لسورة يوسف يتضح له من خلالها عظيم هذا الخلق واتصاف الأنبياء به.

  • من ذلك قوله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} [يوسف: 4].

فيظهر هذا الأدب حينما قص يوسف رؤياه على أبيه يعقوب صلى الله عليهما وسلم، وأخذ نبي الله يعقوب يستمع له. ثم انظر أيها القارئ إلى روعة الجواب أثناء هذا الحوار، إذ قال عز وجل حكاية عن يعقوب: {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين *وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم} [يوسف: 5، 6].

  • قوله تعالى: {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين *وجآؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 17، 18].
  • قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36]؛ فيوسف عليه الصلاة والسلام مع ما هو فيه من أمر السجن وغيره استمع إليهما. وانظر إلى حكمته ﷺ بعد الاستماع إليهما، فقد أفصح عن عقيدته ودعوته فكلمهما في ما هو أهم وهو الإسلام، توحيد الله، عبادة الله، صفات الله، تنزيه الله، وكشف عن فساد اعتقادهما، وما هما عليه من الشرك. وهنا نتعلم من أفضل مخلوقات الله وهم أنبياء الله أن البدء بالتعليم يكون بالأولى فالأولى، وأفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله.
  • الآية: {يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} [يوسف: 46]؛ ففي هذه الآية يذكر مجيء الساقي الذي نجا من القتل وهو الذي أوصاه يوسف عليه الصلاة والسلام أن يذكره عند الملك، فنسي بعدما عبر له رؤياه، فبدأ حواره مع يوسف عليه الصلاة والسلام بذكر رؤيا الملك فأخذ يسأله عن تعبيرها ولم يعنفه يوسف عليه الصلاة والسلام على نسيانه بل استمع إليه وأجابه عن الرؤيا.
  • قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54].

وهنا فائدتان:

  • تجنب الاستماع إلى الغيبة والكلام القبيح: فكما حرم الشرع أن يغتاب المسلم أخاه حرم كذلك أن يستمع الواحد منا إلى غيبة أخيه دون الإنكار على قائلها. قال تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون: 3]، وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولـئك كان عنه مسؤولا} [الإسراء: 36]. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»([1]).
  • البشاشة والوجه الطلق: من ءاداب الاستماع تحلي المستمع بالبشاشة والوجه الطلق وتجنب العبوس والكآبة. قال رسول الله ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»([2])، وقال ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»([3]).

فحسن الاستماع مما ينبغي أن يلتزم في الحوارات لأنه مما يقوى الألفة والمحبة دون انفعال أو توتر، وكم من حوارات كانت نتيجتها الفشل بسبب ترك هذا الأدب.

([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/327)، حديث (1931).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2026)، حديث (2626).

([3]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/221)، حديث (474).