47- …………………………….
|
| وأرضعته حين كان طفلا
|
(وأرضعته) ﷺ مرضعة غير والدته ءامنة (حين كان طفلا) في سن الرضاع (مع) رضيعين ءاخرين (عمه حمزة) بن عبد المطلب رضي الله عنه (ليث القوم) أي أسدهم، فإنه لما أسلم رضي الله عنه كان يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بسيفين ويقول: «أنا أسد الله وأسد رسوله»([2]).
(و)رضع ﷺ في صغره أيضا (مع أبي سلمة) عبد الله (المخزومي) وكانت المرضعة هي (ثويبة) الأسلمية، فأرضعت الثلاثة في فترة إرضاعها ولدها مسروحا، فكان الثلاثة إخوة للنبي ﷺ من الرضاع من ثويبة.
(وهي) أي ثويبة أمة مملوكة تنتمي (إلى أبي لهب) أي كانت ملكه فـ(ـأعتقها) حين بشرته بولادة النبي محمد ﷺ (وإنه) أي أبا لهب (حين انقلب هلكا) أي مات فيما بعد على الشرك (رئي نوما) أي في المنام – وكان الرائي العباس لما كان بعد على الشرك كما قاله بعض أهل السير – أنه في عذاب وهو (بشر حيبة) أي أسوء حال (لكن) أي إلا أنه رئي بأن قد (سقي) شيئا قليلا من الشراب (بـ)ـسبب (عتقه ثويبة) أمته حين بشرته بولادة محمد بن عبد الله ﷺ، ولا يلزم من مجرد رؤية ذلك في المنام أن يخفف العذاب عن أبي لهب في الحقيقة بعد أن ثبت موته على الكفر، فإن الرؤيا المنامية لا يثبت بها حكم شرعي، فكيف إذا كان حملها على ظاهرها مصادما لنصوص الشريعة فلا شك أنه لا يجوز إجراؤها على الظاهر، ولا نزاع بين المسلمين في أنه لا تخفيف عن الكافر لشيء من العذاب في الآخرة، فقد قال الله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضىٰ عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] ثم أكد ربنا عز وجل بأن العذاب وعدم التخفيف جزاء كل فرد من أفراد الكافرين في الآخرة فجاء في تتمة هذه الآية: {كذلك نجزي كل كفور}.
(وبعدها) أي وبعد إرضاع ثويبة النبي ﷺ أرضعته (حليمة) بنت أبي ذؤيب (السعدية) نسبة إلى جدها سعد بن بكر (فظفرت) أي ففازت (بـ)ـإرضاع نور الكونين وشمس الثقلين محمد (الدرة السنية) أي المضيئة المرتفعة القيمة، وقد شبهه الناظم بالدرة المضيئة لإشراق لونه ﷺ وضياء جسمه وعلو منصبه على العالمين.
و(نالت) حليمة (بـ)ـإرضاعـ(ـه) ﷺ حين كان طفلا (خيرا وأي خير) حازت، أي وقد نالت خيرا كثيرا (من سعة) أي فسحة في الرزق (ورغد) أي هناء في العيش (ومير) بفتح الميم أي ميرة بكسر الميم وهو الطعام الذي يجلب من البدو إلى الحضر([3])، فيجوز تسميته ميرا وميرة، وفي المثل يقال: «ما عنده خير ولا مير» أي لا مال عنده ولا طعام.
اختلف في عدد مرضعاته ﷺ، فذهب كثير إلى أنهن أربعة: أمه ءامنة، وحليمة السعدية، وثويبة عتيقة أبي لهب، وأم أيمن بركة بنت ثعلبة الحبشية حاضنته ﷺ ومربيته في صغره، وهي زوجة الصحابي زيد بن حارثة وأم أسامة بن زيد وقد ورثها بقيت ملازمة له في حياته وماتت بعده ﷺ.
وذهبت طائفة ثانية من أهل السير إلى أن جملة مرضعاته ﷺ ثمان: الأربعة اللائي ذكرن، وخولة بنت الـمنذر ذكرها ابن سيد الناس([4]) والمعروف أنها من الحواضن لا من الـمراضع كما قاله بعضهم([5])، وثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن عاتكة، كذا نقله السهيلي([6]) وغيره عن بعض أهل السير في تأويل قوله ﷺ: «أنا ابن العواتك من سليم» وهو حديث رواه الطبراني وسعيد بن منصور، لكن اختار السهيلي أن الثلاثة جداته ﷺ لا مرضعاته وذلك أن عاتكة بنت هلال هي أم عبد مناف، وعاتكة بنت مرة هي أم هاشم، وعاتكة بنت الأوقص هي أم وهب جده لأمه، والأولى من العواتك عمة الثانية، والثانية عمة الثالثة، مع أنه مختلف في عدد العواتك من جداته ﷺ فمنهم من قال أربعة ومنهم من قال هي إحدى عشرة، كما نص عليه الحافظ ابن عساكر([7]).
وذهبت طائفة ثالثة من أهل السير([8]) إلى أن مرضعاته ﷺ عشرة: الثمان اللاتي سبق ذكرهن، وامرأة سعدية أي من بني سعد غير حليمة، وأم فروة ذكرها الـمستغفري.
وذكر أبو الفرج الحلبي في «سيرته»([9]) أن والدة النبي ﷺ الولية الصالحة السيدة ءامنة رضي الله عنها قد أرضعت رسول الله ﷺ تسعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، حكاهما الديار بكري([10]) عن أهل السير، ووقع لبعضهم أنه سبعة أشهر، ووهمه الزرقاني([11]).
([1]) أي رئي في الـمنام أنه كذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة وأنه لا يخفف العذاب عن الكافر في القبر ولا في الآخرة.
([2]) المعجم الكبير، أبو القاسم الطبراني، الحديث (2953).
([3]) جمهرة اللغة، أبو بكر بن دريد، (3/1267).
([4]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/46).
([5]) تاريخ الخميس، حسين الديار بكري، (1/222).
([6]) الروض الأنف، أبو القاسم السهيلي، (1/432).
([7]) تاريخ دمشق، أبو القاسم بن عساكر، (3/111).
([8]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (1/378).
([9]) إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (السيرة الحلبية)، نور الدين الحلبي، (1/129).