الإثنين فبراير 16, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وأفش السلام، ولو على قوم لئام».

الشرح: وصية فيها توثيق عرى المحبة بين المسلمين، وهي من علاقة العالم بغيره، ويستفاد منها الأمر بإفشاء السلام.

وأما بالنسبة لمعنى «السلام عليكم» فهو دعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس. قال تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} [النور:61]. وقال نبي الله ﷺ: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه».

وقد عد النبي ﷺ رد السلام من حق الطريق، قال ﷺ: «إياكم والجلوس على الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا الـمجالس، فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن الـمنكر»([1]).

وقد رغبت النصوص في إفشاء السلام، فهذه تحية للمسلمين في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك،‏ فقال: السلام عليكم‏،‏ فقالوا: السلام عليك ورحمة الله»([2]).

وأما في الآخرة فلأن السلام تحية الملائكة للمؤمنين في الجنة، قال تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والـملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24]، وقال تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73].

وهو تحية أهل الجنة في الجنة، قال الله عز وجل: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44]، وقال تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25، 26]، وقال عز وجل: {وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم: 23].

ومن ثمرات إفشاء السلام:

  • السلامة من الحقد، وسلامة الصدر، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «أفشوا السلام تسلموا»([3]).
  • الأجر الكبير، فقد ثبت عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: السلام عليكم، كتب الله له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب الله له عشرين حسنة، فإن قال: وبركاته، كتب الله له ثلاثين حسنة»([4]).
  • اغتياظ اليهود، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين»([5]).
  • علو المسلمين، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أفشوا السلام كي تعلوا». قال المناوي: «أي: يرتفع شأنكم، فإنكم إذا أفشيتموه تحاببتم فاجتمعت كلمتكم فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه».
  • إفشاء السلام من خير الأعمال، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، وعلى من لم تعرف»([6]). وكل الإسلام خير، وإنما سؤاله هنا عن ما هو من خصال الإسلام، أي من خيرها وأفضلها إفشاء السلام.
  • رحمة الله، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام»([7]) والمعنى أطوعهم لله كما في رواية أخرى. قال الطيبي: «أي أقرب الناس من المتلاقين إلى رحمة الله من بدأ السلام».
  • سبب البركة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك»([8]).
  • سبب لمغفرة الذنوب، قال ﷺ: «إن من موجبات المغفرة بذل السلام، وحسن الكلام»([9]).
  • سبب لدخول الجنات بسلام، فعن أبي شريح أنه سأل رسول الله ﷺ أخبرني بشيء يوجب لي الجنة فقال: «طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام»([10]).

تنبيه: قوله: «يوجب لي الجنة» معناه: يكون سببا لي أن أدخل الجنة بسلام، وليس معناه أن هذا العمل يوجب على الله إدخاله الجنة، إذ إن الله تعالى لا يجب عليه شيء. قال ابن رسلان: «وما على الإله شيء يجب».

فالمسلمون يعتقدون أن إدخال الله للمؤمنين الجنة هو محض فضل وتكرم وإحسان منه عز وجل، وإدخال الكافرين وبعض عصاة المسلمين النار محض عدل منه ليس ظلما. فالله لو عذب أهل أرضه بما فيهم الأنبياء وأهل سماواته يعني الملائكة لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم لأن أعمالهم كما تقدم لا توجب على الله إدخالهم الجنة، فرحمته سبحانه خير لهم من أعمالهم، وهذا لا يتنافى ولا يتناقض مع وعد الله تعالى للمؤمنين بالجنة والكافرين بالنار، فوعده سبحانه تفضل منه، ولا يتخلف، بل تخلفه مستحيل، وكذلك وعيده.

وانتبه أيها المسلم من البخل بالسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعجز الناس من عجز في الدعاء، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام»([11])، والمعنى من أعجزهم وأبخلهم، ومعناه إن ترك التسليم على الناس يخسر خيرا عظيما لا أنه عصى الله.

ثم إن للمسلم ءادابا وأحكاما ما أجمل الالتزام بها:

  • أن يكون التسليم بصوت مسموع يسمعه اليقظان ولا ينزعج منه النائم، فقد روى مسلم في صحيحه([12]) عن المقداد رضي الله عنه قال: «فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه، فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان».
  • أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والقليل على الكثير لقول النبي ﷺ([13]): «يسلم الراكب على الـماشي، والـماشي على القاعد، والقليل على الكثير».

وقد نقل الحافظ ابن حجر([14]) عن المازري قوله: «لو ابتدأ الماشي فسلم على الراكب لم يمتنع لأنه ممتثل للأمر بإظهار السلام وإفشائه غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى، وهو خبر بمعنى الأمر على سبيل الاستحباب ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة بل يكون خلاف الأولى، فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا لللسنة إلا إن بادر فيكون تاركا للمستحب أيضا».

  • أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيرا لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار، أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضا»([15]).
  • أن يسلم على أهل بيته عند الدخول عليهم.
  • وليحذر التشبه باليهود والنصارى في السلام، فقد الترمذي في السنن أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا([16]) من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف»([17]). وهذا التشبه هو أن يشير بيده من غير نطق باللسان بالسلام مع أن الذي يريد أن يسلم عليه قريب منه بالمسافة، أما إذا كان الشخص بعيدا بحيث لو سلمت عليه بلسانك لا يسمع فأشرت إليه فلا كراهة في ذلك.
  • السلام في بداية المجلس وعند مفارقته لقوله ﷺ: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فليسلم فإذا أراد أن يقوم، فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة»([18]).
  • أن يسلم على الصبيان إذا لقيهم، فقد روى أبو داود في السنن([19]) عن أنس قال: «أتى رسول الله ﷺ على غلمان يلعبون فسلم عليهم».
  • البشاشة وطلاقة الوجه والمصافحة، فعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان، إلا غفر لهما قبل أن يفترقا»([20]).

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه، وأخذ بيده، فصافحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر»([21]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل الذي ينزع»([22]).

  • أن لا يبدأ الكافر بالسلام، فإن سلم عليه أحد من أهل الكتاب قال: وعليكم. ويجوز عند ابن عباس رد السلام وعند المالكية البدء به والرد مع الكراهة.
  • سلام الرجل على المرأة والعكس: قد ذكر أهل العلم أن الرجل يسلم على المرأة الأجنبية ويرد عليها السلام، وكذا المرأة تسلم على الرجل وترد عليه السلام من باب الجواز، بشرط أمن الفتنة وعدم المصافحة وترك الخضوع بالقول.

وقد سئل الإمام مالك رضي الله عنه: هل يسلم على المرأة؟ فقال: أما الـمتحالة([23]) فلا أكره ذلك، وأما الشابة فلا أحب ذلك. وعلل الزرقاني في شرحه على الموطأ عدم محبة مالك لذلك بخوف الفتنة بسماع ردها السلام.

وذكر ابن مفلح أن ابن منصور قال للإمام أحمد: التسليم على النساء؟ قال: إذا كانت عجوزا فلا بأس به، وقال صالح ابن الإمام أحمد: سألت أبي: يسلم على المرأة؟ قال: أما الكبيرة فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق، يعني لا يطلب منها أن تتكلم برد السلام.

وإذا كانت النساء جمعا فسلم عليهن الرجل أو كان الرجال جمعا فسلموا على المرأة الواحدة جاز بلا كراهة إذا لم يخف عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة.

روى أبو داود([24]) عن أسماء بنت يزيد قال: مر علينا النبي ﷺ في نسوة فسلم علينا.

ولا شك أن النبي ﷺ كان من الفتنة معصوما إن سلم أو سلم عليه. وفي فعله دليل على جواز ذلك وهو تعليم للأمة. والصواب والحق والمعتمد الذي لا محيد عنه أن صوت المرأة ليس عورة.

  • قال النووي رحمه الله: «والأكمل أن يقول: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بالواو، فلو تركها جاز وكان تاركا للأفضل، ولو اقتصر على «عليكم» لم يجزه بلا خلاف، ولو قال: «وعليكم» بالواو ففي إجزائه وجهان لأصحابنا، قالوا: وإن قال المبتدئ: سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب مثله: سلام عليكم أو السلام عليكم كان جوابا وأجزأه»، قال الله تعالى: { قالوا سلاما قال سلام} [هود: 69]، ولكن بالألف واللام أفضل.
  • ومن كان في صلاة فسلم عليه رد بالإشارة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه»، قال: «فجاءته الأنصار، فسلموا عليه وهو يصلي»، قال: «فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟»، قال: «يقول هكذا، وبسط كفه»، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق([25]).
  • إذا دخل بيتا خاليا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد روى البخاري في «الأدب المفرد» عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إذا دخل البيت غير المسكون فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». وقال مجاهد: «إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
  • ثبت عند مسلم أن النبي ﷺ زار المقابر فسلم بقوله: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية»([26]).
  • ولا يقال عند ابتداء السلام: عليك السلام، فقد روى أبو داود في سننه([27]) عن أبي جري جابر بن سليم قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ، قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: «لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت».
  • ومن أرسل رسالة سلم على المرسل إليه فيها، ورد القارئ بعد قراءة السلام: وعليه السلام.
  • ولا يقول للمسلمين: السلام على من اتبع الهدى، فإن النبي ﷺ كتبها إلى أهل الكتاب.
  • وإذا سلم على جماعة ورد واحد أجزأه، وإن اشتركوا في ذلك أجروا. وإذا دخل رجل على جماعة فقال: السلام عليكم جميعا أو فردا فردا، كفى رد أحد الحاضرين.
  • وإذا قال لك أحد: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فالسنة أن تقول: عليك وعليه السلام([28]).
  • ويسلم على الأنبياء إذا ذكرهم كما علمنا ربنا في كتابه حيث قال: {سلام على موسى وهارون} [الصافات: 120]، وقال عز وجل: {سلام على إل ياسين} [الصافات: 130]. وإذا ذكر نبينا محمدا ﷺ قال ﷺ للآية: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

اللهم فقهنا في ديننا، واجعلنا من ورثة أنبيائك والمقتفين لآثارهم ومن السالمين يوم الدين.

([1]) صحيح البخاري، البخاري، (3/132)، حديث (2465).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (4/131)، حديث (3326).

([3]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/245)، حديث (491).

([4]) شعب الإيمان، البيهقي (11/244)، حديث (8485).

([5]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (1/278)، حديث (856).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (12).

([7]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/351)، حديث (5197).

([8]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/59)، حديث (2698).

([9]) المعجم الكبير، الطبراني، (22/180)، حديث (469).

([10]) صحيح ابن حبان، ابن حبان، (2/258)، حديث (504).

([11]) شعب الإيمان، البيهقي، (11/193)، حديث (8392).

([12]) صحيح مسلم، مسلم، (3/1625)، حديث (2055).

([13]) صحيح البخاري، البخاري، (8/52)، حديث (6232).

([14]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (11/17).

([15]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/351)، حديث (5200).

([16]) أي ليس على طريقتنا الكاملة.

([17]) سنن الترمذي، الترمذي، (5/56)، حديث (2695).

([18]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/353) حديث (5208).

([19]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/352)، حديث (5202).

([20]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1220)، حديث (3703).

([21]) المعجم الأوسط، الطبراني، (1/84)، حديث (245).

([22]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/654)، حديث (2490).

([23]) هي العجوز.

([24]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/352)، حديث (5204).

([25]) سنن أبي داود، أبو داود، (1/243)، حديث (927).

([26]) صحيح مسلم، مسلم، (2/671)، حديث (975).

([27]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/56)، حديث (4084).

([28]) والسنة في زيادة: عليك، وإلا فرد السلام واجب.