السبت يناير 24, 2026

   (فصل) في شروط الشاهد.

  الشهادة هي إخبار بحق لغيره على غيره بلفط مخصوص وقال بعضهم إخبار عن شىء بلفظ خاص فدخل في الشىء هلال رمضان والمراد باللفظ المخصوص أو الخاص لفظ أشهد بعينه فلو أبدله بغيره كأعلم أو أتيقن لم يكف.

  والأصل فيها قبل الإجماع ءايات كقوله تعالى في سورة البقرة (ولا تكتموا ٱلشهٰدة) وقوله عز وجل في سورة البقرة أيضا (وٱستشهدوا شهيدين من رجالكم ۖ فإن لم يكونا رجلين فرجل وٱمرأتان ممن ترضون من ٱلشهدآء) وأخبار كخبر الصحيحين ليس لك إلا شاهداك أو يمينه اهـ

  وأركان الشهادة خمسة شاهد ومشهود له ومشهود به ومشهود عليه وصيغة.

  (ولا تقبل الشهادة) عند القاضي (إلا ممن اجتمعت فيه) عند الأداء وإن لم تجتمع فيه عند التحمل إلا فيما تتوقف صحته على الشهود كالنكاح فيعتبر فيه أن يكون كاملا عند التحمل كالأداء (خمس خصال) أحدها (الإسلام) قال الغزي هنا (ولو بالتبعية) وحذف لإشكاله إذ من يحكم بإسلامه بالتبعية الصبي والمجنون وكلاهما لا تقبل شهادته إلا أن يراد أنه تقبل شهادته بعد بلوغه وصحوه لكن ذلك غير ظاهر من العبارة فلا تقبل شهادة كافر على مسلم أو كافر لأن الله تعالى يقول في سورة الطلاق (وأشهدوا ذوى عدلۢ منكم) والكافر ليس بعدل وليس منا وهو يكذب على الله تعالى فلا يؤمن أن يكذب على خلقه (و)الثاني (البلوغ) فلا تقبل شهادة صبي ولو مراهقا لقوله تعالى (من رجالكم) والصبي ليس من رجالنا (و)الثالث (العقل) فلا تقبل شهادة مجنون إجماعا (و)الرابع (الحرية) ولو بالدار بأن وجد لقيطا في دار الإسلام فلا تقبل شهادة رقيق قنا كان أو مدبرا أو مكاتبا أو مبعضا (و)الخامس (العدالة) وهي لغة التوسط وشرعا ملكة في النفس أي صفة راسخة فيها تمنعها من اقتراف الكبائر ولو واحدة ومن الإصرار على الصغائر أي الاستمرار بفعلها مع عدم التوبة منها بحيث تغلب حسناته ومن ارتكاب خوارم المروءة وسيأتي زيادة بيان لها إن شاء الله إذ كل ذلك يخل بالثقة بصاحبه ولا يرضى من اتصف به للشهادة. وأهمل المصنف رحمه الله شروطا منها كونه ناطقا فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته وكونه متيقظا فلا تقبل شهادة مغفل لا يضبط الأمور وكونه غير متهم فلا تقبل شهادة المتهم لعداوة مثلا بينه وبين المشهود عليه لقوله تعالى في سورة البقرة (وأدنىٰٓ ألا ترتابوٓا) والريبة حاصلة في المتهم وكونه رشيدا فلا تقبل شهادة محجور عليه بسفه.

  (وللعدالة خمس شرائط) أحدها (أن يكون) الشاهد (مجتنبا للكبائر) أي لكل فرد من افراد الكبائر فلا تقبل شهادة صاحب كبيرة كالزنى وقتل النفس بغير حق وشرب الخمر وترك الصلاة وغير ذلك وعرفها بعضهم بأنها كل جريمة تؤذن أي تشعر برقة الديانة وقلة اكتراث صاحبها بالدين وأوضخ من ذلك قول بعض بأنها ما لحق صاحبها حد أو وعيد شديد كلعن بنص كتاب او سنة أو إجماع واعتمده شيخنا الهرري رحمه الله تعالى.

  والشريطة الثانية أن يكون (غير مصر على القليل من الصغائر) أي أن لا يصر على الصغائر ولو كانت قليلة من حيث النوع حتى لو لازم صغيرة واحدة بحيث غلبت صغائره بسببها حسناته اي بحيث صار عدد صغائره أكثر من عدد اعماله الحسنة عد هذا الإصرار كبيرة ترد به شهادته. والصغائر كثيرة منها النظر المحرم وكشف العورة ولو في الخلوة لغير حاجة وهجر المسلم فوق ثلاث لغير عذر والتضمخ بالنجاسة لغير حاجة واللعب بالنرد والاستماع إلى ءالات الملاهي المحرمة كالطنبور والمزمار العراقي الذي يضرب به مع الأوتار واليراع وهو الشبابة وكتصوير الحيوان وستر الجدران بالحرير وغير ذلك.

  والثالثة أن يكون (سليم السريرة) أي العقيدة فلا تقبل شهادة مبتدع يكفر ببدعته كمن أنكر البعث أو خلق الله لأعمال العباد أو قال بالجسمية او التحيز في الجهة في حق الله تعالى وكمن نفى صفة من صفات الله الثلاث عشرة كما لا تقبل شهادة من جرته بدعته غلى الفسق العملي كساب الشيخين أما من عدا هؤلاء من المبتدعة فتقبل شهادته كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه أقبل شهادة أهل الأهواء يعني ممن لا يكفر ببدعته ولم تجره بدعته إلى الفسق العملي إلا الخطابية اهـ اي فيستثنى من قبول شهادة المبتدعة الذين لا يكفرون ببدعتهم الخطبية الذين لم يثبت عنهم ما يقتضي تكفيرهم فلا تبل شهادتهم لأنهم يجوزون الشهادة لصاحبهم إذا سمعوه يقول لي على فلان كذا فيعتمدون في شهادتهم قول صاحبهم لاعتقادهم أنه لا يكذب فإن بينوا السبب كأن قالوا رأيناه يقرضه كذا مثلا قبلت شهادتهم لتبين أنهم لم يعتمدوا فيها على قول صاحبهم وقد تقدم ذلك.

  مبحث مهم. اساء بعض فهم كلام إمامنا الشافعي فظن أن الإمام لا يكفر أحدا من أهل البدع طالما هم ينفون الشريك عن الله ويصدقون بنبوة رسول الله عليه الصلاة والسلام وبنوا على ذلك عدم تكفير المجسم ولو أطلق على الله سبحانه الجسمية وهو مدرك لمعنى ذلك اي وهو معتقد في الله تعالى الجهة والمكان والحيز والطول والعرض والعمق وغير ذلك من صفات الأجسام وعدم تكفير المعتزلي ولو نفى الصفات ونفى القدر وادعى جريان أفعال العبد الاختيارية بغير تقدير الله ومشيئته ونفى خلق الله لها وزعم أن الله أعطى العبد القدرة على خلق أفعاله وأنه صار شريكا لله في التخليق والإخراج من العدم إلى الوجود وأنه بعد ذلك خرجت هذه الأفعال من تحت قدرة الله ودخلت تحت قدرة العبد ولم يعد لله تعالى قدرة عليها ومن ظن ذلك من كلام الإمام فقد أبعد النجعة ولم يصب فهم كلامه كيف وقد نقل أساطين مذهبه عنه تكفير المجسم كما نقل ذلك عن غيره من الأئمة المجتهدين ونص هو مرارا كسائر السلف على تكفير القدرية بإنكارهم القدر كما بنفي الصفات وقد حقق هذه المسئلة الإمام عمر بن رسلان البلقيني الشافعي المنسوب إلى بلوغ رتبة الاجتهاد رحمه الله في حواشيه على الروضة قوله (المنسوب إلى بلوغ رتبة الاجتهاد) أي من قبل علماء المذهب والمترجمين لفقهاء الشافعية فقد كان علامة محققا مدققا فقيها بارعا مفسرا حافظا أصوليا نظارا متكلما نحويا لغويا أي فهو أعلى رتبة في العلم من النووي والرافعي رحمهما الله تعالى اللذين بلغا رتبة الترجيح فقط في المذهب فقال وقول الشافعي رضي الله عنه أقبل شهادة اهل الأهواء إلا الخطابية محمول على من لم تثبت فيهم قضية معينة تقتضي تكفيرهم اهـ أراد رحمه الله أن الشخص المنسوب إلى الوهابية أو الاعتزال أو نحو ذلك من البدع يقبل الإمام شهادته طالما لم يثبت عليه أنه يعتقد بدعة م، بدعهم المكفرة وذلك لأن في بدعهم ما يصل إلى حد الكفر وفيها ما ليس كذلك فطالما لم يتحقق منه الأخذ بالمكفر منها لا يكفر المنتسب إلى بعضها ويقبل شهادته أما إذا تحقق ذلك فلا يقبل شهادته ويكفره واستدل البلقيني لذلك بتكفير الشافعي لزعيم المعتزلة المسمى بحفص الفرد فإنه لما جادله في مسئلة القرءان قال له لقد كفرت بالله العظيم اهـ قال البلقيني الصحيح أو الصواب أن قول الإمام الشافعي رضي الله عنه محمول على من لم يثبت عليه قضية معينة تقتضي كفره وهذا نص عام وقد نص خاصا على تكفير من قال بخلق القرءان أي من زعم بأن الله تعالى ليس متصفا بكلام أزلي أبدي لا يشبه كلامنا أسمعه سيدنا موسى بل ليس لله كلام غلا الألفاظ المخلوقة المنزلة في الكتب السماوية وأن هذا ما يطلق عليه القرءان فقط وهذه عقيدة المعتزلة والقول بالخاص هو المقدم اهـ كما لا يصح الاستدلال بما قاله عدة من تصحيح الصلاة خلف المعتزلة فإن البلقيني وغيره ذكروا أنه محمول على من لم تثبت في حقه عند المقتدي بهم مقالة مكفرة اهـ ولا يصح تأويل كلام الشافعي بأنه أراد به كفر النعمة لا كفر الخروج من الإسلام لأن لفظ الكفر ظاهر في عرف الشرع أنه بمعنى الخروج من الإسلام ولا يجوز العدول عن ذلك إلى معنى ءاخر بالتأويل غلا بدليل ولا دليل على التأويل هنا مع التنبه إلى زيادة إبعاد المعنى عن إرادة كفر النعمة بقوله رضي الله عنه كفرت بالله العظيم اهـ وبثبوت نصوص أخرى عن الإمام الشافعي يكفر فيها أصحاب هذا الاعتقاد المخالف وبأن اصحاب الإمام لم يفهموا من كلامه إلا الإخراج من الدين بل هذا الذي فهمه حفص الفرد نفسه ولذلك قال البلقيني هذا التأويل لا يصح لأن الذي أفتى الشافعي رضي الله عنه بكفره هو حفص الفرد وقد قال أراد الشافعي ضرب عنقي وهذا هو الذي فهمه أصحابه الكبار وهو الحق وبه الفتوى اهـ وعلى كل حال فقد ذكر الإمام أبو منصور البغدادي في كتاب أصول الدين له أن الإمام الشافعي رحمه الله رجع عن القول بقبول شهادة أهل الأهواء اهـ فهو ءاخر قولي الإمام وعليه فالمبتدع لا تقبل شهادته بلغ ببدعته الكفر أم لم يبلغ.

  والرابعة أن يكون (مأمونا عند الغضب) فلا تقبل شهادة من لا يؤمن عند غضبه بأن تحمله نفسه عند غضبه على الوقوع في قول الزور والكذب ونحوهما.

  والشريطة الخامسة ان يكون (محافظا على مروءة مثله) والمروءة تخلق الإنسان بخلق أمثاله من أهل الفضل في زمانه ومكانه وترك ما يزري بمتعاطيه لكونه غير لائق به عرفا فهي مختلفة باختلاف الأضخاص والأحوال وتركها إما لنقص عقل أو عدم مبالاة فيساء بتاركها الظن وتبطل الثقة بقوله فلذا لا تقبل شهادة من لا مروءة له كمن يمشي في السوق مكضوف الرأس أو البدن غير العورة في بلد لم يعتد أهله ذلك من أمثاله بل يزرون على من يفعله وكمن يبتذل كبيرا أي يستخدمه بنقل نحو ماء لمنزله وكتقبيل زوجته أو أمته بحضرة الناس غير قبلة الشفقة وكمد الرجل عند الناس الذين يحتشمهم ويستحي منهم بلا عذر قوله (الذين يحتشمهم ويستحي منهم) قال الأذرعي فلو كان بحضرة إخوانه أو نحوهم كتلامذته لم يكن ذلك تركا للمروءة اهـ وكالإكثار من الحكايات المضحكة بين الناس بحيث يصير ذلك عادة له ما لم يكن طبعا من غير تصنع والإكباب على لعب الشطرنج بحيث يشغله عن مهامته وإن لم يقترن به ما يحرمه أو على غناء أو سماعه وإكثار رقص وكحرفة دنيئة غير محرمة كحجامة أي بأجرة وكنس زبل ونحوه ودبغ ممن لا يليق ذلك به أي إذا اختارها لنفسه مهنة بلا عذر مع حصول الكفاية بغيره وغير ذلك مما يضبط بما تقدم. وإيراد خوارم المروءة في تعريف العدالة يقتضي أن من وقع في خوارم المروءة انتفت عدالته وهو ما ذهب إليه بعض وقال بعض لا تنتفي عدالته لكن لا تقبل شهادته فليس اجتناب خوارم المروءة عندهم من العدالة بل هو من شروط قبول الشهادة ولعله الأنسب بزماننا.

  فائدة. قال في فتح الجواد ترد شهادة من أكثر الكذب وخلف الوعد وإن لم يفسق بذلك اهـ