* الأولى: لو فرضت مناظرة بين المجسم كالوهابي الذي يثبت الحد والكمية والحجم لله وبين عابد الشمس، فقال الوهابي لعابد الشمس: أنت دينك باطل لأنك تعبد غير الله وأنا ديني هو الصحيح، فقال له عابد الشمس: أنا معبودي شيء محسوس تعترف بوجوده ويعترف كل الناس بوجوده وتعترف بعظم نفعه للأبدان وللنبات وللشجر وللأرض وللهواء وللماء، أما معبودك الذي أنت تقول هو الله شيء ليس بمرئي لي ولا لك، إنما أنت تتوهم أن شيئا موجودا فوق العرش إلهك الذي تزعمه فكيف يكون ديني باطلا ودينك حقا، فإن قال الوهابي: لأن الله قال في القرءان أفي الله شك {10} [سورة إبراهيم] قال عابد الشمس: أنا لا أؤمن بكتابك أعطني دليلا حسيا يشهد به الحس أو دليلا عقليا، انقطع الوهابي المجسم عن الإجابة أمام هذا المشرك عابد الشمس.
* الثانية: ولو فرضت هذه المناظرة بين مسلم منزه لله عن الكمية والحد لأجابه بقوله: إن معبودي موجود لا كالموجودات ليس له كمية ولا حد فهو الذي لا يحتاج إلى خالق يوجده ولا إلى مخصص خصصه بل هو منزه عن ذلك، وأما معبودك الذي هو الشمس فله كمية وحد فيحتاج إلى من جعله على هذا الحد والكمية والشكل فلا يصلح أن يكون إلها، بل الذي جعله على هذا الحد والكمية هو الذي يصلح أن يكون إلها معبودا، والحق يقضي بأن الشىء الذي له حد لا بد له من حاد حده بذلك الحد، فيكون السني المنزه عن الحد والجسمية غلب عابد الشمس وأفحمه، وبهذا الدليل العقلي ينكسر عابد الشمس وينقطع، فالحمد لله الذي وفق أهل السنة لمعرفة الدليل العقلي والنقلي المتعاضدين، والنقلي هو قوله تعالى ليس كمثله شىء {11} [سورة الشورى] فإنه ينفي عن الله الجسمية والتحيز وكل صفات الجسمية، ولله الحمد على هذه النعمة.
* الثالثة: قد سبق في هذا الكتاب أن حديث: “ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا” الحديث، المراد به نزول الملائكة بأمره تعالى ليبلغوا عنه أنه وعد من يدعوه بالاستجابة ومن يستغفره بالمغفرة ومن يسأله بالإعطاء. قال ابن تيمية في شرح هذا الحديث في كتابه شرح حديث النزول وغيره بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش، فهذا من أسخف القول، كيف يجعل النزول نزولا من العرش إلى السماء الدنيا من غير أن يخلو منه العرش، وهذا مصداق قول الحافظ أبي زرعة العراقي فيه إن علمه أكبر من عقله.
* الرابعة: قولهم: قال مالك رضي الله عنه: “الاستواء معلوم والكيفية مجهولة” أو “والكيف مجهول”، يريدون بذلك أن استواء الله جلوس على العرش لكن لا نعرف كيفية ذلك الجلوس. والجواب عن ذلك: روي عن الإمام مالك صيغتان الأولى وهي الثابتة عنه بالإسناد “استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع”، والثانية “الاستواء معلوم والكيف غير معقول”، ومعنى “والكيف غير معقول” أي أن الله لا يقبل العقل أن يكون له كيف أي هيئة من الهيئات، وليس معناه أن استواءه هو الجلوس لكن لا تعرف كيفية جلوسه وهذا الذي تريده الوهابية وغيرهم من المجسمة.
* الخامسة: إيرادهم كلمة “بلا كيف” على غير المعنى الذي روي عن مالك والليث بن سعد والأوزاعي وسفيان الثوري رضي الله عنهم بأنهم كانوا يقولون في بعض النصوص التي ظواهرها إثبات الجسمية أو صفات الجسمية كحديث النزول: “أمروها كما جاءت بلا كيف”، أي ارووا اللفظ ولا تعتقدوا تلك الظواهر التي هي من صفات الجسم، فالأئمة مرادهم نفي الجسمية وصفاتها عن الله أي أن هذه النصوص ليس معانيها الجسمية وصفاتها من حركة وسكون لأن الله تعالى نفى الجسمية وصفاتها عن نفسه بقوله: ليس كمثله شىء {11} ، وأراد الأئمة رد تلك النصوص إلى هذه الآية المحكمة، أما الوهابية فيريدون بذلك إثبات الكيف لله لكن يموهون على الناس بقولهم إن هذه النصوص محمولة على الجسمية وصفات الجسمية لكن لا نعرف كيفية تلك الكيفية.
* السادسة: قولهم إن استواء الله على العرش جلوس لكن لا كجلوسنا ويستشهدون لذلك بقول بعض الأئمة “لله وجه لا كوجوهنا ويد لا كأيدينا وعين لا كأعيننا”. والجواب عنها: أن الجلوس في لغة العرب لا يكون إلا من صفات الأجسام، فالعرب لا تطلق الجلوس إلا على اتصال جسم بجسم على أن يكون أحد الجسمين له نصفان نصف أعلى ونصف أسفل، وليس للجلوس في لغة العرب معنى إلا هذا، وهم في هذا أثبتوا – أي الوهابية – الجسمية لله وبعض صفاتها ولا يجوز ذلك على الله لأنه لو كان كذلك لكان له أمثال لا تحصى، فالجلوس يشترك فيه الإنسان والجن والملائكة والبقر والكلب والقرد والحشرات وإن اختلفت صفات الجلوس. ويقال لهم: أما الوجه واليد والعين فليست كذلك فإن الوجه في لغة العرب يطلق على الجسم وعلى غير الجسم، والوجه بمعنى الجسم هو هذا الجزء الذي هو مركب في ابن ءادم وفي سائر ذوات الأرواح. وأما معنى الوجه الذي هو غير هذا الجزء في لغة العرب فمنه الملك كما فسر سفيان الثوري في تفسيره والبخاري في جامعه قوله تعالى: كل شىء هالك إلا وجهه {88} [سورة القصص] قالا: إلا ملكه، ويطلق الوجه إذا أضيف إلى الله بمعنى ما يقرب إلى الله من الأعمال كالصلاة والصيام وسائر الأعمال الصالحة. ويطلق على الذات، والذات بالنسبة إلى المخلوقين الجرم الكثيف أو اللطيف كحجم الإنسان وحجم النور والريح هذا معنى الذات في المخلوق، أما الذات إذا أضيف إلى الله فمعناه حقيقته لا بمعنى الحجم الكثيف أو اللطيف. وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون المرأة من وجه الله إذا كانت في قعر بيتها”، فالوجه هنا ليس له معنى إلا الطاعة فلا يفسر هنا بالذات أي ذات الله الذي هو حقيقة لا يشبه الحقائق، والحديث صححه ابن حبان والحافظ أبو الحسن بن القطان في كتاب النظر. ولا يتجرأ الوهابية أن يفسروا الوجه هنا بالذات. وأما اليد فلها في لغة العرب معان منها ما هو أجرام وأجسام ومنها ما هو غير الأجرام، فاليد تأتي بمعنى الجارحة التي هي مركبة في الإنسان وفي البهائم، وتأتي بمعنى غير الجرم كالقوة، وتأتي بمعنى العهد. وأما العين فتطلق في لغة العرب على الجرم كعين الإنسان والحيوانات، وتطلق على الذهب، وتطلق على الجاسوس، وتطلق على الماء النابع، وتطلق بمعنى الحفظ. وبهذا بان الفرق بين الجلوس وبين الوجه واليد والعين.
فلما كانت هذه الألفاظ الثلاثة واردة في القرءان مضافة إلى الله كان لها معان غير الجسم وصفات الجسم؛ فأراد أبو حنيفة وغيره من الذين أطلقوا هذه العبارة “لله وجه لا كوجوهنا ويد لا كأيدينا وعين لا كأعيننا” معاني هذه الألفاظ الثلاثة التي هي غير الجسم ولا هي صفة جسم مما يليق بالله كالقوة والملك والذات والحفظ كما قال المفسرون في تفسير قول الله تعالى: ولتصنع على عيني {39} [سورة طه] قالوا: على حفظي.
ولهم – أي الوهابية – تمويه ءاخر وهو قولهم: “نثبت لله ما أثبت لنفسه وننفي عنه ما نفى عن نفسه”، يقال لهم: أنتم على عكس الحقيقة تثبتون لله الجسمية وصفاتها والحركة والسكون والتحيز في جهة واحدة أو مكان واحد وهذا شىء نفاه الله عن نفسه بقوله ليس كمثله شىء {11} [سورة الشورى] تدعون أن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى {5} [سورة طه] أنه جلوس على العرش والجلوس صفة للإنسان والجن والملائكة والبقر وسائر البهائم والكلاب والقرود والحشرات وهذا تنقيص لله تعالى، أما الذي تنفونه وهو تفسير الاستواء بالقهر فهو شىء أثبته الله لنفسه بقوله وهو الواحد القهار {16} [سورة الرعد]. لذلك جرت عادة المسلمين أن يسموا أولادهم عبد القاهر ولم يسم أحد من المسلمين عبد الجالس. ويقال لهم: أثبت الله لنفسه الاستواء الذي يليق به وهو القهر وبمعناه الاستيلاء وقد قال شارح القاموس وأبو القاسم الأصبهاني اللغوي المشهور في مفردات القرءان إن الاستواء إذا عدي بعلى كان معناه الاستيلاء، ولا معنى لقول ابن الأعرابي إن الاستيلاء لا يكون إلا عن سبق مغالبة، فإنكم تركتم الاستواء اللائق لله تعالى وعمدتم إلى الاستواء الذي هو لا يليق به وهو الجلوس.
وأشد شبهة لهم قولهم إنه يلزم من نفي التحيز في المكان عن الله تعالى كالتحيز في جهة فوق نفي لوجوده تعالى، يقال لهم: ليس من شرط الوجود التحيز في المكان لأن الله تبارك وتعالى كان قبل المكان والزمان والجهات والأجرام الكثيفة واللطيفة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان الله ولم يكن شىء غيره” فأفهمنا أن الله تعالى كان قبل المكان والزمان والنور والظلام والجهات، فإذا صح وجوده قبل هؤلاء وقبل كل مخلوق صح وجوده بلا تحيز في جهة ومكان بعد وجود الخلق. وهذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره تفسير لقول الله تعالى: هو الأول {3} [سورة الحديد] فقد وصف ربنا نفسه بالأولية المطلقة فلا أول على الإطلاق إلا الله، أما أولية بعض المخلوقات بالنسبة لبعض فهي أولية نسبية. وأنتم أيها المجسمة لما حصرتم الموجود فيما يتصوره الوهم وهو ما يكون متحيزا في جهة ومكان، فهذا قياس منكم للخالق بالمخلوق، لأن المخلوق لما كان لا يخرج عن كونه جرما كثيفا أو لطيفا أو صفة تابعة للجرم كالحركة والسكون قطعتم بعدم صحة وجود ما ليس كذلك، فبهذا التقرير بطلت شبهتهم وتمويههم.
واعلموا أن أصل مصيبتكم هو أنكم جعلتم الله جرما فقلتم: لا يصح وجود الله بلا تحيز في جهة ولم تقبل نفوسكم وجود ما ليس بمتحيز وهو الله تعالى الذي نفى عن نفسه المثل بقوله ليس كمثله شىء {11} [سورة الشورى] وخرجتم عما توارد عليه السلف والخلف وهو قولهم: “مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك” قال هذه العبارة الإمام أحمد بن حنبل والإمام الزاهد الناسك ذو النون المصري وهما كانا متعاصرين، وبمعناه عبارة الشافعي المشهورة: “من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه”، وأنتم يا معشر المشبهة معتقدكم أن الله جرم حتى قال بعضهم إنه جرم بقدر العرش من الجوانب الأربعة، وقال بعضكم إنه يزيد على العرش، وقال بعضكم هو على بعض العرش، وقال بعضكم إنه بصورة إنسان طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، وزعيمكم ابن تيمية مرة قال إنه بقدر العرش لا يفضل منه شىء بل يزيد، ومرة قال إنه جالس على الكرسي وقد أخلى موضعا لمحمد ليقعده فيه، والأول من هذين القولين في كتابه المنهاج والثاني في الفتاوى وكتابه المسمى كتاب العرش الذي اطلع عليه الإمام المفسر النحوي اللغوي أبو حيان الأندلسي، وقال الحافظ أبو سعيد العلائي شيخ مشايخ الحافظ ابن حجر العسقلاني إن ابن تيمية قال إنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر. وقول الوهابية إن الفطرة في كل إنسان تقضي بأن الله متحيز بجهة الفوق أي العرش منقوض بشواهد الوجود لأن من الناس من يعتقدون أن هذه السماء الدنيا التي لونها الخضرة الخفيفة هي الله، ومن الناس من يعتقد أن الله كتلة نورانية حتى إنه ظهر من بعض الناس المنتسبين للإسلام أن الله في مكة والمدينة، وبعض المشبهة قالوا بأنه في إحدى السموات السبع، ومنهم من بلغت به الوقاحة وهو أحد مشبهة الحنابلة ألف كتابا رتبه هكذا: باب اليدين باب العين ثم باب كذا ثم باب كذا إلى أن قال باب الفرج لم يرد فيه شىء،فيقال للوهابية: يا معشر المشبهة أي هؤلاء على الفطرة التي تزعمون أن الإنسان إذا خلي وطبعه يجزم أن الله متحيز في السماء، وما هي الفطرة التي خلق الله عليها البشر التي هي الصواب والحق؟ إنما الفطرة هي ما وافق العقل والدليل العقلي ووافق التنزيه عن الجسمية وصفاتها وعوارضها، وهذا ما فهمه جمهور علماء الطوائف المنتسبة إلى الإسلام.
وأما العلو الوارد وصف الله تعالى به فنذكر ما قاله الإمام أبو منصور البغدادي في تفسير الأسماء والصفات ونصه: “والوجه الثالث أن يكون العلو بمعنى الغلبة، قال الله عز وجل: وأنتم الأعلون {139} [سورة ءال عمران] أي الغالبون لأعدائكم، يقال منه: علوت قرني أي غلبته، ومنه قوله عز وجل: إن فرعون علا في الأرض {4} [سورة القصص] أي غلب وتكبر وطغى، ومنه قوله عز وجل: وأن لا تعلوا على الله {19} [سورة الدخان] أي لا تتكبروا، وكذلك قوله: ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين {31} [سورة النمل] أي لا تتكبروا. فإذا كان مأخوذا من العلو فمعنى وصف الله عز وجل بأنه علي أنه ليس فوقه أحد، وليس معناه أنه في مكان دون مكان، وإن كان مأخوذا من ارتفاع الشأن فهو سبحانه أرفع شأنا من أن نشبه به شيئا” اهــ.
فائدة مهمة
للمشبهة شبهة شديدة فرعوها على نفي موجود غير متحيز في جهة وهي قولهم: إن القول بأن الله تعالى موجود لا هو داخل العالم ولا هو خارجه نفي لوجود الله، وهذه الشبهة يبطلها أن الله تعالى ليس بجرم صغير ولا كبير، فيصح وجوده من غير أن يكون داخل العالم ولا خارجه، وقد قرر ذلك جهابذة العلماء من مشاهير علماء المذاهب الأربعة، بل هذا هو معتقد الأشاعرة والماتريدية وهم مطبقون على ذلك، وقد دل قوله تعالى: ليس كمثله شىء {11} على التنزيه، وأن الله لا يشبه شيئا من خلقه بوجه من الوجوه ومن جميع الوجوه التي هي من معاني الخلق، كالاتصاف بالحدوث والحركة والسكون والاجتماع والافتراق، والاتصاف بالمكان والاتصال بالعالم والانفصال عنه لأن كل هذه الصفات من معاني الخلق، فلا يصح أن يتصف الله بها، وقد صرح الحافظ ابن الجوزي الحنبلي بأن الله لا يجوز عليه الاتصال بالعالم والانفصال عنه ونص عبارته بعد كلام: “فإن قيل نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا: إن كان الموجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقت، فأما إذا لم يقبلهما فليس خلوه من طرفي النقيض بمحال. فإن قيل: أنتم تلزموننا بأن نقر بما لا يدخل تحت الفهم، قلنا: إن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك إلا جسم له لون وقدر، فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيئا إلا على وفق ما رءاه، لأن الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لأن العقل مضطر إلى التصديق بموجب الدليل، واعلم أنك لما لم تجد إلا جسما أو عرضا وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزا أو متحركا أو متنقلا”اهــ.
وقال ابن حجر الهيتمي بعد كلام ما نصه: “ومن ثم قال الغزالي معناه أن مصحح الاتصال والانفصال الجسمية والتحيز وهو محال – على البارىء – فانفك عن الضدين، كما أن الجماد لا هو عالم ولا جاهل، لأن مصحح العلم هو الحياة فإذا انتفت الحياة انتفى الضدان”اهــ.
قال النووي في روضة الطالبين نقلا عن المتولي: “أو أثبت ما هو منفي عنه – أي الله – بالإجماع كالألوان أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا”اهــ. والمتولي من أصحاب الوجوه من الشافعية.
وقال صاحب كتاب الدر الثمين والمورد المعين العلامة الحبر الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي ما نصه:
“سئل الإمام العالم أبو عبد الله سيدي محمد بن جلال هل يقال المولى تبارك وتعالى لا داخل العالم ولا خارج العالم؟ فأجاب السائل: هكذا نسمعه من بعض شيوخنا، واعترضه بعضهم بأن هذا رفع للنقيضين، وقال بعض فقهائنا في هذه المسألة هو الكل، أي الذي قام به كل شىء، وزعم أنه للإمام الغزالي، وأجاب بعضهم بأن هذا السؤال معضل ولا يجوز السؤال عنه، وزعم أن ابن مقلاش هكذا أجاب عنه في شرحه على الرسالة، وأجاب بأنا نقول ذلك ونجزم به ونعتقد أنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، العجز عن الإدراك إدراك، لقيام الدلائل الواضحة على ذلك عقلا ونقلا، أما النقل فالكتاب والسنة والإجماع، وأما الكتاب فقوله تعالى: ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} فلو كان في العالم أو خارجا عنه لكان مماثلا وبيان الملازمة واضح، أما في الأول فلأنه إن كان فيه صار من جنسه فيجب له ما وجب له، وأما في الثاني فلأنه إن كان خارجا لزم إما اتصاله وإما انفصاله، وانفصاله إما بمسافة متناهية أو غير متناهية، وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص.
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: “كان الله ولا شىء معه”.
وأما الإجماع فأجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لا جهة له فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف.
وأما العقل فقد اتضح لك اتضاحا كليا مما مر في بيان الملازمة في قوله تعالى: ليس كمثله شىء {11}، والاعتراض بأنه رفع للنقيضين ساقط لأن التناقض إنما يعتبر حيث يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه، وأما حيث لا يصح تواردهما على المحل ولا يمكن الاتصاف بأحدهما فلا تناقض، كما يقال مثلا “الحائط لا أعمى ولا بصير” فلا تناقض لصدق النقيضين فيه لعدم قبوله لهما على البدلية، وكما يقال في البارىء أيضا لا فوق ولا تحت وقس على ذلك، وقول من قال إنه الكل زاعما أنه للغزالي فقضية تنحو منحى الفلسفة أخذ بها بعض المتصوفة، وذلك بعيد من اللفظ، وما أجاب به بعضهم بأنه معضل لا يجوز السؤال عنه ليس كما زعم لوضوح الدليل على ذلك، وإن صح ذلك عن ابن مقلاش فلا يلتفت إليه في هذا لعدم إتقانه طريق المتكلمين إذ كثير من الفقهاء ليس له خبرة به فضلا عن إتقانه”اهــ.
وذكر ذلك أيضا من الحنفية – أي أنه تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه – شيخ المتكلمين على لسان أهل السنة أبو المعين النسفي، والإمام القونوي، والعلامة البياضي وغيرهما من مشاهيرهم.
أقول: إذا تبين هذا فلا يهولنك شبهة المجسمة ليصرفوك عن التنزيه إلى التشبيه بقولهم: لا يفهم وجوده تعالى بلا مكان ولا كمية ولا اتصال وانفصال عن العالم. فيقال لهم: من المخلوق ما يجب الإيمان بوجوده ولا يفهم بالتصور مع أن العقل يثبته وهو النور والظلام فإنهما حادثان أوجدهما الله بعد أن لم يكونا موجودين، قال الله تعالى: وجعل الظلمات والنور{1} [سورة الأنعام] فيجب علينا اعتقاد أنهما لم يكونا في بعض ما مضى من الزمن، لم يكن هذا ولا هذا، فلا يتصور عقل الإنسان وجود وقت لم يكن فيه نور ولا ظلام، فإذا صح هذا فكيف لا يصح وجود الله بلا كمية أي حد ولا مكان ولا جهة من الجهات ولا اتصال بالعالم ولا انفصال عنه بل الإيمان بصحة هذا أولى، لأن ذاك في المخلوق وهذا في الخالق الذي قال عن نفسه: ليس كمثله شىء {11}.
فائدة أخرى في إثبات إطلاق الوجه مضافا إلى الله على غير معنى الجسم
روى الترمذي في سننه عن عبد الله عن النبي: قال: “المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان”، ورواه البزار بزيادة: “وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها”، قال الحافظ أبو الحسن بن القطان في كتاب النظر: “وهو صحيح”.
فإن الوجه هنا متعين لمعنى الطاعة وفي هذا إثبات جهل المشبهة الذين يحملون الوجه الوارد مضافا إلى الله على الجزء المعروف من ابن ءادم وغيره، وفي هذا تأييد لترجيح تفسير الوجه الوارد في قول الله تعالى: كل شىء هالك إلا وجهه {88} [سورة القصص] بما يتقرب به إلى الله وهي الطاعات، وروى الحديث أيضا ابن حبان بلفظين، فما الذي دعا الوهابية لفهم الوجه بمعنى الجسم مع تركهم للمعنى الذي ورد في السنة الوجه المضاف إلى الله تعالى بالطاعة، فبهذا يكونون مثل بيان بن السمعان التميمي الذي قال في قول الله تعالى كل شىء هالك إلا وجهه {88} إن العالم يفنى كله لأنه شىء والله شىء فيفنى لكن يستثنى وجهه، فالوهابية وهؤلاء من أصل واحد وهو التجسيم، ومصيبتهم الكبرى أنهم لا يفهمون موجودا غير جسم فلذلك يستفرغون جهدهم في جعل الله جسما متصفا بصفات الجسم، فكيف يدعي هؤلاء أنهم عرفوا قول الله تعالى ليس كمثله شىء {11} وءامنوا به، فلو عرفوا ذلك وءامنوا به لما جعلوه جسما لأن العالم أعيان وصفات قائمة به كالحركة والسكون.
فائدة مهمة في تنزيه الله تعالى عن المكان والحد
وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري النيسابوري شارح كتاب الإرشاد لإمام الحرمين بعد كلام في الاستدلال على نفي التحيز في الجهة عن الله تعالى ما نصه: “ثم نقول سبيل التوصل إلى درك المعلومات الأدلة دون الأوهام، ورب أمر يتوصل العقل إلى ثبوته مع تقاعد الوهم عنه، وكيف يدرك العقل موجودا يحاذي العرش مع استحالة أن يكون مثل العرش في القدر أو دونه أو أكبر منه، وهذا حكم كل مختص بجهة. ثم نقول الجوهر الفرد لا يتصور في الوهم وهو معقول بالدليل، وكذلك الوقت الواحد والأزل والأبد، وكذلك الروح عند من يقول إنه جسم، ومن أراد تصوير الأرض والسماء مثلا في نفسه فلا يتصور له إلا بعضها، وكذلك تصوير ما لا نهاية له من معلومات الله تعالى ومقدوراته، فإذا زالت الأوهام عن كثير من الموجودات فكيف يطلب بها القديم سبحانه الذي لا تشبهه المخلوقات فهو سبحانه لا يتصور في الوهم فإنه لا يتصور إلا صورة ولا يتقدر إلا مقدر، قال الله تعالى ليس كمثله شىء {11} ومن لا مثل له لا يتمثل في الوهم، فمن عرفه عرفه بنعت جلاله بأدلة العقول وهي الأفعال الدالة عليه وعلى صفاته، وقد قيل في قوله تعالى: وأن إلى ربك المنتهى {42}: إليه انتهى فكر من تفكر هذا قول أبي بن كعب وعبد الرحمن بن أنعم، وروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا فكرة في الرب” وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا ذكر الله تعالى فانتهوا”، وقال: “تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق”.
فإن قيل كيف يعقل موجود قائم بالنفس ليس بداخل العالم ولا خارج منه.
قلنا: عرفتم استحالة ذلك ضرورة أم دلالة، وقد أوضحنا معنى مباينته بالنفس، وهكذا الجواب عن قولهم خلق الله العالم في نفسه أم مباينا عنه. قلنا-أي على زعمكم -: خلقه على مقدار نفسه أو أكبر منه أو أصغر أو فوق نفسه أو تحته.
ثم نقول: حروف الظروف إنما تستعمل في الأجرام المحدودة وكذلك الدخول والخروج من هذا القبيل وكذلك المماسة والمباينة، وقد أجبنا عن المباينة.
فإن قالوا: كيف يرى بالأبصار من لا يتحيز ولا يقوم بالمتحيز.
قلنا: الرؤية عندنا لا تقتضي جهة ولا مقابلة وإنما تقتضي تعيين المرئي، وبهذا يتميز عن العلم فإن العلم يتعلق بالمعدوم وبالمعلوم على الجملة تقديرا، وكذلك لا يقتضي اتصال شعاع بالمرئي فهي كالعلم أو في معناه.
فإن قيل: ألستم تقولون الإدراك يقتضي نفس المدرك.
قلنا: لا يقتضى تعينه ولا تحديده.
فإن قالوا: كيف يدرك وجود الإله سبحانه.
قلنا: لا كيفية للأزلي ولا حيث له وكذلك لا كيفية لصفاته، ولا سبيل لنا اليوم إلى الإخبار عن كيفية إدراكه ولا إلى العلم بكيفية إدراكه وكما أن الأكمه الذي لا يبصر الألوان إذا سئل عن الميز بين السواد والبياض والإخبار عن كيفيتهما فلا جواب له، كذلك نعلم أن من لا جهة له لا يشار إليه بالجهة. فإن قالوا: من أبصر شيئا يمكنه التمييز بين رؤيته لنفسه وبين رؤيته ما يراه، فإذا رأيتم الإله سبحانه كيف تميزون بين المرئيين، قلنا: من لا جهة له لا يشار إليه بالجهة ومن لا مثل له لا إيضاح له بالمثال، ومن لا أشكال له فلا أشكال فيه.
ثم نقول لهم: أنتم إذا رأيتم الإله كيف تميزون بينه وبين العرش وهو دونه سبحانه بالرؤية، أتميزون بينهما بالشكل والصورة أم باللون والهيئة، ومن أصلكم أن المرئي شرطه أن يكون في مقابلة الرائي، وكيف يرى القديم سبحانه نفسه، وكيف يرى الكائنات مع استتار بعضها ببعض فلا يرى على هذا الأصل بطون الأشياء، وهذا خلاف ما عليه المسلمون، وإذا كان العرش دونه فلا يحجبه عنا حالة الرؤية، قال الأستاذ أبو إسحق: من رأى الله تعالى فلا يرى معه غيره – أي في حال رؤيته للحق – فاندفع السؤال على هذا الجواب” اهــ.
ثم قال ما نصه: “فصل في نفي الحد والنهاية
اعلم أن القديم سبحانه لا يتناهى في ذاته على معنى نفي الجهة والحد عنه، ولا يتناهى في وجوده على معنى نفي الأولية عنه فإنه أزلي أبدي صمدي، وكذلك صفات ذاته لا تتناهى في ذاتها ووجودها ومتعلقاتها إن كان لها تعلق، ومعنى قولنا: لا تتناهى في الذات قيامها بذات لا نهاية له ولا حد ولا منقطع ولا حيث، وقولنا لا تتناهى في الوجود إشارة إلى أزليتها ووجوب بقائها وأنها متعلقة بما لا يتناهى كالمعلومات والمقدورات والمخبرات”.
ثم قال: “وأما الجوهر فهو متناه في الوجود والذات لأنه لا يشغل إلا حيزا له حكم النهاية وهو حادث له مفتتح ويجوز عدمه. والعرض متناه في الذات من حيث الحكم على معنى أنه لا ينبسط على محلين، ومتناه في الوجود على معنى أنه لا يبقى زمانين، ويتناهى في تعلقه فإنه لا يتعلق بأكثر من واحد.
أما المجسمة فإنهم أثبتوا للقديم سبحانه الحد والنهاية، فمنهم من أثبت له النهايات من ست جهات، ومنهم من أثبتها من جهة واحدة وهي جهة تحت، ومنهم من لا يطلق عليه النهاية. واختلفوا في لفظ المحدود فمنهم من أثبته ومنهم من منعه وأثبت الحد، وقد بينا أن إثبات النهاية من جهة واحدة توجب إثباتها من جميع الجهات ولأن النهاية والانقطاع من الجهة الواحدة تقدح في العظمة، بدليل أنه لو لم يتناه لكان أعظم مما كان، فلما تناهى فقد صغر، ويجب نفي الصغر عنه كما وجب إثبات العظمة له، يوضح ما قلناه أنهم قالوا إنما منعنا كونه وسط العالم لأنه يوجب اتصافه بالصغر، فإثبات النهاية من جانب يفضي إلى النهاية من جميع الجوانب، فقد تحقق إذا بنفي النهاية والحد عنه استحالة الاتصال والانفصال والمحاذاة عليه لاستحالة الحجمية والجثة عليه، بل هو عظيم الذات لانتفاء النهايات والصغر عنه لا لجسامة ولا لصورة وشبح” اهــ.
ثم قال: “فصل في معنى العظمة والعلو والكبرياء والفوقية: أجمع المسلمون على أن الله تعالى عظيم وأعظم من كل عظيم، ومعنى العظمة والعلو والعزة والرفعة، والفوقية واحد وهو استحقاق نعوت الجلال وصفات التعالي على وصف الكمال وذلك تقدسه عن مشابهة المخلوقين، وتنزهه عن سمات المحدثين وعن الحاجة والنقص، واتصافه بصفات الإلهية كالقدرة الشاملة للمقدورات، والإرادة النافذة في المرادات، والعلم المحيط بجميع المعلومات، والجود البسيط، والرحمة الواسعة، والنعمة السابغة، والسمع والبصر والقول القديم، والطول العميم والوجه واليد والبقاء والمجد” اهــ.