(قاعدة)
(اللفظ الذى له معنيان أحدهما نوع من أنواع الكفر والآخر ليس كفرا وكان المعنى الذى هو كفر ظاهرا) فى الكفر أى أن المعنى المتبادر للفظ الأكثر استعمالا فيه كفر ولكنه يحتمل أيضا معنى ءاخر على الأقل ليس كفرا فعندئذ (لا يكفر قائله حتى يعرف منه أى المعنيين أراد فإن قال أردت المعنى الكفرى حكم عليه بالكفر وأجرى عليه أحكام الردة وإلا فلا يحكم عليه بالكفر) مثال ذلك أن كلمة النبى تأتى فى اللغة بمعنى الأرض المحدودبة المرتفعة وتأتى بمعنى الإنسان الذى أوحى إليه بالنبوة فلو قال شخص الصلاة على النبى مكروهة فهذا اللفظ يحتمل معنيين أحدهما هو الموافق للمعنى الذى تستعمل فيه كلمة النبى أكثر ما تستعمل وهو الإنسان الذى أوحى إليه فتكون هذه العبارة ظاهرة فى الكفر لكنها تحتمل معنى ءاخر توافق عليه اللغة وإن كان استعمال الكلمة فيه أقل وهو الأرض المحدودبة المرتفعة فمن قال هذه العبارة ينظر فى قصده إن أراد أن الصلاة على الأرض المحدودبة مكروهة لأن الشخص لا يخشع فى صلاته عليها فكلامه صحيح وأما إن أراد أن الصلاة على النبى محمد صلى الله عليه وسلم مكروهة فهو كفر لأنه تكذيب للشريعة قال تعالى فى سورة الأحزاب ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾، (وكذلك إن كان اللفظ له معان كثيرة وكان كل معانيه كفرا وكان معنى واحد منها غير كفر لا يكفر إلا أن يعرف منه إرادة المعنى الكفرى وهذا هو الذى ذكره بعض العلماء الحنفيين فى كتبهم) وسيأتى مثال ذلك إن شاء الله (وأما ما يقوله بعض الناس من أنه إذا كان فى الكلمة تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير أخذ بترك التكفير فلا معنى له) صحيح معتبر لأن العبرة للحكم بالتكفير أو عدمه هى بحسب الدليل لا باعتبار قلة عدد من يقول بالقول كما يزعم هؤلاء وليس الاحتياط هو الأخذ بقول الأقل ولا الأكثر على الإطلاق بل الاحتياط هو لزوم جانب السلامة وجانب السلامة هو الذى يوافق دليل الشرع لا الذى يخالفه بدون شك. وهذا القول المعوج لم يقل به أحد من الأئمة (ولا يصح نسبة ذلك إلى مالك ولا إلى أبى حنيفة) رضى الله عنهما (كما نسب سيد سابق شبه ذلك إلى مالك وهو شائع على ألسنة بعض العصريين فليتقوا الله) وإنما الذى فى عبارات الفقهاء وفى مؤلفاتهم أن من تكلم بلفظ له أوجه عديدة تقتضى التكفير ووجه واحد لا يقتضى التكفير يحكم المفتى بمقتضى الوجه الواحد إلا أن يكون المتلفظ أراد غير ذلك الوجه فلا تنفعه فتوى المفتى وتثبت ردته ومعنى هذا أن الذى يتلفظ بلفظ له عدة معان تقتضى التكفير ومعنى واحد لا يقتضى التكفير لا يحكم بكفره إلا أن يقول إنه أراد المعنى الكفرى، نقل صاحب المضمرات عن الذخيرة من كتب الحنفية أن المسئلة إذا كان فيها وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتى أن يميل إلى الذى يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم ثم إن كان نية القائل الوجه الذى يمنع التكفير فهو مسلم وإن كان نيته الوجه الذى يوجب التكفير لا تنفعه فتوى المفتى ويؤمر بالتوبة والرجوع عن ذلك وبتجديد النكاح بينه وبين امرأته اﻫ وقد ذكر لذلك مثال عن محمد بن الحسن رضى الله عنه وهو أنه لو قيل لرجل صل فقال لا أصلى فإن أراد لا أصلى لأنى قد صليت لا يكفر وإن أراد لا أصلي لقولك لا يكفر وكذا إن أراد لا أصلى أنا متكاسل وأما إن أراد أنه لا يصلى لأنه مستخف بالصلاة فإنه يكفر اﻫ
(قال العلماء أما الصريح أى الذى ليس له إلا معنى واحد يقتضى التكفير فيحكم على قائله بالكفر كقول) إنسان (أنا الله) إلا إذا كان لا يفهم معنى الكلمة التى قالها لضعف إلمامه باللسان الذى قالها به فعندئذ لا يكفر فمن قال كلمة كفرية لا تحتمل إلا معنى واحدا بحسب وضع اللغة ولكن هو ظن أن لها معنى ءاخر غير كفرى فقالها على هذا الوجه الذى ظنه معنى لها وهو غير كفرى فلا يكفر. قاله الملا على القارئ فى شرح الفقه الأكبر وغيره.
والخلاصة أن من حصل منه كلمة كفر صريح ينظر إلى فهمه ولا ينظر إلى قصده فإن كان يفهم المعنى الكفرى ويعلم أنه المعنى الوحيد للكلمة كفر ولو قال لم أقصده ولا يقبل منه تأويل. وإن لم يفهم معناها الكفرى بل ظن أن معناها غير ذلك مما ليس كفرا فلا يكفر ولكن ينهى عن ذلك القول. وأما من حصل منه كلام يحتمل وجهين بحسب وضع اللغة أحدهما كفر والآخر ليس كذلك فإنه ينظر إلى قصد المتكلم فإن كان أراد المعنى الكفرى كفر وإلا فلا يكفر كما تقدم.
ولا فرق فى الحكم على العاقل إذا قال اللفظ الصريح فى الكفر بين أن يكون ممن ينسب إلى الولاية ويظن فيه ذلك وبين غيره (حتى لو صدر هذا اللفظ من ولى فى حالة غيبة عقله) فإنه (يعزر ولو لم يكن هو مكلفا تلك الساعة قال ذلك عز الدين بن عبد السلام وذلك لأن التعزير يؤثر فى من غاب عقله كما يؤثر فى الصاحى العاقل وكما يؤثر فى البهائم فإنها إذا جمحت فضربت تكف عن جموحها مع أنها ليست بعاقلة كذلك الولى الذى نطق بالكفر فى حال الغيبة عندما يضرب أو يصرخ عليه يكف للزاجر الطبيعى) أى لأنه مجبول على الكف والانزجار خوفا من التوبيخ أو العقاب (على أن الولى لا يصدر منه كفر فى حال حضور عقله إلا أن يسبق لسانه) بلفظ كفرى (لأن الولى محفوظ من الكفر) لأن من صار من أحباب الله وأصفيائه لا ينقلب بعد ذلك عدوا من أعدائه (بخلاف المعصية الكبيرة أو الصغيرة فإن ذلك يجوز على الولى) سئل الجنيد رضى الله عنه هل يقع الولى فى الكبيرة فقال فى سورة الأحزاب ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ اﻫ أى إذا شاء الله له ذلك حصل منه (لكن لا يستمر عليه بل يتوب عن قرب. وقد يحصل من الولى معصية كبيرة قبل موته بقليل لكن لا يموت إلا وقد تاب كطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضى الله عنهما فإنهما خرجا على أمير المؤمنين على رضى الله عنه) أى تركا طاعته وخالفاه (بوقوفهما مع الذين قاتلوه فى البصرة فذكر على كلا منهما حديثا أما الزبير فقال له ألم يقل لك رسول الله) صلى الله عليه وسلم (إنك لتقاتلن عليا وأنت ظالم له فقال نسيت فذهب منصرفا عن قتاله) تائبا من مفارقة طاعته (ثم لحقه فى طريقه رجل من جيش على) يقال له عمرو بن جرموز (فقتله) بالرمح فى موضع يسمى وادى السباع (فتاب) الزبير رضى الله عنه (بتذكير على له فلم يمت إلا تائبا. وأما طلحة فقال له على ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كنت مولاه فعلى مولاه) أى من كان النبى صلى الله عليه وسلم ناصره فعلى ينصره أى كما أن النبى صلى الله عليه وسلم ينصر صاحب الحق على وفق الشرع كذلك على لا ينصر إلا صاحب الحق على وفق الشرع (فذهب) طلحة (منصرفا) عندما سمع ذلك أى أراد أن يترك الوقوف مع المعسكر المضاد لأمير المؤمنين (فضربه) أى رماه بسهم (مروان بن الحكم) كما روى من طرق عند ابن سعد وغيره وكان فى المعسكر المضاد لعلى (فقتله وهو) أى طلحة (أيضا تاب وندم عند ذكر على له هذا الحديث فكل منهما ما مات إلا تائبا. وكلا الحديثين صحيح) الأول رواه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح ووافقه الذهبى والثانى أى من كنت مولاه فعلى مولاه أخرجه الترمذى فى سننه وقال حسن صحيح (بل الحديث الثانى متواتر) كما قال الحافظ السيوطى فى الأزهار المتناثرة والحافظ الزبيدى فى لقط اللآلئ والكتانى فى نظم المتناثر وغيرهم من المحدثين والحفاظ فلا ينسب إلى طلحة والزبير رضى الله عنهما سوء خاتمة ولا يجوز الطعن فيهما ولا الحط من منزلتهما لأن السعادة قد سبقت لهما وشاء الله تبارك وتعالى أن يكونا من أفضل صحابة الأنبياء ولذلك ما جاءهما الموت إلا بعد أن خرجا من مخالفة أمير المؤمنين الواجب الطاعة (وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعرى أن طلحة والزبير مغفور لهما لأجل البشارة التى بشرهما رسول الله) صلى الله عليه وسلم (بها مع ثمانية ءاخرين فى مجلس واحد) فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر فى الجنة عمر فى الجنة عثمان بن عفان فى الجنة على بن أبى طالب فى الجنة طلحة بن عبيد الله فى الجنة الزبير بن العوام فى الجنة سعد بن أبى وقاص فى الجنة أبو عبيدة بن الجراح فى الجنة عبد الرحمٰن بن عوف فى الجنة وسعيد بن زيد فى الجنة اﻫ وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم (فهذا من الإمام أبى الحسن الأشعرى) أى قوله بأن طلحة والزبير مغفور لهما (إثبات) منه (أنهما أثما. وكذلك قال فى حق عائشة) رضى الله عنها (لأجل أنها مبشرة أيضا وكانت ندمت ندما شديدا من وقوفها فى) معسكر (المقاتلين لعلى حتى كانت حين تذكر سيرها إلى البصرة ووقوفها مع المقاتلين لعلى تبكى بكاء شديدا يبتل من دموعها خمارها) رواه ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما (وهذا متواتر أيضا) عنها (وقال) الأشعرى أبو الحسن (فى غيرهما من مقاتلى على من أهل وقعة الجمل ومن أهل صفين الذين قاتلوا مع معاوية عليا) إن خطأهم (مجوز غفرانه والعفو عنه) أى ويجوز عدم غفرانه فيتعذب مرتكبه بسببه عندئذ وفى هذا دلالة على أنه إثم محرم لكنه لا يبلغ درجة الكفر (كما) تقول الرافضة و(نقل ذلك الإمام أبو بكر بن فورك عن أبى الحسن الأشعرى فى كتابه مجرد مقالات الأشعرى. وابن فورك تلميذ تلميذ أبى الحسن الأشعرى وهو أبو الحسن الباهلى رضى الله عنهم) ترجمه الحافظ ابن عساكر فى التبيين وفيه أنه كان يقول أحسن أحوالى أن أفهم كلام أبى الحسن الأشعرى وكان بعض تلاميذه يقول أحسن أحوالى أن أفهم كلام أبى الحسن الباهلى اﻫ (وما يظن بعض الجهلة من أن الولى لا يقع فى معصية فهو جهل فظيع) حتى قال الشيخ خالد النقشبندى من ظن أن الولى لا يقع فى معصية فهو لم يعرف الفرق على التمام بين النبى والولى اﻫ (فهؤلاء الثلاثة طلحة والزبير وعائشة من أكابر الأولياء) ومع ذلك صدر منهم ما صدر لكنهم أسرعوا بالتوبة كما هو شأن الأولياء نفعنا الله تعالى بهم وبلغنا مراتبهم.
(قال إمام الحرمين) عبد الملك (الجوينى اتفق الأصوليون على أن من نطق بكلمة الردة أى) الكلمة الصريحة فى (الكفر وزعم أنه أضمر تورية) أى معنى بعيدا لا تحتمله اللغة غير المعنى المتبادر من الكلمة (كفر ظاهرا) فيحكم عليه بحكم الكفار عندنا (وباطنا) أى ويكون خارجا من الإسلام عند الله تعالى كذلك (وأقرهم على ذلك أى) وافقهم عليه (فلا ينفعه التأويل البعيد كالذى يقول) بعامية بعض البلاد (يلعن رسول الله) ومعناه عندهم لعن المتكلم للنبى صلى الله عليه وسلم (ويقول قصدى برسول الله) الذى ألعنه (الصواعق) أليس الله يرسلها أو يقول قصدى برسول الله العقرب فإن الله يرسله على من يلدغه وذلك لأن اللغة لا تحتمل هذا المعنى الذى ادعى أنه يقصده مع علمه بذلك إذ لا يخفى على من مارس لسان العرب أنهم لم يسموا الصاعقة رسول الله قط ولا سموا العقرب بذلك قط. وممن نص على هذا الحكم الذى ذكره شيخنا المصنف رحمه الله القاضى عياض فى الشفا. (وقد عد كثير من الفقهاء كالفقيه الحنفى بدر) الدين (الرشيد وهو قريب من القرن الثامن الهجرى) توفى سنة ثمان وستين وسبعمائة (أشياء كثيرة) من المكفرات (فينبغى الاطلاع عليها فإن من لم يعرف الشر يقع فيه) من غير أن يعرف أنه شر (فليحذر فقد ثبت عن أحد الصحابة أنه أخذ لسانه وخاطبه) قائلا (يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه) اﻫ رواه الطبرانى فى المعجم الكبير بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه (ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر. وفى حديث ءاخر للرسول صلى الله عليه وسلم إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوى بها فى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) اﻫ (رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة) رضى الله عنه ومعناه أن الإنسان قد يتكلم بكلمة لا يرى أن فيها ذنبا ولا يراها ضارة له يستوجب بها النزول فى جهنم أبعد مما بين المشرق والمغرب أى فيصل إلى قعرها كما يدل على ذلك حديث الترمذى مرفوعا إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها فى النار سبعين خريفا اﻫ أى سبعين سنة وذلك قعر جهنم الذى لا يصله عصاة المسلمين. وفى هذا الحديث بيان واضح على أن الكلمة الكفرية توقع صاحبها فى الكفر من غير فرق بين أن يكون منشرح البال بها أو غير منشرح.