الشرح: إن إكرام الضيف من مكارم الأخلاق وجميل الخصال التي تحلى بها الأنبياء وحث عليها المرسلون واتصف بها الأجواد كرام النفوس.
وقد حثنا نبينا محمد ﷺ على إكرام الضيف، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»([1])، أي أن هذا من كمال الإيمان.
وعن أبي شريح خويلد بن عمرو قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي ﷺ فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته»، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه»([2]).
ويقر النبي ﷺ سلمان الفارسي على قوله لأبي الدرداء: «إن لضيفك عليك حقا»([3]).
وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني مجهود([4])، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: «من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟»، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله([5])، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ، فقال: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة»([6])، والمراد رضي، إذ الانفعال والشعور والإحساس والتعجب والتعب عرض يقوم بالمخلوق وصفة منشؤها تغير يحصل عند الـمحدث، وكل هذا لا يليق بالله. وقد مر الكلام على الرواية الأخرى وهي: «ضحك» وبينا أن المراد الرحمة.
فانظر إلى هذا الكرم كيف رفع منزلة أهل هذا البيت بل حتى إنهم نزل بهم قرءان، قال تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9].
وهنا نود أن نلفت إلى ءاداب عظيمة في الزيارة، إذ ينبغي للمضيف عدم احتقار القليل بل يجود بما عنده ولو بشق تمرة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن احتقار القليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «يا نساء الـمسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة»([7]).
وعنه ﷺ قال([8]) وكان أخير([9]) الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة([10]) التي ليس فيها شيء، فنشقها فنلعق ما فيها».
قال ابن حبان([11]): «ينبغي للعاقل ابتغاء الأضياف وبذل الكسر لأن نعمة الله إذا لم تصن بالقيام في حقوقها ترجع من حيث بدأت، ثم لا ينفع من زالت عنه التلهف عليها ولا الإفكار في الظفر بها، وإذا أدى حق الله فيها استجلب النماء والزيادة واستذخر الأجر في القيامة».
ولا تنس طلاقة الوجه فقد روي عن الأوزاعي أنه قال: «إكرام الضيف طلاقة الوجه وطيب الكلام».
فانظر أيها القارئ إلى فقه الإمام الأوزاعي الذي جعل من إكرام الضيف طلاقة الوجه وطيب الكلام، وقارن ذلك مع بعض الناس اليوم الذين يظنون الضيافة هي مجرد تكثير الطعام، حتى إنك تجد بعضهم يمتنع عن القرى لعدم وجود اللحم في حال وجود الضيف، والقاصد لوجه الله يجود بالموجود ولا يتكلف التكلف الذي هو فوق الطاقة، وأما ما دون ذلك فلا بأس به بل هو محمود لقول الله في شأن خليله إبراهيم لما أتاه الأضياف: {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} [الذاريات: 26]. وقال تعالى: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} [هود: 69].
وعن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع يا رسول الله، قال: «وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا» فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا وسهلا، فقال رسول الله ﷺ: «أين فلان؟»، قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه وأخذ الـمدية([12]) فقال له رسول الله ﷺ: «إياك والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا.
ومن تمام الضيافة أن تفرح بمقدم ضيفك، وتظهر له البشر، وأن تلاطفه بحسن الحديث وتشكره على مجيئه، وتقوم بخدمته.
قال ابن حبان([13]): «ومن إكرام الضيف طيب الكلام وطلاقة الوجه والخدمة بالنفس فإنه لا يذل من خدم أضيافه».
وإذا قدم عليك أكثر من ضيف فاقبل على كل واحد منهم بوجهك ولا تخص أحدا دون الآخر بحديثك أو شيء من ضيافتك، وحاول أن تلتمس رضا كل واحد منهم.
ولقد كان رسول الله ﷺ أكرم الناس لضيوفه وأجودهم وأسخاهم، ومن بحور سنته تعلمنا الرقي. رزقنا الله حسن الاقتداء به، ءامين.
تنبيه: ضيع كثير من الناس في هذه الأزمنة هذا الخلق العظيم فأحجموا وأعرضوا عن استقبال الضيف وإكرامه، ونسوا ما في إكرامه وإدخال السرور إلى قلبه بإدخاله إلى بيوتهم والترحيب به وتقديم ما تيسر له مهما قل من الأجر والخير والبركة؛ بل إن من الناس من يهرب اليوم من الضيف، أو ربما قال لأولاده وأهله: قولوا له والدنا ليس هنا أو فلان ليس في البيت، فمن شدة الجفاء لا يستقبلونه ولا يكلمونه ولا حتى عند الباب، وهذا خلاف سيرة الأنبياء والسلف الصالح.
وينبغي لصاحب البيت أن يضع نفسه مكان هذا الضيف كيف كان يحب أن يستقبل ويكرم ويضاف، فليعامل أضيافه بذلك وأكثر، وبهذا الإحسان قد يعتق الإنسان المسلم من النار، وقد تغفر له الكبائر، وقد تتحقق له من الفوائد والمصالح وتوسعة الرزق ودفع البلايا والمصائب والأمراض والأحزان عنه ما لا يخطر له على بال.
فما أحوجنا اليوم إلى التمسك بمعالي الأمور ومكارم الأخلاق، وكم تغيرت الأحوال والنفوس، وكم ابتعدنا عن سيرة السلف الصالح.
([1]) صحيح البخاري، البخاري، (8/32)، حديث (6135).
([2]) صحيح البخاري، البخاري، (8/11)، حديث (6019).
([3]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/608)، حديث (2413).
([4]) المجهود هو من أصابه الجهد والمشقة والحاجة والجوع.
([6]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1624)، حديث (2054).
([7]) صحيح البخاري، البخاري، (3/153)، حديث (2566).
([8]) صحيح البخاري، البخاري، (5/19)، حديث (3708).
([10]) وعاء من جلد يوضع فيه السمن والعسل.