الشرح: لفهم هذه الوصية على وجهها نقدم أولا تعريف السفاهة.
فالسفه والسفاهة: الاضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق، فاضطراب الرأي جهل وطيش، واضطراب الأخلاق فساد فيها لعدم رسوخ ملكة الأخلاق.
وإن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه يربي مريده ويحذره من أن يفسد خلقه ويتغير حاله بالقرب والانبساط والإكثار من تتبع ومجالسة أهل الأخلاق الرديئة. ولا يريد بهذا القول أن تجافيهم، ولا أن تترك مجالستهم لتترك فيهم الأثر الطيب، أو أن لا تنصحهم إن وجدت قبولا، فهو نفسه قد قال قبل ذلك: «ودار الفجار»، وقد تقدم الكلام على ذلك.
نعم، هي فائدة عظيمة من الإمام، فلنتصور معا إنسانا اتخذ سفيها صديقا فكيف سيكون حاله؟ وعلى أيش ستكون أخلاقه؟ ولقد قيل قديما: الصاحب ساحب، إما إلى جنة أو إلى نار. وقيل: الصاحب ساحب، إما إلى الرقي وإما إلى الحضيض. وهما من أقوال الناس وليسا من حديث رسول الله ﷺ، ومعناهما صحيح.
فيوم القيامة يعض من اختار صاحب السوء أصابع الندم ويتحسر على ما فاته في دنياه. يقول تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان: 27 – 29].
فصاحب السوء كثيرا ما تعلق أحد صفاته بجليسه كما جاء في الصحيح([1]) أن رسول الله ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة»، وقد أشار ابن مفلح إلى خطر هذه المجالس للسفهاء.
وعن أبي جعفر الخطمي عن جده عمرو بن حبيب وكانت له صحبة أنه أوصى بنيه فقال: إياكم ومجالسة السفهاء، فإن مجالستهم داء وإن من لم يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير. ونقل ابن مفلح عن ابن عبد البر([2]) في باب منثور الحكم والأمثال قوله: «صحبة الفاسق شين وصحبة الفاضل زين».
ولكن ليس المراد مما سبق أن نعتزل مجالس الفساق والسفهاء فلا نغشاها لتعليمهم، أليس النبي كان يدعو الكفار وهم في مجالسهم إلى الله تعالى؟! ولكن المقصود ألا تكون هي مجالس المتعلم التي يحرص على المكث فيها غالب وقته، فربما هدمت على صاحبها قواعد دينه وهذا مما ينبغي الحذر منه والتأكيد عليه، فافهم الأمر رحمك الله.
وأخطر ما في ذلك أن يصاحب الإنسان سفيها مع عقيدة فاسدة كالمشبهة أو المجسمة أو الحلولية الاتحادية أو من كان من أهل البدع والأهواء كوهابية زماننا أتباع ابن تيمية ومحم بن عبد الوهاب وحزب الإخوان([3]) أتباع سيد قطب والتحريرية([4]) أتباع تقي الدين النبهاني الذين لهم حزب يسمى بحزب التحرير والرجبية([5]) أتباع رجب ديب السوري والسحريات([6]) أتباع سحر حلبي، فكل هؤلاء ومن شابههم في أيامنا هذه هم من أهل البدع في العقائد فلهم من الأقوال والاعتقادات ما كذبوا بها القرءان والحديث والإجماع، وذلك لئلا يتأثر بهم، فإنه لا يأمن على دينه من صحبتهم ومخالطتهم والانبساط إليهم والاستئناس بهم، فيجب التحذير من هؤلاء تحذيرا بالغا لأنهم يجرون أبناء المسلمين إليهم. وكم من شباب وشابات فسدوا في هذه الأزمنة، فتحولوا من السنة إلى البدعة بسبب أصحاب العقائد الفاسدة، فليتنبه لذلك وليحذر الأبناء والشباب من قرناء السوء، وان لا يصاحبوا إلا من كان يفعهم في دينهم أو دنياهم ممن يوثق بدينه وأخلاقه.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/63)، حديث (2101).
([3]) أتباع سيد قطب، يعتبرون أنفسهم هم فقط المسلمون وكل من سواهم كفارا، ولا هم لهم إلا الحكم على الناس بالكفر فيعتبرون المجتمعات الإسلامية جاهلية كافرة. اختارت هذه الفئة لنفسها أسماء عدة منها: «الجماعة الإسلامية»، و«الإخوان المسلمين» وغيرهما.
([5]) أتباع رجب ديب، وهو رجل عامي لا يعرف العقيدة ولا الفقه ولا الحديث، كان يعمل كياسا في دمشق فلبس العمامة فجأة ونصب نفسه للتوجيه والإرشاد. يزعم أن من نادى زوجته باسمها فقد كفر، وعنده الفقر كفر والفقير مرتد، وغير ذلك من الضلال المبين.
([6]) أساس هذه الجماعة يرجع لامرأة تسمى منيرة قبيسي. يجعلن البنات ضائعات تائهات يعتقدن عقائد شتى ضد الإسلام، ويعتقدن أنهن أفضل الناس. يقلن بأن الله كتلة نورانية ومحمدا جزء منها، وغير ذلك من الضلال.