قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وارفق بهم».
الشرح: إن المتأمل في كلام الإمام لتلميذه يدرك بعد إمعان النظر وقراءته للوصايا وصية بعد أخرى حرص الإمام على مراقبة العالم لأفعاله وأن يحسنها فإنه مرءاة. ويرى من خلال تكرار بعض الوصايا تأكيد الإمام وحرصه عليها. وهذه الوصية في الرفق قد بسطنا الكلام قبل عليها لكننا هنا نعرض بعض الأحاديث التي وردت في ذلك لتكون تشجيعا للمسلم على الالتزام بالرفق والتخلق به:
- روى البخاري([1]) عن النبي ﷺ قال: «يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله».
- وفي صحيح مسلم([2]) من يحرم الرفق، يحرم الخير».
- روى الترمذي([3]) عن النبي ﷺ قال: «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق، فقد حرم حظه من الخير».
- عن ابن عدي أن النبي ﷺ قال: «يا عائشة من حرم حظه من الرفق حرم حظه من الدنيا والآخرة». قال المناوي: «إذ بالرفق تنال المطالب الأخروية والدنيوة، وبفوته يفوتان».
- روى مسلم([4]) أن النبي ﷺ قال: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه». والمعنى أن الله تعالى لطيف بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر فلم يكلفهم فوق طاقتهم وإن كان جائزا، ولو أراد لكلفهم بذلك.
- وفي الترغيب([5]) للمنذري: «إن الله عز وجل يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف».
- وعند مسلم([6]): «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
- وفي الشعب([7]) للبيهقي: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا، أدخل عليهم الرفق في المعاش».
- وعند المنذري([8]): «إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا». قال المناوي: «والمراد إذا أراد الله بأحد خيرا رزقه ما يستعين به مدة حياته ووفقه في الأمور ولينه في تصرفه».
- وعن أبي هريرة أن أعرابيا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ: «دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»([9]). فهذه قاعدة عظيمة النفع كثيرة الفوائد أخذها العلماء من هذا الحديث فقالوا: إذا تعين الوقوع في إحدى المفسدتين عدل إلى ارتكاب أخفهما ضررا؛ لأن هذا الأعرابي لو أخرج حال خروج البول منه لتوسعت بقعة النجاسة في المسجد ولعمت وانتشرت فنهاهم الرسول عن إخراجه في هذه الحال لئلا يحصل ما هو أشد ضررا من توسع بقعة النجاسة في مسجد رسول الله ﷺ؛ وبحكمة الرسول بقيت النجاسة في بقعة صغيرة ضيقة ثم أمرهم بصب الدلو الكبير من الماء على تلك البقعة. وبهذا يطهر المكان وتذهب النجاسة في جوف الأرض. فما أعظم هذه القاعدة وكم تنجي من مهالك لمن عمل بها.
وتحكي السيدة عائشة رضي الله عنها عن رفق الرسول ﷺ فتقول([10]): «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن ينتهك حرمة الله، فينتقم لله بها». وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا»([11]).
ونختم بدعاء رسول الله ﷺ: «اللهم، من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به»([12]). فالمسلم برفقه ولينه يصير بعيدا عن النار، قال النبي ﷺ: «ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «على كل هين لين قريب سهل»([13]). وهذه الصفات هي من صفات المؤمن الكامل، فالأصل الإسلام، ولو اجتمعت هذه الصفات في غير المسلم ومات على غير الإسلام فالجنة عليه حرام وهو حطب جهنم.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (9/16)، حديث (6927).
([2]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2003)، حديث (2592).
([3]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/367)، حديث (2013).
([4]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2003)، حديث (2593).
([5]) الترغيب، المنذري، (3/279)، حديث (4052).
([6]) صحيح مسلم، مسلم، (4/2004)، حديث (2594).
([7]) شعب الإيمان، البيهقي، (8/497)، حديث (6140).
([8]) الترغيب والترهيب، المنذري، (3/278)، حديث (4050).
([9]) صحيح البخاري، البخاري، (8/30)، حديث (6128).
([10]) صحيح البخاري، البخاري، (4/189)، حديث (3560).
([11]) صحيح البخاري، البخاري، (1/25)، حديث (69).
([12]) صحيح مسلم، مسم، (3/1458)، حديث (1828).
([13]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/216)، حديث (470).