الشرح: هذه النصيحة هي لازم نصيحة مرت قبل ألا وهي: «وخذ العفو وأمر بالمعروف» وسنبين معنى حقيقة هذه النصيحة لئلا تفهم على غير وجهها.
ويحسن هنا أن نعيد الحديث الذي فيه: «المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»([1])، وعلى هذا يحمل كلام الإمام، فليس مراده رضي الله عنه أن انقطع عن الناس ولا تعاشرهم واعتزلهم ولا تكلم أحدا منهم، إذ الحال أنك إن خالطتهم وصبرت على أذاهم تنفعهم بقولك ومقالك وفعلك وحالك، فهو رضي الله عنه أراد بـ«اترك من يؤذيك» أي: بالصفح، والعفو، والمسامحة مع الإرشاد، والتنبيه، والتوعية، والإفهام، والتربية، والنصيحة، والصبر، والتحمل، ومبادلة الإساءة بالإحسان، والحكمة، والرزانة، والرشد، والسداد، والهدى، فهو نفسه سيقول له فيما بعد: «وتقرب من العامة ودار الفجار».
زد على ذلك أن في محنته رضي الله عنه درسا كبيرا، ففي قصته مع المنصور يتجلى لك معنى: «واترك من يؤذيك»، فقد دعا المنصور أبا حنيفة ليتولى القضاء فامتنع رضي الله عنه لعلمه بأن هناك من أهل عصره من هو أهل لذلك المنصب، وأنه لم يتعين عليه تولي القضاء، فأنزل به العذاب بالضرب والحبس. وهذا درس كبير في الصبر.
وعلى هذا جرى الأئمة الأعلام، فهذا أبو العلمين القطب الغوث ملجؤنا ومفزعنا عند الشدائد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وأرضاه كان ذات يوم يمشي مع جمع من مريديه فعلم بذلك يهودي كان يسمع أن السيد أحمد الرفاعي حليم فأراد أن يمتحنه هل هو كما يصفه الناس أم لا، فأتى إليه وقال: يا سيد أنت أفضل أم الكلب؟ وكان بقربه كلب أجرب، فقال السيد رضي الله عنه: إن نجوت على الصراط فأنا أفضل، فأسلم اليهودي، وأسلم أهله وكثير من عشيرته. فلولا تواضع سيدنا أحمد معه لم يسلم، فلو كان ظهر الغضب أو الاكفهرار على وجهه أو قال له كلمة شتم ما رغب في الإسلام، لكن لما أعجبه شدة حلمه وتواضعه اعترف اليهودي في نفسه بأن دين هذا السيد صحيح وأسلم.
وهذا ليس بعزيز عليهم ولم غريب عنهم، فقد استقوا ذلك من نهج رسولهم الكريم، ففي قصته ﷺ مع زيد بن سعنة خير دليل، قال زيد بن سعنة: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله([2])، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، قال: فخرج رسول الله ﷺ من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، وكنت أخبرتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدا، وقد أصابهم شدة وقحط من الغيث، وأنا أخشى يا رسول الله، أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم من يغيثهم به فعلت، قال: فنظر رسول الله ﷺ إلى رجل جانبه، أراه عمر، فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله، قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت له: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: «لا يا يهودي، ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا، ولا أسمي حائط بني فلان»، قلت: نعم، فبايعني ﷺ، فأطلقت همياني، فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، قال: فأعطاها الرجل وقال: «اعجل عليهم وأغثهم بها»، قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد الطلب بمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، قال: ونظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره وقال: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق، لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤده، ثم قال: «إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء([3])، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا من غيره مكان ما رعته»، قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: نعم، الحبر، قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ﷺ ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، وأشهدك أن شطر مالي فإني أكثرها مالا صدقة على أمة محمد ﷺ، فقال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم كلهم، قلت: أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ، فقال زيد: أشهد أن لا إلٰه إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ، فمن به وصدقه، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر([4]).
([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/662)، حديث (2507).
([3]) هذا من النبي تعليم للأمة، وليس المراد أنه ﷺ يخشى عليه من أن لا يرد الدين أو أن يظلم فيه.