الثلاثاء فبراير 24, 2026

فصل في ذكر خفافه وجبابه ﷺ

944- كان له خفان ساذجان
945- كذا له أربعة منها أخر
946- له ثلاث من جباب تلبس
947- أخضر ثم جبة طيالسه

 

أهداهما أصحمة الرباني
أصابها من سهمه من خيبر
في الحرب إحداهن منها سندس
تغسل للمرضى وكانت ملبسه

 و(كان له) ﷺ (خفان) جمع خف بضم الخاء (ساذجان) بفتح الذال أي غير منقوشين إما بالخيطة أو بغيرها، أو من غير شية فيهم تخالف لونهما، أو مجردين عن الشعر، والخف غير النعل، فما ستر الكعب وأحاط بالقدم فهو الخف، وقد جاء في الحديث عند أبي داود والترمذي في «السنن» وغيرهما أنه قد (أهداهما) أي الخفين له ﷺ ملك الحبشة النجاشي (أصحمة) بن أبجر الذي أسلم وحسن إسلامه، فلبس ﷺ هذه الخفين وتوضأ ومسح عليهما، وكان أصحمة رضي الله عنه جوادا يهدي إلى النبي ﷺ الكثير من الهدايا، فهو رضي لله عنه التقي (الرباني) أي العبد الصالح العامل بعلمه، وقد صح عند الشيخين أن رسول الله ﷺ قال حين مات أصحمة: «مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة».

(كذا) كان (له) أي للنبي ﷺ (أربعة) أزواج (منها) أي الخفاف (أخر) غير ما أهداه إليه أصحمة، وقد (أصابها) أي دخلت هذه الخفاف في ملكه ﷺ (من سهمه) الخاص به ﷺ (من) غنيمة غزوة (خيبر) وقد سبق خبر الغزوة في بابه.

 

وكان (له) ﷺ (ثلاث من جباب) بكسر الجيم جمع جبة بضم الجيم وهي ثوب مقطوع الكم طويل يلبس فوق الثياب([1])، وقال بعضهم: ثوبان يطارفان ويجعل بينهما فصل، فإن كانت من صوف جازت أن تكون واحدة غير محشوة([2])، وبما كانت (تلبس في الحرب إحداهن) أي إحدى جبابه ﷺ وذلك لثخن نسيجها.

و(منها) أي الثلاث جبة (سندس) بترك التنوين للضرورة وهو ما رق من الديباج ولونها (أخضر) وقد جاء في حديث عند الشيخين أنه أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها فقال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده([3]) لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».

وكان ﷺ يعجبه الثباب الخضر، وجاء في أحاديث منها ما رواه أحد في «الـمسند» والدارمي في «السنن» أن رسول الله ﷺ «خرج على أصحابه وعليه ثوبان أخضران»، ورى أبو داود والترمذي والنسائي في «السنن» أن رسول الله ﷺ رئي «جالسا في ظل الكعبة وعليه بردان أخضران»، وغير ذلك.

(ثم) إنه كان لرسول الله ﷺ (جبة طيالسه) بإسكان الآخر للوزن، أي جبة من الجباب الطيالسة، فالطيالسة جمع طيلسان بفتح اللام وهي تعريب تالسان لباس أعجمي([4]) مدور أسود([5]) له علم([6])، وقد فسر بعضهم الطيالسة بالخلق البالي فقال الملا علي القاري([7]): «وفسرت بالخلق وهو إما من أصلها وإما لما طرأ عليها لأن هذه الجبة صارت بيد أسماء بعد موت أختها عائشة وهي ماتت بعد النبي ﷺ بنحو خمس وأربعين سنة».

وكانت هذه الجبة المذكورة كسروانية – بكسر الكاف وتفتح – نسبة إلى كسرى ملك الفرس([8])، وكان الصحابة يستشفون بهذه الجبة لأنها مست جسد رسول الله ﷺ فتؤخذ و(تغسل) ثم يسقى هذا الماء (للمرضى) فيشفون بإذن الله عز وجل (وكانت) هذه الجبة (ملبسه) أي ثبت أنه ﷺ لبسها ليس أنه أهديها فترك لبسها، ولعل الناظم يريد الإشارة إلى أنه ﷺ كثيرا ما كان يلبسها.

وروى مسلم في «صحيحه» وغيره أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: هذه جبة رسول الله ﷺ، فأخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين([9]) بالديباج، فقالت: «هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها».

قال القاضي عياض عقب ذكر الحديث([10]): «لما في ذلك من بركة ما لبسه النبي ﷺ أو لمسه، وقد جرت عادة السلف والخلف بالتبرك بذلك منه ﷺ ووجود ذلك وبلوغ الأمل من شفاء وغيره».

وقال النووي([11]): «وفي هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم».

تتمة: عد الناظم رحمه الله الجباب الشريفة ثلاثة مع أنه جاء في بعض كتب الحديث أنه ﷺ كان له جبة رومية، فروى ابن ماجه والنسائي في «السنن» وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم وعليه جبة رومية من صوف ضيقة الكمين، فصلى بنا فيها ليس عليه شيء غيرها».

ذكر نبله ﷺ

ولما فرغ الناظم من الكلام على بعض لباس النبي ﷺ عاد إلى الكلام على بعض ءالات الحرب التي كانت عند رسول الله ﷺ، وكان يناسب ذكره في الموضع الذي تكلم فيه رحمه الله على ءالات الحرب فيما سبق.

948- ونبله سمي بالمؤتصلة

 

 

ومنه ما سمي بالمتصلة

 

 وذكر الناظم أن رسول الله ﷺ كان له نبل وهي السهام العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وتجمع على نبال وأنبال([12])، (ونبله) ﷺ (سمي) بعضها بأسماء خاصة، فعرف بعضها (بالمؤتصلة) وقيل: الـموصلة، سميت بها تفاؤلا بوصول السهام إلى العدو([13])، (و)ذهب الناظم إلى أن (منه) أي من نبله ﷺ (ما سمي بالـمتصلة) تفاؤلا باتصالها بالأعداء كما سبق في الموصلة، لكن الذي عليه مغلطاي([14]) أن الـمتصلة هي نفسها يقال إنها تسمى المؤتصلة.

([1]) التعريفات الفقهية، محمد البركتي، (ص68).

([2]) الميسر في شرح مصابيح السنة، شهاب الدين التوربشتي، (3/975).

([3]) أي أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([4]) أي: صنعته العجم كما يبينه كونها كسروانية.

([5]) الـمغرب في ترتيب الـمعرب، أبو الفتح الـمطرزي، (ص292).

([6]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (7/299).

([7]) شرح الشفا، الملا علي القاري، (1/670).

([8]) شرح صحيح مسلم، محيي الدين النووي، (14/44).

([9]) التقدير «ورأيت فرجيها مكفوفين» أي رأت موضعي الشق منها معطوفي الأطراف.

([10]) إكمال الـمعلم، القاضي عياض اليحصبي، (6/582).

([11]) شرح صحيح مسلم، محيي الدين النووي، (14/44).

([12]) الصحاح، أبو نصر الجوهري، (5/1823).

([13]) تاريخ الخميس، حسين الديار بكري، (2/189).

([14]) الإشارة، علاء الدين مغلطاي، (ص396).