الإثنين فبراير 16, 2026

فصل في عصمة النبي ﷺ عن الخطإ في التشريع

العجب من الذين تجرأوا على رسول الله ﷺ فادعوا أنه يخطئ في التشريع أي يجتهد فيقول في الشريعة بحكم ما خطأ، فهؤلاء قد عارضوا قول الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4].

وعصمة النبي عن الخطإ في الدين هو القول الذي عليه الـمحققون وهو الذي لا محيد عنه، قال عياض: «هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد، لعصمة النبي ﷺ من الخطإ في الاجتهاد في الشرعيات»([1]).

وعلى هذا مضى البيضاوي في «المنهاج»، والحافظ السبكي في «جمع الجوامع»، وقال في «الإبهاج»([2]): «قال البيضاوي: فرع لا يخطئ اجتهاده وإلا لما وجب اتباعه. (ش): عبر عن هذا بالفرع لكونه مبنيا على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ والذي جزم به من كونه لا يخطئ اجتهاده هو الحق، وأنا أطهر كتابي أن أحكي فيه قولا سوى هذا القول بل لا نحفل به ولا نعبأ».

ونقل الزركشي([3]) عن الحليمي قوله في الكلام على خصائص الأنبياء: «ومنها العصمة من الخطإ في الاجتهاد».

ونقل الإسنوي([4]) عن الرازي قوله: «إنه الحق»، ومثله قال ابن اللحام الحنبلي([5])، ولله در الشمس البرماوي القائل في ألفيته:

يجوز للنبي أن يجتهـدا

 

وهو مصيب ليس يخطي أبدا

وقال في الشرح([6]): «الحق الذي نعتقده أنه لا يقع خطأ ألبتة، فإن كونه يقع خطأ يضاد منصب النبوة أيضا، ويكون بعض الـمجتهدين – وهو الـمصيب – أكمل في حال إصابته من النبي، وهو محال».

وقد نقل القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في «الـمسالك»([7]) إجماع المسلمين على تكفير من خطأ النبي في التشريع.

عظته الناس وإنذاره إياهم ﷺ

393- يعظ بالجد إذا ما ذكرا

 

 

كأنه منذر جيش حذرا

 

وكان ﷺ (يعظ) الناس (بالجد) لا يشوب وعظه هزل (إذا ما ذكرا) أي ذكرهم بما فيه مصلحة دينهم ودنياهم بل يهتم بذلك غاية الاهتمام ويلقي الوعظ فيهم وعليه هيئة الواعظ الـمحذر (كأنه منذر) قوم من دنو (جيش) عظيم (حذرا) منهم، وإن من شأن من يقوم بذلك أن يشتد غضبه خوفا على قومه ويرفع صوته ليبلغهم.

وكان ﷺ ذا كلمات جوامع في عظاته ونصائحه، فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر([8])، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه([9])، فسددوا([10]) وقاربوا([11]) وأبشروا([12])، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة([13])».

 

وروى الخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن أسامة بن زيد أنه سمع أبا حازم وحفص بن عبيد الله بن أنس يقولان: «إن رسول الله كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة، فإذا رءاهم قد كسلوا([14]) فعرف ذلك فيهم أخذ بهم في بعض أحاديث الدنيا([15])، حتى إذا نشطوا وأقبلوا أخذ بهم في حديث الآخرة».

وروى ابن ماجه وأبو داود والترمذي في «السنن» عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب([16])، وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول الله: وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد، فقال: «عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة([17])، وإن عبدا حبشيا([18])، وسترون من بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين الـمهديين، عضوا عليها بالنواجذ([19])، وإياكم والأمور الـمحدثات فإن كل بدعة ضلالة([20])».

وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» أنه ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله وإذا وعظ جد وماد([21])» الحديث.

وروى البخاري في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى الـمصلى([22])، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال: «أيها الناس، تصدقوا»، فمر على النساء فقال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن([23])، وتكفرن العشير([24])، ما رأيت

 

من ناقصات عقل([25]) ودين([26]) أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن([27]) يا معشر النساء».

ظهور أمارات السرور في وجهه ﷺ

394- ويستنير وجهه إن سرا

 

 

تخاله من السرور بدرا

 

(و)كان ﷺ (يستنير وجهه) أي يضيء سرورا (إن سرا) بشيء حتى إنك إذا رأيته (تخاله) أي تحسبه (من السرور بدرا) تام الإنارة.

وأصل ما في النظم ما رواه الشيخان من حديث كعب بن مالك: «سلمت على رسول الله وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه».

ورويا أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله دخل عليها مسرورا تبرق([28]) أسارير وجهه([29])».

وأخرج أبو الشيخ بن حيان عن ابن عمر رضي الله «كان النبي يعرف رضاه وغضبه بوجهه، كان إذا رضي فكأنما تلاحك الجدر([30]) وجهه» الحديث.

تخليته ظهره ﷺ للملائكة إذا مشى

395- يمنع أن يمشي خلفه أحد

 

 

بل خلفه ملائك الله الأحد

 

ومن عظيم تواضعه ﷺ أنه كان يقدم أصحابه عليه إذا مشوا و(يمنع) من (أن يمشي خلفه أحد) منهم (بل) يأمرهم أن يكونوا قدامه ويترك (خلفه) لأن ترافقه (ملائك الله) الواحد الذي لا شريك له (الأحد) أي الذي لا يقبل الانقسام ولا التجزؤ لأنه تعالى ليس جسما ولا يشبه شيئا من المخلوقات.

وكان ﷺ لا يدع أحدا يمشي معه وهو راكب حتى يحمله معه فوق الدابة، فإن أبى الماشي قال له ﷺ: تقدمني إلى المكان الفلاني، وذلك تواضعا منه ﷺ.

جميل صفحه ﷺ وعفوه

396- وليس يجزي سيئا بمثله

 

 

لكن بعفو وبصفح فضله

 

(و)من عظيم أخلاقه وحسن شمائله ﷺ أنه (ليس يجزي) أي يقابل من يسيء إليه الإساءة (سيئا بمثله) مكافأة وانتقاما و(لكن) يقابل ذلك (بعفو) منه ﷺ مع قدرته على الانتقام منه (وبـ)ـجميل (صفح) منه ﷺ تفضلا دالا على (فضله) وسمو شيمه عليه السلام.

والآثار الدالة على عفوه وجميل صفحه عمن ءاذوه كثيرة تكل عن نسخها الأيدي وتضيق عن جمعها الكتب، من ذلك ما رواه البيهقي بسنده إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى أبي يوسف القاضي قال: «أن رسول الله ﷺ عفا عن مكة وأهلها([31]) وقال: «من أغلق عليه بابه فهو ءامن، ومن دخل الـمسجد فهو ءامن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو ءامن» ونهى عن القتل إلا نفرا قد سماهم إلا أن يقاتل أحد فيقاتل، وقال لهم حين اجتمعوا في الـمسجد: «ما ترون أني صانع بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء([32])». قال أبو يوسف: ولم يجعل منها فيئا قليلا ولا كثيرا، لا دارا ولا أرضا ولا مالا، ولم يسب من أهلها أحدا، وقد قاتله قوم فيها([33]) فقتلوا وهربوا فلم يأخذ من متاعهم شيئا، ولم يجعله فيئا، وقد أخبرتك أن رسول الله ﷺ ليس في هذا كغيره فهذا من ذلك، فتفهم».

وروى الحاكم في «الـمستدرك» عن عكرمة بن أبي جهل قال: لما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قلت: يا محمد، إن هذه([34]) أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول الله ﷺ: «أنت ءامن»، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس. قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله، استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك([35])»، قلت: يا رسول الله، مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله([36])، وتجاهد في سبيله»، ثم قال عكرمة: «أما والله يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالا في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله». ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيدا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان رسول الله ﷺ استعمله عام حجته على هوازن يصدقها([37])، فتوفي رسول الله ﷺ وعكرمة يومئذ بتبالة([38]).

وروى البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن مما جاء في وصف نبينا محمد ﷺ في التوراة الصحيحة التي أنزلت على موسى ﷺ: «ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق([39])، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح».

حبه ﷺ للفأل وكراهيته للطيرة

397- كان يحب الفأل ممن ذكره

 

 

وكان يكره اتباع الطيره

 

و(كان) رسول الله ﷺ (يحب الفأل) الحسن (ممن ذكره)، والفأل لفظ يستعمل فيما يسر وفيما يسوء، والغالب استعماله في السرور خلافا للطيرة. وقد روي عنه ﷺ أنه سئل عن الفأل فقال: «كلمة صالحة يسمعها أحدكم» أي فيتفاءل بها ويفرح.

(وكان) ﷺ (يكره) أي لا يحب (اتباع الطيرة) وهي التشاؤم الـمتعارف عليه في الجاهلية، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تنفر الطير وتزجرها فإذا مرت الطير من اليمين إلى اليسار خرج أحدهم في حاجته وإلا تشاءم ولم يخرج، حتى إنهم صاروا يتطيرون بغير الطيور أيضا كالظباء.

وأما ما ورد في الحديث: «الطيرة شرك» فمعناه اعتقاد أن الطيرة تنفع أو تضر بدون مشيئة الله وخلقه هو شرك بالله تعالى مخرج من الإسلام، ليس أن مجرد التشاؤم بمجيء فلان أو ذهابه يكون شركا. ومما يخرج من الإسلام، والعياذ بالله، أن يعتبر الشخص شيئا حسنه الشرع أنه شؤم بذاته.

وأما ما رواه البخاري في «الأدب الـمفرد» عن حابس التميمي أن رسول الله ﷺ قال: «لا شيء في الهام، وأصدق الطيرة الفأل» فمعناه أنه ليس في فعل الجاهلية من تنفير طير الهام طلبا للطيرة خير، وأما الفأل فيما فيه خير فهو حسن، وإطلاق الطيرة على الفأل مجاز، لأن الأصل أن الطيرة لا تكون إلا في السوء وقد تستعمل مجازا في السرور، كذا قاله الحافظ النووي([40]).

([1]) الشفاء القاضي عياض بن موسى، (1/235).

([2]) الإبهاج في شرح المنهاج، تقي الدين السبكي، (7/2888).

([3]) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي، (8/253).

([4]) نهاية السول شرح منهاج الوصول، جمال الدين الإسنوي، (ص396).

([5]) المختصر في أصول الفقه، ابن اللحام الحنبلي، (ص104).

([6]) الفوائد السنية في شرح الألفية، شمس الدين البرماوي، (5/298).

([7]) الـمسالك في شرح موطأ مالك، أبو بكر بن العربي، (3/408).

([8]) أي: ذو يسر، سهل سمح.

([9]) أي: غلب الدين عليه وعجز هذا الـمشاد عن أداء الحقوق.

([10]) أي: احرصوا على إصابة الحق ومتابعة الرسول فاعملوا أعمالكم مسددة لا غلو فيها ولا تقصير.

([11]) اطلبوا القرب بطاعة الله، وهو قرب معنوي، فالله موجود بلا مكان، ولا مسافة بينه وبين خلقه.

([12]) أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل.

([13]) استعينوا على حوائجكم واستنجاحكم بالصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل.

([14]) أي: تعب بعضهم.

([15]) أي: مما فيه نفع لمصالح دنياهم.

([16]) أي: فزعت.

([17]) لمن يلي أمركم من الأمراء ما لم يأمروا بمعصية عادلا كان أو جائرا، وإلا فلا سمع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن لا يجوز الخروج على الخليفة ومحاربته وإن كان جائرا ما لم ير منه كفر بواح أي ظاهر.

([18]) أي: وإن تأمر عليكم عبد من الحبشة لأن العبد العربي والرومي ثمنه عند الناس أغلى من الحبشي.

([19]) الـمبالغة في التمسك بهذه الوصية بجميع ما يمكن من الأسباب الـمعينة عليه، كالذي يتمسك بالشيء ثم يستعين عليه بأسنانه، استظهارا للمحافظة، وعلى هذا التأويل فالنواجذ هي الأنياب، ويجوز أن يكون معناه المحافظة على هذه الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد.

([20]) هو نص عام مخصوص، والمراد به غالب البدع.

([21]) أي: اجتهد وأعطى الـمستمع للوعظ ما ينفعه.

([22]) أي: مكان الصلاة.

([23]) وأما تكثرن اللعن بغير حق بأن تلعن ولدها أو زوجها أو من لا يحل لها لعنه وهو من الكبائر.

([24]) أي: حال أكثركن أنكن تجحدن إنعام الخليط عليكم وهو الزوج أو أعم من ذلك.

([25]) نقصان عقلهن ذلك لأن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل.

([26]) نقصان دينهن ذلك لبقائهن دون صلاة طوال مدة الحيض.

([27]) أي: إذا أراد بعضهن شيئا غالبن بعض الرجال عليه حتى يفعلوه سواء كان صوابا أو خطأ.

([28]) أي: تشرق.

([29]) الأسارير الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.

([30]) هو الـمرءاة توضع في الشمس فيرى ضوؤها على الجدار، معناه وجهه الشريف منير وضاء.

([31]) حين كانت تحت أيدي الـمشركين.

([32]) أي: الذين أطلق سراحهم فلم يقتلوا ولم يؤسروا.

([33]) أي: من قبل.

([34]) يقصد زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام كما بينت ذلك الروايات الأخرى.

([35]) أي: عن دينك.

([36]) مراده أن يكرر النطق بالشهادتين بعد أن تشهد قبل ودخل في الإسلام، فإن الشهادتين أفضل الكلام ولما ورد في الحديث: «لا إله إلا الله أحسن الحسنات»، وحديث: «لا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل».

([37]) بكسر الدال مشددة أي يأخذ منهم الزكوات.

([38]) قرية صغيرة في طريق مكة من اليمن وبينهما أربع مراحل.

([39]) أي: لا يرفع الصوت بهيئة تخل بمروءته ولا يخاصم غيره إحقاقا للباطل وإبطالا للحق.

([40]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (14/219).