الأربعاء يناير 28, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وإياك والغدر، وإن غدروا بك».

الشرح: شارف الإمام على إنهاء وصاياه ولم ينس تذكير تلميذه بأمر عظيم يقبح الاتصاف به ويحسن التخلق بضده، ألا وهو الغدر.

جاءنا الإسلام الحنيف بمدح الأخلاق الحسنة ودعوة الناس إلى التخلق بها وذم الأخلاق القبيحة، وتحذير الناس منها.

ومن أخطر الأخلاق الفاسدة ما كان ناتجا عن فساد القلب، لأن صاحبه يكون سيئ النية، خبيث الطوية، ولذا حذر القرءان من المنافقين ومن الاتصاف بصفاتهم لأنهم أهل غدر وخيانة، قال تعالى: {هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} [المنافقون: 4].

والغدر صفة ذميمة خسيسة يتصف بها من هو عاجز عن مواجهة خصومه، فيغدر بهم في الخفاء ويخونهم وهم يأمنونه، وقد عدد النبي ﷺ بعض صفات المنافق في العلم فقال: «أربع من كن فيه كان منافقا أو كانت فيه خصلة من أربعة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»([1]).

والغدر أخو الخيانة، وقد نهى الله عنهما فقال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58]، وفي ءاية أخرى: {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} [النساء: 107].

وفي الحديث القدسي قال ﷺ: «قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي([2]) ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره»([3]).

وفي الحديث الشريف: «اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا»، الحديث([4]).

وحين زكى النبي أصحاب القرون الثلاثة الأولى بين ما يقع بعدهم من انتشار الغدر والخيانة فقال: «ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون»([5]).

وأهل الغدر مفضوحون يوم القيامة كما قال النبي ﷺ: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان»([6]).

ومهما ظن الخائن الغدار أنه يدرك بالغدر والخيانة غايته ويحقق هدفه فهو مخطئ، إذ يرتد عليه سوء عمله، وقد يخونه من خان لأجلهم، وقد يغدرون به كما غدر هو بغيره لهم، وشواهد ذلك من التاريخ، ومن الواقع المشاهد كثيرة جدا.

والأصل في أهل الكفر أنهم يخونون ولا يؤتمنون، ويغدرون ولا يفون، ولذا انتشر في مذاهبهم بزعمهم أن الغاية تسوغ الوسيلة، وانظر إلى تحذير القرءان من الكفار الغدارين الخونة، قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون *الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} [الأنفال: 55، 56]، وفي ءاية أخرى: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم} [الأنفال: 71].

وقد روي عن عمر رضي الله عنه قال: لا تأمنوهم إذ خونهم الله عز وجل.

وانظر إلى مثالين ضربهما القرءان في امرأتين عاشتا عند نبيين فقال الله تعالى: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} [التحريم: 10]، فكانتا تتجسسان على النبيين الكريمين، ولم تكن خيانتهما بالزنا، ولذا قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما زنت امرأة نبي قط».

ونذكر كيف أن اليهود خانت النبي ﷺ ولم يفوا بعهدهم، وكذا كفار مكة لما عقدوا الصلح مع النبي ﷺ في الحديبية لم يمكثوا على عهدهم إلا يسيرا حتى نقضوه، فجاء الفتح ولله الحمد. نسأل الله السلامة.

وفي الحديث: «وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة»([7]).

قال المناوي: «فإنها بئست البطانة: بالكسر، أي: بئس الشيء الذي يستبطن من أمره ويجعله بطانة».

فيا أيها القارئ أنت ترى حين تنحرف بعض النفوس عن هدى مولاها، وتعمى عن الحق بصائرها كيف يستميت أصحابها في نشر باطلهم ويركبون سبلا لتحقيق أهدافهم، نسأل الله السلامة.

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/131)، حديث (2459). قال النووي: الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره ويبطن الكفر، ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار.

([2]) وفي رواية: «أعطى بي العهد».

([3]) صحيح البخاري، البخاري، (3/82)، حديث (2227).

([4]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1357)، حديث (1731).

([5]) صحيح البخاري، البخاري، (8/91)، حديث (6428).

([6]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1359)، حديث (1735).

([7]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1113)، حديث (3354).