قال المؤلف رحمه الله: (فصل): يجب على ولي الصبي والصبية المميزين أن يأمرهما بالصلاة ويعلمهما أحكامها بعد سبع سنين قمرية.
الشرح هذا الفصل فيما يجب على أولياء الصبيان والصبيات على الأب والأم [الجد والجدة داخلان تحت قولنا: «الأب والأم»، فإذا اجتمع الأب والأم والجد والجدة فقام واحد منهم بذلك كفى، فإن لم يقم به وجب على الآخر، وإن ترك الكل أثموا كلهم] وكذا الوصي [الذي يوصيه الأب بالنظر في أمر ابنه والتصرف له بعد موته. يقول إذا مت ففلان وصي على أولادي ينظر في أمورهم فإن كان دينا يقوم مقام الأب، ينفق عليهم من أموال أبيهم التي تركها لنفقاتهم ويعلمهم ما ينفعهم من علم الدين وعلم المعيشة ويأمرهم بالصلاة لسبع ويضربهم على تركها إذا بلغوا عشر سنين] والقيم [القيم هو الذي يعينه القاضي للنظر في أمر اليتيم] ومالك العبد والمستعير للعبد والملتقط [إن كان لقيطا فعلى اللاقط وإن كان عبدا مستعارا فعلى المستعير] والحاكم. فإن لم يوجد واحد من الأب والأم والجد والجدة ولا وجد القاضي ولا الوصي الذي يوصيه الأب ولا القيم يجب على غيرهم أن يأمرهم. فإن كان غلام ليس تحت رعاية أبيه ولا جده ولا وصي ولا قيم ولا قاض شرعي وجب على من يسكن في محلته وعلم بحاله أن يأمره على وجه الكفاية.
وإنما يجب الأمر بعد سبع سنين قمرية أي بعد تمام سبع سنين على الفور إن حصل التمييز وذلك بأن يفهم الخطاب ويرد الجواب، فلو سئل رمضان كم مرة يأتي في العام وكم شهرا السنة وكم يوما الأسبوع وفي أي جهة القبلة مثلا يعرف الإجابة. وبعضهم فسر التمييز بالاستقلال بالأكل والشرب والاستنجاء. ويكون الأمر بالصلاة بعد تعليم أحكامها وأمورها فإن تعليمهما أمورها بعد سبع سنين واجب، ويكون الأمر بتشديد ليس بطريقة لا تشعرهما بأهمية أداء فرائض الصلوات.
ولو ميز الولد قبل سبع سنين لا يجب أمره بالصلاة ولكن أمره بذلك أحسن، وأما قبل التمييز فلا يقال له «صل» إنما يقال له «انظر كيف الصلاة».
ثم في أمور الشرع الأشهر والسنون القمرية هي التي تتعلق بها الأحكام. فيجب مراعاة الأهلة لتطبيق الأحكام الشرعية كالصيام والحج والعدة التي يرجع فيها إلى ترائي الهلال. في الماضي كانت الحكومات هي تراعي هذه الأشياء فكانوا يتراءون الهلال كل شهر حفظا لهذه الأحكام وهو فرض كفاية.
والصبي يؤمر بالقضاء كما يؤمر بالأداء، وكذلك يؤمر بقضاء الصوم إن كان يطيقه.
قال المؤلف رحمه الله: ويضربهما على تركها بعد عشر سنين كصوم أطاقاه.
الشرح يجب على الأب والأم ضرب الصبي والصبية على ترك الصلاة بعد عشر سنين لقوله صلى الله عليه وسلم «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود [في سننه].
وفي حواشي الروضة للبلقيني: «فائدة بل يجب التفريق ببلوغ سبع سنين لحديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده الذي رواه الدارقطني والحاكم وقال إنه صحيح على شرط مسلم وفيها «إذا بلغ أولادكم سبع سنين ففرقوا بين فرشهم». وعمدة ما قاله المصنف حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه محتمل والترجمة [أي هذا الإسناد] متكلم فيها والشافعي لا يحتج بها كما قال ابن المنذر» اهـ.
فالشافعي لا يعتبر أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة وقد أجاد البلقيني في هذا فالتفريق في المضاجع يكون من بلوغ سبع سنين على المعتمد وعلى ظاهر الرواية الأخرى يجب بعد عشر لكن المعتمد حديث سبع سنين.
وذكر الحافظ الفقيه الشافعي أبو زرعة العراقي في كتابه الأجوبة المرضية ما نصه: «مسألة في رجل أمر زوجته بالصلاة فامتنعت وأصرت على ذلك تكاسلا فهل يلحقه إثمها بالإصرار وهل يلزمه طلاقها والحالة هذه، وكذلك الأولاد والخدم إذا فعلوا ذلك ولم يسمعوا منه هل يلحقه شىء منهم في الآخرة؟ فأجبت: إذا أمر بالصلاة وزجر عن تركها وتوعد على ذلك أو فعل ما أمكن لم يكن عليه بعد ذلك إثم إذا لم يفعلوا، قال الله تعالى ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ [سورة طه/132] فلم يأمر الله تعالى بسوى الأمر، قال تعالى ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ [سورة النحل/82]. وينبغي عند الإصرار على ذلك هجرانهم إلا لضرورة شديدة. وطلاق المصرة على ترك الصلاة أرجح من المقام معها فإنها كافرة عند من يكفر بترك الصلاة وفاسقة مرتكبة إثما عظيما عند من لا يكفر بذلك لكن يوجب القتل به وكذا عند من لا يوجب إلا التعزير، ولكنه لو لم يطلق لم يكن مأثوما بعد القيام بما عليه من الأمر والزجر والله أعلم» انتهى كلام العراقي.
فيعلم من هذا عدم وجوب ضرب الزوجة على ترك الصلاة كما يجب ضرب الصبي الذي بلغ عشر سنين.
والصيام الذي يطيقه الصبي والصبية كذلك يجب على الآباء والأمهات ومن ذكر الأمر به لسبع وضربهما عليه بعد إكمال عشر سنين، والعبرة بالسنين القمرية لا بالسنين الشمسية، أما إن كانا لا يطيقان الصيام فلا يجب الأمر بالصيام.
وهذا الضرب يشترط أن يكون غير مبرح أي غير مؤد إلى الهلاك لأن الضرب المؤدي للهلاك حرام على الولي وكذا الزوج بالنسبة للزوجة الناشزة.
قال المؤلف رحمه الله: ويجب عليه أيضا تعليمهما من العقائد والأحكام يجب كذا ويحرم كذا ومشروعية السواك والجماعة. قال ابن الجوزي في كتابه حفظ العلم: الولد إن صار مميزا فإن أول ما يعلم شىء في العقيدة ثم شىء في الطهارة ثم شىء من القرءان.
الشرح أن من الواجب على الأبوين نحو أولادهما تعليم الصبي والصبية ما يجب عليهما بعد البلوغ أي من أمور الدين الضرورية التي يشترك في معرفتها الخاص والعام وهو ما كان من أصول العقيدة من وجود الله ووحدانيته وقدمه وبقائه وقيامه بنفسه ومخالفته للحوادث في الذات والصفات أي أنه لا يشبه شيئا من المخلوقات لا يشبه الضوء والظلام والإنسان والنبات والجمادات من الكواكب وغيرها وأنه ليس جسما، وأن لله قدرة وإرادة وسمعا وبصرا وعلما وحياة وكلاما، وأن محمدا عبد الله ورسوله وأنه خاتم الأنبياء وأنه عربي وأنه ولد بمكة وهاجر إلى المدينة ودفن فيها، وأن الله أرسل أنبياء أولهم ءادم وأنه أنزل كتبا على الأنبياء، وأن لله ملائكة وأنه سيفني الجن والإنس والملائكة وكل ذي روح ثم يعادون إلى الحياة، وأن الجن والإنس يجزون بعد ذلك على حسناتهم بالنعيم المقيم وعلى سيئاتهم بالعذاب الأليم، وأن الكافر حرام عليه الجنة وأن من لا يؤمن بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم كافر لا يدخل الجنة، وأن الله أعد للمؤمنين دارا يتنعمون فيها تسمى الجنة وللكافرين دارا تسمى جهنم، وما أشبه ذلك.
وكذلك تعليمهم حرمة السرقة والكذب ولو مزحا والزنى وهو إدخال الذكر في فرج المرأة غير زوجته وأمته، واللواط وهو إدخال الذكر في الدبر أي دبر غير زوجته وأمته [وجماع الزوجة في دبرها حرام لكن لا يسمى لواطا]، وتعليمهم حرمة الغيبة والنميمة وضرب المسلم ظلما ونحو ذلك من الأمور الظاهرة.
وكذلك تعليمهم أن استعمال السواك سنة، وأن صلاة الجماعة أمر مشروع، وما أشبه ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: ويجب على ولاة الأمر قتل تارك الصلاة كسلا إن لم يتب.
الشرح يجب على إمام المسلمين والسلطان الذي ولاه الإمام [السلطان فوق الأمير، والخليفة فوق السلطان] والقاضي أن يقتل تارك الصلاة كسلا بعد إنذاره أنه إن ترك الظهر مثلا إلى أن تغيب الشمس يقتله فإذا لم يصلها حتى غربت الشمس وجب عليه أن يقتله [والقاعدة في ذلك أنه إذا كانت الصلاة الثانية تجمع معها للعذر فإذا مضى وقت الصلاة الثانية ولم يصلها قضاء يقتل وإلا فإلى انقضاء وقتها هي، ففي الصبح يقتل بعد توعده على تركها إذا طلعت الشمس ولم يشتغل بالقضاء]، ويكون هذا القتل كفارة له أي تطهيرا له لأنه مسلم حيث إنه لا ينكر فرضية الصلاة. وأما تاركها جحودا فهو مرتد فيطالبه السلطان بالرجوع إلى الإسلام فإن رجع وإلا قتله لكفره لا للحد.
وقوله: «إن لم يتب» أراد به أنه إن تاب قبل أن يقتل ترك من القتل.
قال المؤلف رحمه الله: وحكمه أنه مسلم.
الشرح أن الذي يترك الصلاة كسلا إذا قتله الإمام أو من ولاه حدا لتطهيره يجرى عليه أحكام المسلمين، فيجب تجهيزه بالغسل والتكفين والصلاة عليه والدفن، ولا يجوز قتله لغير الإمام ومن فوض إليه الإمام الأمر. ومعنى يقتل حدا لتطهيره أي أن الله لا يعذبه على هذا الذنب الذي أقيم عليه الحد فيه. وهذا الحكم في كل الحدود لقوله عليه الصلاة والسلام «الحدود كفارات».
قال المؤلف رحمه الله: ويجب على كل مسلم أمر أهله بالصلاة.
الشرح المراد بهذا الوجوب الكفائي، وبالأهل أولاده وزوجته ومن في معناهم فهذا إن كان عالما بنفسه فيجب عليه أن يعلمهم أو يمكنهم من التعلم عند من يعلمهم فيحرم عليه عندئذ منعهم من الخروج للتعلم، حتى الزوجة لا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج للتعلم إذا لم يكن هو عالما بذلك أو كان عالما بذلك لكنه أهمل التعليم ولم يأتها بمن يعلمها. وهذا مأخوذ من قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ [سورة التحريم/6]، قال سيدنا علي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير» أي أمور الدين -رواه الحاكم [في المستدرك] – فمن تعلم لنفسه ضروريات علم الدين وعلم أهله فقد حفظ نفسه وأهله من نار جهنم ومن لم يفعل فقد أهلك نفسه وأهله.
قال المؤلف رحمه الله: وكل من قدر عليه من غيرهم.
الشرح يجب على المسلم والمسلمة الأمر بالمعروف من صلاة وصيام ونحو ذلك من الواجبات، مع تعليم من يستطاع تعليمه أحكامها الضرورية إن كانوا لا يعلمون ذلك وجوبا كفائيا في حق غير أهله من سائر المسلمين.