ليعلم أنه قد ذهب جمهور العلماء إلى أن والدي النبي ﷺ عبد الله وءامنة ناجيان، كذا قال الحافظ السيوطي([1])، وهو القول الصحيح المعتمد.
وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «والدا الرسول ما ماتا كافرين» لكن بعض النساخ حرفوا فكتبوا: «ماتا كافرين» وهذا غلط شنيع، كذا قال شيخنا الإمام الهرري رحمه الله ومن قبله الشيخ الفقيه جعفر بن إسماعيل البرزنجي([2]) رحمه الله.
وزاد شيخنا الهرري فقال: «نحن لا نقول ماتا كافرين إذ لا مانع من أن يكونا ألهما الإيمان بالله فعاشا مؤمنين لا يعبدان الوثن. أما حديث: «إن أبي وأباك في النار» فهو حديث معلول وإن أخرجه مسلم، ففي «مسلم» أحاديث انتقدها بعض المحدثين وهذا الحديث منها»، وممن أعل هذا الحديث الحافظ الجلال السيوطي فقال: «ظهر لي في حديث: «إن أبي وأباك في النار» علتان: إحداهما من حيث السند، والعلة الثانية من حيث الـمتن» اهـ مختصرا([3]).
وأما حديث: «إن الرسول مكث عند قبر أمه فأطال وبكى، فقيل له: يا رسول الله رأيناك أطلت عند قبر أمك وبكيت، فقال: «إني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي وطلبت أن أستغفر لها فمنعني» فهذا الحديث أيضا في «مسلم»، وهو حديث مؤول بأن يقال: إنما منعه من أن يستغفر لها حتى لا يلتبس الأمر على الناس الذين مات ءاباؤهم وأمهاتهم على الكفر فيستغفروا لهم لا أن أم الرسول ﷺ كانت كافرة، حاشاها، وهكذا يرد على الذين أخذوا بظاهر الحديث فقالوا: «إن والدة الرسول ماتت مشركة فلم يؤذن له ﷺ بأن يستغفر لها».
ومن الدليل أيضا على أن أمه ﷺ كانت مؤمنة أنها لما ولدته أضاء نور حتى أبصرت قصور بصرى بالشام مما يلي الأردن، وبين مكة والشام مسافة بعيدة. وهذا الخبر وارد في حديث ثابت رواه الحافظ ابن حجر في «الأمالي» وحسنه، ورؤية ءامنة رضي الله عنها لقصور بصرى الشام يعد كرامة لها لأن ذلك خارق للعادة.
([1]) الحاوي في الفتاوى، جلال الدين السيوطي، (2/244).
([2]) الكوكب الأنور على عقد الجوهر، جعفر بن إسماعيل البرزنجي، (ص110-111).
([3]) التعظيم والـمنة في أن أبوي النبي r في الجنة، جلال الدين السيوطي، (ص145-146).