الشرح: هذه جملة من نصائح الإمام رضي الله عنه تدور حول موضوع واحد أو تبوب تحت عنوان واحد وهو علاقة العالم بغيره، وإنما كرر وأعاد الإمام للتأكيد ولبيان أهميتها والحث على التخلق بها والتأدب بهذه الخصال الحميدة.
وليتضح وينجلي معنى هذه النصيحة نذكر معنى الإكرام والشرف. فمن معاني الإكرام التعظيم، ومن معاني الشرف العلو والمجد. ولا يتشرف الإنسان إلا بالإسلام وءادابه والتقوى وسبيلها، ولهذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه فيما رواه الحاكم([1]): «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله».
وقال الإمام عبد الله الهرري رحمه الله رحمة واسعة: «ليس الشرف شرف المال، الشرف شرف الدين».
وفي مقدم أهل الشرف العلماء، فلا يخفى على ذي عقل سليم أن للعلم والعلماء مكانة في الدين، وفضلا كبيرا لا ينكر. فقد جاءت نصوص الشريعة متوافرة متعاضدة تعزز من مكانتهم، قال تعالى: {شهد الله أنه لا إلـه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إلـه إلا هو العزيز الحكيم} [ءال عمران: 18].
قال المفسر القرطبي رحمه الله([2]): «في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء». ومراد القرطبي أن العلماء الأتقياء أشرف وأفضل من عامة الناس. فيكفيهم شرفا أن الله رفع من شأنهم، فهم أهل خشيته من بين خلقه، قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، أي: إن العلماء الأتقياء هم أشد خشية لله من غيرهم، وليس كما قال بعض الزنادقة من المتسترين بالمشيخة والتصوف كرجب ديب السوري: «إن الله يعتذر من العلماء يوم القيامة»، والعياذ بالله من هذا الكفر الصريح.
وأبى الشرع التسوية بينهم وبين الجهلة فقال: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]، ورفعهم الله درجات فقال سبحانه: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} [المجادلة: 11].
وور في السنة([3]) أن رسول الله ﷺ قال: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله ﷺ: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير»([4]). فيا له من فضل كبير وشرف عظيم.
ثم اعلم أيها القارئ أن توقير العلم والعلماء من إجلال الله وتعظيمه وتعظيم شريعته، فقد قال ﷺ([5]): «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة الـمسلم، وحامل القرءان غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان الـمقسط».
وهذا الصحابي الجليل ترجمان القرءان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يأخذ بركاب أبي بن كعب، فقيل له: أنت ابن عم رسول الله ﷺ تأخذ بركاب رجل من الأنصار، فقال: إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرف. ذكرها الخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وءاداب السامع»([6]).
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يتقربون إلى الله بالعلماء العاملين بلا غلو ولا جفاء، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته عقيدة أهل السنة قاطبة: «وعلماء السلف السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل».
وكلامه رضي الله عنه محمول على ذكرهم أو ذكر ما حصل من بعضهم لا من باب بيان الحكم الشرعي ولا من باب التحذير أو النصيحة بل من باب التشهي، وعليه نقول: إن القول بأن مقاتلي الخليفة الراشد الذي انعقدت بيعته الشرعية باتفاق أهل الحل والعقد علي بن أبي طالب بغاة لا يدخل تحت قول الطحاوي، إذ هذا ما شهد به النبي ﷺ والقرءان وهل بعد شهادتهما شهادة؟ فهذا كتاب الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]، والنبي ﷺ يقول: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»([7])، وقال للزبير رضي الله عنه([8]): «لتقاتلنه([9]) وأنت ظالم له». وقد نهى ﷺ أمته عن الخروج على الإمام العادل إلا أن يروا كفرا بواحا([10]).
وبعد هذا لا عبرة بقول البعض:
وما جرى بين الصحاب نسكت | عنه وأجر الاجتهاد نثبت |
فكيف يجتهد مع وجود النص – وهو الآيات والأحاديث المارة -، وكيف يكون في المعصية أجر؟! والعجيب أن قائل هذا البيت هو نفسه قال:
ولم يجز في غير محض الكفر | خروجنا على ولي الأمر |
ثم انظر إلى قول الجرجاني عبد القاهر في كتاب «الإمامة»([11]): «وأجمع فقهاء الجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له».
وقال الإمام أبو منصور في كتابه «الفرق بين الفرق»([12]): «وقالوا – أي: أهل السنة -: إن عليا كان على الحق في قتالهم، وأصحاب الجمل كانوا عصاة مخطئين في قتال علي».
وبالعودة لموضوعنا الأول نختمه بقولنا: إن محبة علماء الشريعة الربانيين ومعرفة قدرهم وحفظ مكانتهم والذب عن أعراضهم والانتصار لهم ممن بغى عليهم منهج السلف الصالح ودليل الهدى والاتباع، وفي هذا يقول أبو حاتم الرازي: «إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة».
حفظ الله لنا علماء الأمة وأعلى ذكرهم وزادهم من فضله ونفع بهم خلقه ورد عنهم قالة السوء. ونحن بتوفيق الله نحذر من الطعن فيهم، قال الحافظ ابن عساكر([13]) رحمه الله: «إن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة» أي: ينتقم منهم، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم.
وهنا يجب التحذير من الوهابية التي تعمل على تكفير علماء الأمة وأوليائها كأبي حنيفة الإمام المجتهد المطلق والتابعي الجليل، حيث قام مشايخ الوهابية بطباعة كتاب محرف سمي بكتاب «السنة» كذبا وزورا، وقد ألصق بعبد الله بن أحمد بن حنبل، وفيه يقولون: إن أبا حنيفة ارتد عن الإسلام وهو زنديق، وإن أبا حنيفة أضر على الإسلام من الشيطان، ضرب الله طوقا من نار على قبره وأنه يبيع الخمر، إلى ما هنالك من صفات الذم والقدح التي تقشعر لها جلود الذين ءامنوا، وهي عائدة على الوهابية وزعمائها لا على أبي حنيفة، فأبو حنيفة يكفيه شرفا ومدحا أن الأمة على مدحه من القرن الثاني الهجري إلى يومنا هذا، وقد سجل بعض مشايخ الوهابية بالصوت والصورة في بعض مواقع الإنترنت، فقالوا عن الإمام الجليل: «أبو حنيفة الخبيث والذين يدافعون عنه كفار» والعياذ بالله تعالى، فاعجبوا من وقاحة وخبث الوهابية. وقد من الله علينا ووفقنا إلى تأليف كتاب دحضنا فيه شبهاتهم ومزاعمهم ودافعنا فيه عن الإمام العظيم أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب الحنفي، وقد وسمناه بـ«الأدلة المنيفة في نفي الكفر عن أبي حنيفة» رضي الله تعالى عنه، ولله الحمد والمنة.
فالعجب كل العجب من وقاحة وخبث الوهابية، إذ لم يسلم منهم لا نبي ولا إمام عالم ولا ولي.
([1]) المستدرك على الصحيحين الحاكم، (1/130)، حديث (207).
([2]) الجامع لأحكام القرءان، القرطبي، (4/41).
([3]) سنن أبي داود، أبو داود، (3/317)، حديث (3641).
([4]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/50)، حديث (2685).
([5]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/261)، حديث (4843).
([6]) الجامع لأخلاق الراوي وءاداب السامع، الخطيب البغدادي، (1/188).
([7]) صحيح البخاري، البخاري، (1/97)، حديث (447).
([8]) المستدرك، الحاكم، (3/413)، حديث (5575).
([10]) صحيح البخاري، البخاري، (9/47)، حديث (7056)، صحيح مسلم، (3/1470)، حديث (1709).
([11]) ذكره القرطبي في التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، (1089).